كنت أعمل معها في البنك ذاته منذ أكثر من ثلاث سنوات وخلال هذه الفترة كنت أراقبها فوجدتها إنسانة ملتزمة وهذا ما دفعني لأن اهتم بها أكثر، إلا أنه ومع مرور الأيام تحول الاهتمام إلى حب. هكذا أحببتها من كل قلبي وتمنيت أن أتزوجها وأخيراً تشجعت وأفصحت لها عن مشاعري فوجدت لديها قبولاً شجعني لأن أتقدم إلى والدها وأطلب يدها.
حياة هانئة
في أثناء الحديث مع والدها عن الشبكة أخبرني بأن الأمر متروك لـ (ج) فهي التي تقرر حجم الشبكة وقيمتها لأن الأمر يخصها هي. لذا عندما ذهبت (ج) إلى محلات المجوهرات كادت تصاب بجنون فهي تحب هذا المعدن أكثر من حبها لذاتها فقد أخذت تنتقل من محل إلى آخر وهي تقول أريد هذه القطعة وهذه القطعة وهذا الخاتم وهذه الاسورة.. الخ.
وقف (أ) مشدوها لما تبديه خطيبته من حب للذهب لكنه حاول إفهامها بأنه موظف وهي تعرف مرتبه جيدا لأنها تعمل معه في ذات البنك، لكن (ج) لم تقتنع بذلك فوضعت قائمة من قطع الذهب عليه شراؤها إذا أراد أن يتم الزواج. بعد مشاورات كثيرة تدخل الأهل والأقارب وقلصوا قائمة الذهب إلى الحد الذي يسمح لـ (أ) بشرائه.
بعد الزواج عاش (أ) وزوجته حياة هادئة حاول خلالها (أ) أن يحقق رغبة زوجته بامتلاك أكبر كمية من الذهب إلا أن إنجابهما للطفلين الأول والثاني كان يحول دون ذلك فقد كانت هناك أولويات يجب القيام بها تجاه ولديه إضافة إلى قسم من المال كان يرسله إلى والده في البلد.
الذهب المقلد
كان حب (ج) للذهب يصل إلى نوع من التقديس ولكن لأن ظروفها لا تسمح لها ان تحقق أمنيتها بامتلاك كل ما تريد من هذا المعدن بدأت تشتري قطعا مقلدة من الذهب وتخبر من حولها خاصة الموظفات في البنك بأن ما ترتديه قطع أصلية، حاول (أ) أن يثنيها عن ذلك قائلاً لها بان زميلاتها في البنك يتهامسن عليها ويعرفن بأنها تكذب عليهن وأن ما تلبسه من حلي ليس ذهباً حقيقياً وإنما هو مقلد،
لكن (ج) لم تقتنع بذلك وحينما كان يقول لها زوجها ذلك وينصحها بأن تكف عن الكذب بأن ما تلبسه قطع ذهبية غالية الثمن كانت ترد عليه بكلمات قاسية وتصفه بأنه (غير رجل) وأنها نادمة على الزواج منه لأنه لم يحقق لها رغبتها في اقتناء ما تشاء من ذهب.
بدأ (أ) يتعامل مع زوجته باعتبارها إنسانة مريضة ولهذا بدأ يتهرب من الحديث معها لأن أي حديث سيقود في النهاية إلى الحديث عن الذهب وامتلاكه لهذا بدأ يكره نفسه ويكره زوجته ويكره الذهب. في أحد الأيام جاءه صديق يعمل معه في ذات البنك ليخبره بأن الموظفين رجالاً ونساء بدأوا يتهامسون على زوجته وعن تصرفاتها وعن محاولاتها إقناع الجميع بأن ما تلبسه ذهب حقيقي،
بل إنها ذهبت لأكثر من هذا حيث تقول إن ما تلبسه من مجوهرات هي إرث قديم أخذته من أمها التي ورثته عن جدتها وأن هذه القطع من الذهب تعود إلى العصر التركي. أحس (أ) بالإحراج وفي المساء جلس مع زوجته محاولاً إنهاء هذه المسألة، إلا أن جهوده باءت بالفشل ما دفعه لأن يفكر بطلاقها لكن المشكلة كانت في الولدين فهو لا يريد أن يعيشا في بيئة غير سوية بعيدين عن أمهما.
في أحد الأيام تلقى (أ) وزوجته دعوة إلى حضور حفلة خاصة بخطوبة أحد موظفي البنك، وما كادت الحفلة تبدأ حتى أخذت (ج) تتحدث عن الذهب وما لديها من قطع نادرة. أحست إحدى موظفات البنك بأن (ج) تبالغ فيما تقول فقالت لها إن ما تلبسينه هو قطع ذهب غير حقيقية وان سعر أي قطعة لا يزيد على (25) دولاراً وهنا قامت (ج) بخلع إحدى هذه القطع وقالت للسيدة خذيها وقدميها إلى محلات (.....)
وهي أشهر محلات صياغة ذهب في المنطقة واسأليهم عنها حتى تتأكدي بأن ما أقوله صحيح وأن ما ألبسه من ذهب قطع حقيقية وليس تقليدا. هنا أخذت السيدة القطعة وبعد يومين أعادتها إلى (ج) أمام موظفي البنك قائلة لها بأنها ذهبت إلى محلات (......) للصياغة وأخبروها بأنها قطعة ذهب حقيقية ونادرة وأن سعرها يساوي رقماً أمامه ثلاثة أصفار من الدولارات.
أحست (ج) بالزهو لأنها انتصرت في هذه المعركة في حين أحس (أ) بالإحراج لأنه يعرف الحقيقة. بعد نحو أربعة أيام جاءت السيدة ومعها نحو خمس قطع من الذهب المقلد ومن نفس النوع الذي كانت (ج) تلبسه وقالت لـ (ج) أمام زميلاتها ان ما تلبسينه هو نفس هذه القطع التي لا تساوي شيئاً وإنما قلت لك بأنني ذهبت إلى محلات (.... ) وأخبروني بأنها قطعة ذهب أصلية لأحرجك بين الموظفات ولأعلمك درساً في عدم الكذب علينا.
بدأ الكلام يزداد من الزميلات على (ج) فقد أصبحت مادة تسلية للجميع ما دفع زوجها لأن يقدم طلباً لنقله من المقر الرئيسي للبنك إلى فرع في إحدى المدن المجاورة. استجاب مدير البنك وتم نقل (أ) في حين بقيت (ج) في المقر الرئيسي للبنك. بعد هذه الحادثة بدأت (ج) تتخذ موقفاً من جميع موظفي البنك حيث لم تعد تكلم أحداً الا في حدود العمل وفي أضيق الحدود، وهذا بدوره جعل الكلام في موضوع الذهب أقل.
الانتقال إلى فرع آخر
في أحد الأيام تقدمت (ج) إلى مدير البنك طالبة منه أن ينقلها إلى أحد الفروع وذلك حتى ترتاح نفسياً، كان مدير البنك يعرف ما يدور بين (ج) وزميلاتها، فقد كانت سكرتيرته تقول له كل شيء لذا وافق من فوره على انتقال (ج) إلى فرع آخر، وهكذا انتهت قصة الذهب المقلد. في أحد الأيام لاحظ مدير الحسابات في البنك بأن هناك انتقالا لبعض الأموال من فرع الحسابات إلى حساب شخص آخر.
حاول أن يعرف اسم الشخص إلا أنه لم يتمكن فقد كان الحساب بدون اسم بل يحمل (10) أرقام، لم يهتم مدير الحسابات كثيراً بالمسألة وذلك لأن المبالغ المحولة للحساب الذي لا يحمل اسماً لا تتجاوز (20) دولاراً في بعض الحالات
وفي حالات أخرى لا تتجاوز (10) دولارات راقب الرجل الحساب فوجد بأنه في بعض الأشهر لا يدخله فعرف بأنه حساب لأحد الأطفال قد يكون والده فتحه له باسمه فحمل الحساب الجديد المعلومات التي تخص حساب والد الطفل أو والدته أو هكذا.
في أحد الأيام تلقى مدير البنك إشعارا من جهة رسمية مرفقاً بإشعار من تلك الجهة تطلب فيها الجهة الرسمية تفسيراً لتحويل 80 ألف دولار من البنك إلى أحد الحسابات في الخارج بدون إذن مسبق من تلك الجهة، فرد البنك بأنه لم يحول أية مبالغ إلا أن تلك الجهة أكدت بأن المبلغ تم تحويله فعلاً وأنه يجب تقديم تفسير رسمي لسبب التحويل وإلى من حُوِل ومن حوله خاصة وأن تحويله تم بدون إذن مسبق وبدون معرفة أحد.
أخذت المسألة بعدا جديداً وتم تشكيل فريق عمل لمتابعة القضية وكان أحد ضباط الشرطة طرفاً في هذا الفريق وبعد دراسة لملفات البنك ومراجعة قائمة التحويلات وحركة دخول وخروج الأموال تم التأكد من أن المبلغ
تم تحويله فعلاً عن طريق حساب في البنك إلى بنك آخر في إحدى الدول الأوروبية وعن طريق البنك الدولي فتم تتبع المبلغ حيث أشارت التقارير الى أنه سحب فور وصوله إلى البنك الأوروبي إلى بنك آخر في افريقيا ومن هناك سحب عن طريق الانترنت واختفى.
هنا أصبحت الشرطة هي الطرف الرئيسي في القضية حيث بدأت تحقيقاتها مع كل موظفي البنك ومن خلال التحقيقات تم حصر المسؤولين عن تحويل المبلغ في موظفي قسم المحاسبة بدأت التحقيقات تتكثف حتى تم اكتشاف السيدة التي قامت بأخذ المبلغ من الحسابات المصرفية لبعض الشركات الكبيرة والتي لديها حسابات بمئات الملايين من الدولارات
حيث تم اقتطاع بعض الآلاف من الدولارات من أرباح كل شركة وإيداعها في الحساب الذي كان يحمل أرقاما ولا يحمل اسما ومع زيادة التحقيق ودراسة كل التفاصيل تبين أن احدى السيدات العاملات في قسم المحاسبة هي التي كانت تقتطع هذه المبالغ وتضعها في الحساب الذي لم يكن يحمل اسماً وأخيراً وقبل الجرد بأسابيع قامت بوضع مبالغ كبيرة في الحساب وحولتها إلى الخارج.
بدأ التحقيق مع السيدة التي أنكرت معرفتها بالحساب أو معرفتها بالأموال المحولة، لكن ضابط الشرطة أمر بوضعها في السجن على ذمة التحقيق بعد أن تبين من البيانات التي في الكمبيوتر ان جميع التحويلات من حسابات الشركات وتحويل المبلغ إلى الخارج كلها تحمل توقيعها الالكتروني والـ «ذفََّّ طُْل» الخاصة بها.
في هذه الأثناء وضعت كل كمبيوترات البنك تحت المراقبة الدقيقة غير المعلنة حتى أن الموظفين لم يكونوا يعرفون بذلك وفي أحد الأيام تم تحويل مبلغ 20 ألف دولار بالطريقة الأولى وهنا عرفت جهة المراقبة الكمبيوتر الذي تمت بواسطته تحويل المبلغ كما تأكد للجهات الأمنية أن السيدة التي قيد الاحتجاز بريئة لأن مبلغ الـ 20 ألف دولار تم تحويلها من البنك بواسطة توقيعها الالكتروني وكلمة السر الخاصة بها (Pass Word).
هنا تم الإفراج عنها وبدأت الجهات الأمنية ملاحقة الكمبيوتر الذي تم بواسطته تحويل المبلغ حيث تبين ان هذا الكمبيوتر خاص بـ (ج). بدأت التحقيقات مع (ج) التي أنكرت صلتها بذلك وكان الضابط متأكدا بان (ج) هي الفاعلة لكنه لم يملك دليلاً مادياً على ذلك حتى مبلغ الـ (20) ألف دولار التي تم تحويلها أخيراً تمت بواسطة أرقام ورموز وكلمة سر (Pass word) وكل ذلك ليس دليلاً مادياً للإيقاع بالفاعلة.
هنا لجأ الضابط إلى حيلة حيث بدأ يسجل التحقيق على شريط فيديو دون معرفة (ج) وفي أثناء التحقيق بدأ الضابط يستفزها ويقول لها لقد حولت مبلغ (300) ألف دولار إلى الخارج وأخذ يركز مبلغ (300) ألف دولار فما كان من (ج) الا ان قالت له ان المبلغ (80) ألف دولار وليست (300) ألف كما تقول.
هنا شكرها الضابط على اعترافها وأخذ نفسا عميقاً وطلب لها فنجانا من القهوة. لكن (ج) قالت له أنا لم اعترف، فقال لها الضابط لقد اعترفت دون أن تدري، فأنا عرفت ان المبلغ المحول هو (80) ألف دولار وهو فعلا (80) ألف دولار وليس (300) ألف دولار، ثم قام الضابط واسمعها ما قالت.
هنا لم تجد (ج) بدا من الاعتراف حيث قالت بأنها كانت تعرف التوقيع الالكتروني للسيدة وتعرف أيضاً الـ (Pass word) الخاص بجهازها لذا استغلت هذه المعلومات لتدمير تلك السيدة التي حاولت إحراجها أمام زملائها وقولها لها بأن ما تلبسه من ذهب هو مزيف
وليس حقيقيا في المحكمة كان زوج (ج) يجلس بانتظار الحكم ضدها دون أن يستطيع ان يقدم شيئاً وبعد النطق بالحكم ضدها واقتيادها إلى السجن سألها زوجها ان كانت تريد شيئاً عندما يزورها فقالت له أريد في كل مرة تزورني فيها أن تحضر لي قطعة من الذهب الحقيقي
إعداد أحمد سلطان