أخواتي وإخواني
أهنئكم بشهر رمضان الكريم، وأدعو الله عز وجل أن يعيننا على أداء واجباته وأن يمكّننا من تعميق معانيه العظيمة في نفوسنا وأعمالنا. لست بحاجة للحديث عن فضائل هذا الشهر، ولا عن معانيه عند المسلمين عامةً، وعندكم أبناء وبنات الإمارات خاصةً... فأنا أعرف تماماً كيف يغمر الإيمان جوارحكم، وكيف تتدفق ينابيع الرحمة في قلوبكم، وكيف تتسابقون على فعل الخير... فهذه شيمكم، وهذه عاداتكم منذ قديم الزمان... في هذا الشهر الفضيل، وأنتم تفكرون في أوجه الصدقة والعطاء للمحتاجين، أدعوكم لأن تلتفتوا إلى الصدقات الجارية التي لا ينقطع خيرها وثوابها، ولا تتوقف فوائدها وحسناتها... وفي مقدمتها التعليم.... لا شك في ثواب إطعام الفقير ومساعدة المحتاج ونصرة المظلوم...
ولا شك أيضاً في أن تشجيع التعليم يحرر الأجيال الجديدة من الفقر ومن الحاجة ومن السؤال. وهو من الصدقات الجارية التي لا ينقطع ذكر صاحبها أبداً، كما جاء في الأثر الشريف. اقرأوا تاريخ الإمارات في الربع الأول من القرن الماضي، ستجدون أن من أهم أحداث تلك الفترة افتتاح المدارس لأول مرة في العام 1903، وستقرأون أسماء محمد بن أحمد دلموك، وخلف بن عتيبة، وعلي المحمود، ومحمد زينل، ومحمد بن عبيد البدور، ويوسف السركال، وعبيد بن نابودة، باعتبارهم رواد التعليم في الإمارات... كانوا تجاراً ناجحين بادروا إلى فتح المدارس وأنفقوا على التعليم، فكتب التاريخ أسماءهم وخلدها... بينما لم يلتفت لغيرهم من الأثرياء الذين لم يقدموا شيئاً لمجتمعهم.
الأخوات والأخوة، التعليم يمنح الإنسان فرصة العيش بكرامة ويمكنه من التواصل البنّاء والتعارف المفيد مع مجتمعه وعالمه.... والتعارف، كما تعلمون، هو أساس العلاقات بين البشر مصداقاً لقوله تعالى: «يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم».... هل يمكن للجاهل أن يحسن التعارف مع المتعلم؟ وهل يمكن لمجتمعات تنتشر فيها الأمية أن تحسن التعارف، بما هو تعامل وتبادل وتعاون، مع مجتمعات تحررت من الأمية؟ إن التعليم إذن هو فعل إيمان، لأنه طريق مضمون للتعارف البناء الذي قصدته الآية الكريمة. والذي يتسع معناه ليشمل كل أشكال التعاملات بين البشر وبين المجتمعات.
وفي عصرنا هذا، عصر المعرفة، فإن أهمية التعليم مضاعفة عن أي عصر آخر، وكذلك أهمية المساعدات في مجال التعليم مضاعفة عن أية مساعدات أخرى. لأن المحرومين من التعليم سيظلون خارج هذا العصر، وسيظلون جاهلين بشؤون دينهم ودنياهم، ولن يتمكنوا من الوقوف على أقدامهم، وسيكونون عبئاً على أنفسهم ومجتمعاتهم... وعلى العالم بأسره.
الأخوات والأخوة
من فضل الله علينا في دولة الإمارات أننا، ومنذ أيام الشيخ زايد والشيخ راشد، قدمنا لإخواننا في العالمين العربي والإسلامي وفي أفريقيا وآسيا مساعدات في مجالات عديدة كان في مقدمتها التعليم...
ومن بين تجار الإمارات رواد في العمل الخيري، تنبهوا مبكراً لأهمية التعليم... ومن نماذجهم المُشرفة الأخ جمعة الماجد، صاحب العطاء الكبير للتعليم في الإمارات وفي العالمين العربي والإسلامي.
واليوم وقد حققت دولتنا نجاحات مهمة في مجالات عديدة، وأحرزت مركزاً إقليمياً ودولياً مرموقاً، وعززت دورها في التواصل الاقتصادي والثقافي بين الشرق والغرب، فإن التعليم يستحق أن ينال الأولوية في المساعدات.
وفي هذا السياق أطلقت في شهر مايو الماضي مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للتنمية الإنسانية لتنشط في مجال المعرفة عموماً والتعليم خصوصاً... ولتكون نموذجاً للعمل النافع الذي يبقى في الأرض ويساعد الناس في منطقتنا على مساعدة أنفسهم.
واليوم وفي هذا الشهر الفضيل يسعدني أن أطلق حملة العطاء لتعليم أطفال الدول الفقيرة، وأدعوكم جميعاً للمشاركة فيها، لنتوجه معاً إلى المحتاجين والمستحقين في المنطقة وجوارها برسالة نشر التعليم، من خلال الإسهام في توفير المدارس والفصول الدراسية واحتياجات الأطفال المحرومين من الكتب والحقائب والغذاء الصحي والعناية الطبية.
أخواتي وإخوتي،
قبل ثماني سنوات حددت الأسرة الدولية أهداف الألفية الثالثة التي يتوجب على دول العالم قاطبةً العمل على تحقيقها، وكان من بين هذه الأهداف تأمين فرص التعليم الابتدائي لكل أطفال العالم مع حلول العام 2015، لكن الحقائق على أرض الواقع تنفي إمكانية تحقيق هذا الهدف في المدى المنظور. الآن يوجد 120 مليون طفل في العالم محرومين من الالتحاق في المدارس.
ولا يتمكن ثلث الأطفال في الدول النامية من إكمال خمس سنوات في التعليم الابتدائي، وهي سنوات الدراسة الضرورية للانعتاق من عبودية الأمية. ومع الأسف، فإن النسبة الأكبر من هؤلاء الأطفال المحرومين موجودة في قارتي آسيا وأفريقيا... وخصوصاً في دول العالم الإسلامي والمناطق المجاورة لها. هذا، على الرغم من أن أحداً في الدنيا لم يُدرك أهمية التعليم قبل أن يدركها المسلمون، حين جاءت أول كلمة في التنزيل الكريم ... اقرأ.... وحيث بلغ الحَث على التعليم درجة تقديم العلم على العبادة مصداقاً لقول رسولنا الكريم:
«فضلُ العِلم خيرٌ من فَضلِ العبادةِ»...
وقوله صلى الله عليه وسلم:
«قليل العِلم خيرٌ من كثيرِ العبادةِ» ...
الأخوات والإخوة،
نحن والحمد لله في دولة الإمارات بخير، وأحد أسرار نجاح الدولة وتقدمها هو قدرتها وقدرة أبنائها على خلق الفرص واغتنامها في الوقت المناسب. والفرص لا تُخلق في الفراغ، ولا تحققها الأحلام والأمنيات... لها طريق واحد تسلكه هو طريق المعرفة... التعليم هو الذي يشق هذا الطريق ويعَبّده ويمكّن الناس والمجتمعات من السير فيه، ويمنحهم فرص العيش الكريم والتقدم والتطور، ويمنحهم القدرة على خلق الفرص واغتنامها.
إن نشر التعليم في بلادنا، وتخرج عشرات الآلاف من أبنائنا وبناتنا من الجامعات والمعاهد العليا، هو القاعدة القوية التي تقف عليها نهضتنا، ويستند إليها تقدمنا.... وسيظل تطوير التعليم أولوية لا تنازعها أولوية أخرى.... وقد انطلقت عجلة التطوير في سباق مع الزمن لتحقيق تعليم إماراتي يضاهي أرقى المستويات العالمية. حملة العطاء التي أطلقها اليوم تسعى إلى إضاءة شموع المعرفة أينما خيّم الظلام، لمنح أطفال الدول الفقيرة الأمل في المستقبل، والقدرة على كسر حلقة الفقر المحيطة بعائلاتهم وأسرهم، وتمكينهم من الإسهام في تنمية بلادهم ومجتمعاتهم.
الأخوات والإخوة:
أينما وجد الجهل ... وجد الفقر والمرض والبؤس واليأس، وراجت سوق الخرافات والأوهام.... وإن أسوأ ما يعانيه عصرنا هو التلازم بين الجهل والفقر... هذا التلازم هو منبع كل الشرور التي تعاني منها دول عديدة، وأساس الظلم الذي يعانيه المظلومون، والسبب الرئيس في انقسام العالم إلى شمال غني وجنوب فقير، ودول متقدمة ودول متخلفة، ومجتمعات تعرف وأخرى لا تعرف.
لا سبيل لكسر التلازم بين الجهل والفقر سوى الطَرق الشديد على الجهل من خلال بذل أقصى الجهود الممكنة لنشر التعليم. ولا يعنينا كثيراً أن دولاً عديدة تخلت عن الدور المنتظر منها لمكافحة الأمية على مستوى العالم... وأن الأسرة الدولية عاجزة عن تحقيق الوعود التي التزمت بها... نحن نقوم بما يمليه علينا ديننا وأخلاقنا وعاداتنا وإنسانيتنا وإدراكنا بأن الذي يدير ظهره لآلام أخيه الإنسان لا يستحق شرف الانتماء إلى البشر..
أنا واثق بأنكم ستشاركون جميعاً في حملة العطاء للتعليم... وأتوقع منكم جميعاً سواء المواطنين أو المقيمين.... أن تتسابقوا على فعل الخير، وأن تساهموا بالطريقة التي ترونها مناسبة. وأتوقع من القطاع الخاص مساهمة فعّالة، بما في ذلك الشركات الأجنبية وفروعها العاملة في الإمارات. في بلادنا التي أضافت إلى عمقها العربي الإسلامي أفقاً دولياً ساطعاً، يعمل مزيج من الشركات والثقافات والجنسيات من مختلف دول العالم.
وإذ يقدم هذا المزيج نموذجاً ناجحاً للتعايش معاً والعمل معاً... فإننا اليوم مدعوون لترقية هذا النموذج ومنحه أبعاده الإنسانية من خلال العطاء معاً لأخوة لنا، لم تصبهم حظوظ مواطنينا، وحظوظ المقيمين بيننا الذين أفادوا واستفادوا وحققوا ما لم يستطيعوا تحقيقه في بلدانهم.
تنطلق حملة العطاء اليوم بعزمكم وهمتكم جميعاً... وأنا شخصياً وأبنائي وبناتي سنشارك في الحملة... وأنتظر مشاركتكم وأبنائكم لنؤدي واجبنا ونرضي ربنا وضميرنا، ولنعّمق ثقافة العطاء في مجتمعنا، ونوّرث أبناءنا قيمة سامية ورثناها عن أسلافنا، وباتت من القيم الدولية العليا التي تكسب كل يوم مساحات جديدة وأبطالاً جدداً يتسابقون على العطاء لإخوانهم في الإنسانية.
محمد بن راشد يستقبل محمد بن زايد مهنئاً بشهر رمضان
استقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في قصره في زعبيل مساء أمس أخاه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة حيث تبادل سموهما التهاني والتبريكات بمناسبة شهر رمضان الفضيل.
وتقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم التهاني بهذه المناسبة المباركة من سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة وسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية اللذين تمنيا لسموه دوام الصحة والسعادة ويجعل الشهر الكريم شهر خير وبركة على دولتنا الحبيبة وشعبنا.
حضر اللقاء سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس دائرة الطيران المدني في دبي رئيس طيران الإمارات وسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي وسمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس سلطة منطقة دبي الحرة للتكنولوجيا والإعلام وسمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم وسمو الشيخ مايد بن محمد بن راشد آل مكتوم ومعالي محمد عبدالله القرقاوي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء إلى جانب عدد من كبار المسؤولين.
وقد أدى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وأخوه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والحضور صلاة المغرب جماعة قبل أن يتناول الجميع طعام الإفطار على مائدة صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الرمضانية.



