لا شك أن التركيز على التعليم كوسيلة للارتقاء بالمجتمع والقضاء على الفقر يحتل مكانة الصدارة بين الأهداف الإنمائية للألفية. فمحو الأمية يعد من الحقوق الثابتة ضمنياً في حق التعليم المنصوص عليه في جميع الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تتناول حقوق الإنسان؛ وهذا الحق يشمل الأطفال والبالغين على حد السواء.

والأهمية التي تحظى بها قضية الارتقاء بالتعليم عالمياً تنبع من أهمية كون الجهل والفقر عنصرين متلازمين، فأينما وجد الجهل وجد الفقر، كما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي في كلمته التي أطلق خلالها مبادرة «دبي العطاء».

فعلى الرغم مما تحقق من نجاحات ملموسة في محاربة الجوع في بعض أرجاء العالم إلا أن عدد الجياع تفاقم ليرتفع إلى 854 مليون نسمة. وفي ضوء أنه لا يمكن تجاهل معاناة تلك الأعداد الهائلة من الجياع ولإيماننا بأهمية الإعلام في إبراز تلك القضية الإنسانية والتشديد على ارتباط الفقر بالجهل والأمية كان لابد من تسليط مزيد من الضوء على أهمية القضاء على الأمية في العالم.

«دبي العطاء» تقود العالم لتمكين الأطفال تعليمياً

إن التغيرات الجذرية التي طرأت على الساحة العالمية في العقود الأخيرة قد فرضت بدورها ضغوطاً أكبر تحتم توجيه مزيد من الاهتمام والتركيز إلى قضية محو الأمية والتعامل معها بشكل فعال واعتبارها أداة مؤثرة لا يمكن الاستغناء عنها من أجل تأهيل الفرد والعائلة كي يضطلعوا بدور إيجابي في العملية التنموية داخل المجتمع.

وقبل الخوض في تقرير صدر أخيراً من منظمة اليونسكو في هذا الصدد، ينبغي وضع النقاط فوق الحروف حيال بعض المفاهيم الخاصة بقضية محو الأمية. بادئ ذي بدء يُقصد بالأمي ( رجل أو امرأة) كل من تجاوز عمره سن القبول بالمدارس الابتدائية ولم يلتحق بها ولا توجد لديه المهارات الأساسية التي تمكنه من القراءة والكتابة.

ويقصد بالأمي الكبير كل من لديه مستوى تعليمي وثقافي لا يؤهله للحصول على وظيفة ويقصد به أيضاً كل من تخرج من مراحل التعليم العام ويحتاج إلى الالتحاق ببرامج تعليمية أو تدريبية لتنمية ذاته في إطار حاجات المجتمع ومتطلبات التنمية. ويقصد بمحو الأمية الوصول بالمستهدفين إلى مستوى تعليمي وثقافي يمكنهم من إفادة أنفسهم ومجتمعهم عن طريق المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب.

ويقصد بتعليم الكبار البرامج التعليمية التي تصمم لتتناسب مع احتياجات المؤسسات الحكومية والأهلية وتعمل على تحقيق احتياجات ورغبات الدارسين الكبار على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ومن ثم فإن الأمر ليس مقصوراً على مجرد إكساب الفرد مهارات القراءة والكتابة فحسب.

إن الاعتراف بمحو الأمية كأحد حقوق الإنسان هو أمر يبرره عدد من الفوائد التي ينالها الفرد والعائلة والمجتمع والدولة بشكل عام. وفي هذا الصدد يفيد تقرير صدر حديثاً عن منظمة اليونسكو، أن مهارات القراءة والكتابة غدت أمراً جوهرياً لعلميات اتخاذ القرار ولتمكين الفرد، رجلاً كان أم امرأة، من الاشتراك الفعال في أنشطة المجتمع المحلي والدولي.

ويوضح التقرير أن فوائد محو الأمية تتضح فقط في حال أن تكون هناك أطر تنمية سليمة وتطبيق فعال لحقوق الإنسان داخل المجتمع. فالفوائد الفردية لمحو الأمية تتجلى فقط عندما تكون مواد وأدوات التعلم متاحة أمام الفرد المستهدف. وبالمبدأ ذاته لا تتجلى الفوائد الاقتصادية لمحو الأمية إلا في حال أن يكون هناك سياسات اقتصاد كلي سليمة واستثمار في البنية التحتية وتفعيل لإجراءات السياسات التنموية بشكل عام. وبشكل مماثل ، فإن هناك فوائد وثماراً معينة، مثل تمكين المرأة، لن تتأتى إلا من خلال وجود بيئة ثقافية تحتوي على النساء وتتفاعل معهن بشكل إيجابي.

وفي الوقت ذاته فإن فوائد محو الأمية تعتمد بشكل كبير على القنوات التي تُنجز من خلالها عملية إكساب مهارات القراءة والكتابة. فبعض القنوات التي تقدم من خلالها مثل تلك الخدمات تؤدي إلى نتائج سلبية وعكسية.

على سبيل المثال فإن التعليم الإلزامي لمهارات الكتابة والقراءة عن طريق اللغات الرسمية للدولة يمكن أن يؤدي إلى فقدان اللغات الشفوية والخاصة التي يتحدث بها سكان البلدان الأصليون على سبيل المثال، وهو الأمر الذي يحدث في بعض بلدان العالم. فبرامج محو الأمية والمواد المكتوبة في هذا الشأن يمكن أن تمثل آلية تدفع الفرد إلى المشاركة بشكل غير نقدي في نظام سياسي ما، ومن ثم يتحول إلى أداة سلبية تضيع معها الجهود التي بُذلت من أجل تثقيفه ومحو أميته.

و لا جرم أنه من الصعوبة بمكان أن يُقدم الفرد على عملية سرد مبنية على البراهين والإثباتات لفوائد محو الأمية. والصعوبة في هذا الشأن، بحسب التقرير، مرجعها الأسباب التالية: ـ معظم البحوث التي أجريت في هذا الشأن لم تفصل بين فوائد محو الأمية وبين فوائد حضور الفصول المدرسية أو الاشتراك في برامج محو الأمية للبالغين. وبشكل أكثر عمومية هناك اتجاه عام للخلط بين حضور الفصول المدرسية ومحو الأمية والتعليم واكتساب المعرفة بشكل عام.

ـ هناك تركيز من البحوث التي تُجرى في هذا الشأن على فوائد محو الأمية على الفرد في الوقت الذي تندر فيه الدراسات التي تُركز على أثر محو الأمية في العائلة والمجتمع. ـ بعض آثار محو الأمية لاسيما التي تمتد إلى النسيج الثقافي للمجتمع هي صعبة التحديد والقياس. غير أنه تلك العوامل لا تمنع الوصول إلى تصور ما لفوائد محو الأمية. يقول التقرير إن هناك مستويات خمسة لتلك الفوائد: بشرية وسياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية.

أما الفوائد البشرية فهي تتعلق بعوامل متعددة مثل ارتفاع الاحترام الذاتي من الفرد لشخصيته وكيانه وتمكنه من الوصول إلى مستوى من التفكير النقدي الإيجابي وليس الهدام في الظروف المحيطة. ولاشك أن الفوائد البشرية تحمل قيمة في حد ذاتها لكنها في الوقت ذاته تمثل مدخلاً للوصول لفوائد أخرى مثل تحسن مستوى الرعاية الصحية وتزايد فعالية المشاركة السياسية وغيرها من الفوائد المرتبطة. وفي هذا الصدد تأتي قضية التمكين لاسيما للمرأة على رأس الفوائد البشرية. فمحو الأمية الثقافية وأمية التعلم بشكل عام يمكن الفرد من اتخاذ قرارات سليمة تمُس صلب حياته المهنية والشخصية والاجتماعية.

وفي هذا الصدد أوضح عدد كبير من المتعلمين في دولة مثل ناميبيا، عند سؤالهم عن سبب إقدامهم على دروس محو الأمية، وعن هدفهم من اكتساب مهارات القراءة والكتابة وتعلم اللغات الأجنبية ـ عند التوجه إليهم بهذا السؤال أجابوا بأن لديهم رغبة في الاعتماد على النفس وعلى بسط مزيد من السيطرة على أنشطة حياتهم اليومية ولا يريدون أن يقعوا فريسة لأي محاولة خداع، فضلاً عن أنهم يريدون الحفاظ على أسرارهم الشخصية من دون أن يعتمدوا على أي أطراف خارجية.

وعلى الجانب الآخر فإن محو الأمية ينعكس إيجاباً في صورة مزيد من الوعي السياسي الذي بدوره يؤدي إلى تكريس قيم الديمقراطية بشكل عام. فلا شك أن ثمة علاقة وثيقة وثابتة وضاربة الجذور بين التعلم والمشاركة السياسية. فالأشخاص المتعلمون لديهم قدرة أكبر على المشاركة في الحياة السياسية والحياة الانتخابية، وبالتالي لعب دور مهم وفعال في تكريس القيم الديمقراطية. كما أن الاشتراك في برامج محو الأمية للبالغين يرتبط بشكل كبير في جزء منه بالاشتراك في النقابات.

وفي هذا الصدد يورد التقرير عدة أمثلة توضح أن الاشتراك في عمليات محو الأمية للبالغين ينجم عنها اشتراك فعال للفرد في المجتمع. ففي البرازيل تبين أن برنامجاً لمحو الأمية بين الكبار قد أدى إلى ارتفاع مطرد في الاشتراك في الأنشطة النقابية.

وأفادت التقارير الخاصة بالمشاركين في برامج محو الأمية في أميركا بأن هناك زيادة مصاحبة في الأنشطة الاجتماعية من جانب فئة المتعلمين حديثاً. كما أن التقارير الواردة من كينيا أوضحت أن خريجي برامج محو الأمية قد شاركوا بشكل أكثر فعالية في الانتخابات وفي الجمعيات الاجتماعية بالمقارنة بالذين لا يعرفون مهارات القراءة أو الكتابة.

وتبين أيضاً أن السيدات اللواتي شاركن في برامج محو الأمية في تركيا قد اشتركن بأعداد أكبر في الانتخابات وفي منظمات المجتمع الأهلي مقارنة باللواتي لم يحصلن على قدر كافٍ من التعليم. وفي النهاية ينبغي القول إن نجاح جهود محو الأمية يعتمد في المقام الأول على الشراكة بين وزارات التربية في الدول المعنية، والجمعيات الأهلية والنسيج الاقتصادي للمجتمع.

وتلك الجهود يجب أن تنصب على وجه الأولوية على العالم القروي لاسيما الأمهات والعمال الأميين ومن هم في سن أقل من عشرين عاماً ولم يترددوا على المدرسة من قبل. ويرى خبراء التعليم أنه يتحتم إنجاح تلك الجهود لأن تنمية أي مجتمع رهينة بهذا النجاح. غير أن هذا الشق من الإصلاح الذي «تبدو دونه جوانب الإصلاح الأخرى وكأنها سراب لا يمكن بلوغه» على حد تعبير أحد الخبراء يجب أن يضع نصب عينيه «تأهيل النسيج الاقتصادي» و«الاندماج في الحياة المهنية».

أفغانستان: أطفال الإقليم الشرقي محرومون من التعليم

منذ ساعات الصباح الباكر وحتى مغيب الشمس لا يتوقف الدخان الأسود المتصاعد من مداخن مصانع الطوب في منطقة سورخ رود الواقعة في إقليم نانجارهار الشرقي في أفغانستان، حيث تضم المدينة حوالي 60 مصنعاً من هذا النوع تنتج معظم الطوب الأحمر الذي يستخدم في أعمال البناء في الإقليم المكتظ بالسكان. وفي أحد هذه المصانع يعمل راحة الله، 7 أعوام، مع والده وأخيه الأكبر حبيب الله، 12 عاماً، لأكثر من 12 ساعة في اليوم.

وقال الطفل الذي بدا جسده نحيلاً ومال لونه إلى السمرة الشديدة بسبب تعرضه المستمر لأشعة الشمس: «أشعر بالغيظ عندما يوقظني والدي الساعة الرابعة فجراً كل يوم للذهاب إلى العمل، أشعر بألم مستمر في ظهري وقدمي، فساعات عملنا طويلة جداً وأشعر بالنعاس في كثير من الأحيان».

وبسبب انخراطهما في العمل، لم يذهب راحة الله وحبيب الله أبداً إلى المدرسة، ولكنهما عبرا عن رغبتهما في الالتحاق بمقاعد الدراسة كبقية الصبية، حيث قال الأخ الأصغر: «عندما أرى أولاداً وبنات في عمري يذهبون إلى المدرسة أرغب فعلاً في الانضمام إليهم، ولكننا فقراء وعليّ أن أعمل».و تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 5 آلاف طفل يعملون في نانجارهار الأفغانية.

وتقول جمعية «أنقذوا الأطفال» ومقرها السويد إن ما يزيد على 5 آلاف طفل يعملون في مصانع الطوب في إقليم نانجارهار، حيث أشار حنيف الشنواري الذي يعمل لدى الجمعية في الإقليم إلى أن «هنالك ما بين 20-25 عائلة تقطن داخل المصانع ويعمل أطفالها مع ذويهم تحت ظروف قاسية». وينظر إلى الفقر على أنه السبب الرئيسي الذي يدفع الآباء إلى إرسال أبنائهم للعمل، فعبد محمد الذي يعمل هو الآخر في أحد المصانع مع ابنتيه شانو، 8 أعوام، ومينو، 10 أعوام يرى أنه من المستحيل أن يتمكن من توفير القوت لعائلته المكونة من ثمانية أفراد دون مساعدة الطفلتين.

إعداد: حاتم حسين