«التوأمة» مفهوم كشف لنا الواقع الميداني أنه لا يطبق بالمعنى الحقيقي ولكنه يرتبط بمبادرات شخصية أو مؤسسية لم تأخذ صبغة العمل الرسمي أو ببعض الأفكار التي أفرزتها حاجة المدارس لوجود شكل من أشكال التعاون بينها كما هو حادث في مشروع «النطاقات» المطبق في تعليمية أبوظبي.

ولكن بالإجماع العام فإن أي محاولات وإن كانت بسيطة إلا أنها لعبت دورا في نشر ثقافة التعاون بين المدارس وتقبل خبرات الآخر والموافقة على مشاركة مدرسة لأخرى في أفكارها، وطبقا لآراء تربوية فإن هناك استعدادا لإقامة أي توأمة سواء داخلية أو خارجية.

الدكتور صادق مدراج أستاذ في كلية التربية بجامعة زايد قال إن التوأمة نوعان توأمة متطابقة وأخرى جزئية وبالنسبة للمتطابقة تكون فيها المؤسستان التعليميتان نسخة طبق الأصل من بعضهما في الفلسفة والأهداف والنظام التعليمي ككل وعادة ما يكون هذا النوع من التوأمة بين مدرستين أو مؤسستين في مكان واحد بحيث تجمعهما ظروف بيئية واجتماعية متماثلة.

أما بالنسبة للتوأمة الجزئية غير المتطابقة فإنها لا تشترط شروط التماثل السابقة لأنها تكون كعملية تعاون وشراكة في مجالات محددة منها تبادل الخبرات والأفكار والمشاريع، مشيرا إلى أن في الدول الأوروبية هناك نماذج توأمة واضحة بين المدارس كما في بريطانيا وعلى مستوى الدولة فإن تحقيق التوأمة المتطابقة يكون ممكنا على مستوى المدارس النموذجية كونهم يقومون على فلسفة تربوية ورؤية واحدة.

ويرى الدكتور مدراج أن للتوأمة فوائد كثيرة فهي تلعب دورا كبيرا في الجانب الاقتصادي لأن تعميم نجاح أفكار وتجارب على مجموعة مدارس يوفر على الدولة مصروفات كثيرة ويحمي من التكرار وهدر الموارد المادية والبشرية، أيضا في حالة التطوير لمناهج مثلا لن نكون بحاجة لعشرات الجهات للعمل على ذلك فجهة واحدة ستلبي حاجة الجميع للتماثل الذي بينهم، كذلك الفائدة الأكاديمية من ناحية توحيد المعايير التربوية بين مدرستين يجعل المستوى الطلابي متقارباً.

وأشار الدكتور سلطان بن كايد القاسمي أستاذ التخطيط التربوي إلى عنصرين أساسيين يجب تحقيقهما عند التوجه لاستخدام التوأمة وهما الاختيارية والتكافؤ، إضافة لعدم إغفال التراكمات المعرفية والإدارية التي تجمعت على مر السنين عند بدء عملية التوأمة بين المدارس خاصةً المداس الخارجية.

فلابد أن يكون هناك نقاش بين الطرفين وعدم الإحساس بالدونية لمجرد تفوق جهة معينة علينا في أحد الجوانب، وعليه يجب استباق العملية بجمع قدر من المعلومات عن الجهة المراد توأمتها لمعرفة نقاط الضعف والقوة فيه، والاتصال بها وعرض العملية عليها ومتابعتها خلا فترة زمنية تحدد منذ البدء من كلا الطرفين.

واعتبر محمد المسكري مدير الأنظمة المعرفية بشركة C4 للحلول المتقدمة وتربوي سابق في تعليمية أبوظبي أن التوأمة لا تزال تمثل تجارب خجولة ومحدودة في الميدان التربوي ولم تستغل بعد بالشكل المطلوب فهي موجودة على مستوى بعض المدارس النموذجية التي تسعى لتحقيق مستوى ونظام تعليمي يميزها عن غيرها،.

مشيرا إلى أن التوأمة تكون حاضرة في المؤتمرات المحلية والإقليمية التربوية التي تعقد ولكنها لا تتعدى حدود الرغبة والتأييد لها دونما أي تنفيذ. وشدد على أهمية القناعة بالتوأمة وأن تقود الفكرة وزارة التربية بصفة رسمية من خلال ارتباطها بعلاقات مع نظيراتها من وزارات التربية في الدول الأخرى لفتح المجال والقنوات للتواصل والتبادل التعليمي والثقافي وهذه وسيلة رائعة للتفاعل والاستفادة من الآخر بحيث تختار الوزارة المدارس التي يمكن عمل توأمة معها ومعايير العمل فيها ومن ثم تراجع النتائج التي تتحقق.

تطوير التوجيه

خالد العبري رئيس قسم الإدارة التربوية أوضح أن مشروع النطاقات الذي ربط بين كل مجموعة مدارس تجمعها المنطقة الجغرافية الواحدة ونفس الحلقة التعليمية لم تنبع من محاولة لتطبيق التوأمة بل ارتبط ظهورها بتطبيق مشروع تطوير التوجيه التربوي وحاجة المدارس إلى التواصل معا لتجاوز مشكلة تخصص التوجيه المقيم في مادة دون غيرها.

ولكن تطور هذا النجاح ونما إلى أن أصبح النطاق صورة من صور التواصل والتعاون بين المدارس وخرج عن محدودية موضوع التوجيه حيث أصبح لكل مجموعة مدارس مجلس خاص بهم وخطة عمل سنوية يتم فيها التركيز على تبادل الزيارات والخبرات والامتحانات والأهم الاعتناء بالجوانب التدريبية خاصة المعلمين الجدد.

وقالت علياء أحمد صالح موجهة المرحلة التأسيسية في منطقة رأس الخيمة التعليمية إنها أشرفت على مشروع توأمة بين مجموعة من المدارس في المرحلة التأسيسية الدنيا واستهدفت خلاله المعلمات الجديدات بدافع تدريبهن ونقل الخبرات بين الأكثر خبرة إلى الأقل، خلال مدة زمنية استغرقت العام الكامل، جمعت فيها أكثر من ست مدارس و46 معلمة من معلمات الحلقة الأولى لصفوف الأول والثاني والثالث، وراعت توفير الإمكانيات التي تحقق النجاح للمشروع، كالبعد المكاني بين المدارس وتواجد مجموعة من الكفاءات المتميزة لتعميم تجربتهن على المستجدات من المعلمات، بالإضافة لتوفر التكنولوجيا الحديثة في المدارس.

وتشير علياء إلى نقطتين مهمتين كانتا من الأسباب الرئيسية لنجاح العملية وتوسيعها، والتي تعتزم أن تتعدى حدود الإمارة لتنطلق في إمارة عجمان ودبي لتعميم الاستفادة من تجربة رأس الخيمة، وهما المصداقية والتعاون الكامل اللذان أديا إلى ارتفاع ملحوظ في مستوى هذه المدارس من الناحية التعليمية، وزاد التحصيل الدراسي للتلاميذ مقارنةً بالأعوام الماضية، واتسع مجال إبداعهم ووجدت مواهبهم من يرعاها ويتبناها.

اختلاف الجنسين

عبيد الطنيجي مدير شؤون المتدربين في أكاديمية الإمارات يرى أن التوأمة تعني وجود نوع من تبادل الخبرات والتجارب بين مؤسستين تربويتين واستفادة كل منهما من الآخر بمعنى وجود إضافة حقيقية.

ومن واقع عمله سابقا كمدير لمدرسة الصقور النموذجية قال إن إعطاء الصلاحيات للمدارس فتح المجال أمامهم للتعاون مع غيرهم وأنه طبق من التوأمة سابقا مع مدرسة المواهب النموذجية للبنات من نفس الحلقة ورغم اختلاف الجنسين إلا أن التعاون في المجال التربوي لم يخلق أي إشكاليات كذلك كانت له تجربة توأمة مع إحدى المدارس البريطانية تعرفوا خلالها على مواد اثرائية في اللغة الانجليزية ورغبة كل من الطرفين التعرف إلى حضارة وثقافة الآخر وطالب بتوأمة مخططة على أسس علمية مدروسة تتم من خلال اتفاقيات على مستويات عليا لأنها عملية تحتاج إلى ضوابط.

وقال عبد الرحمن التميمي رئيس قسم الأنشطة الطلابية والرعاية الاجتماعية في تعليمية رأس الخيمة، إن الميدان يشهد العديد من تجارب التوأمة ولكن ليس بمعناها الكلي، بل هذه التجارب أقرب إلى الشراكة غير الرسمية في الميدان بين مختلف الفئات والمدارس والموجهين، خاصةً في مجال الأنشطة حيث يفرض طبيعة العمل هذه الشراكة التي تقوي العمل وتحقق سبل النجاح له.

مجالات كثيرة

ويؤكد عيسى راشد الفلاح مدير مكتب التخطيط والتطوير الفني في منطقة رأس الخيمة التعليمية إلى أهمية وضع التوأمة ضمن قالب رسمي للتأكد من سير المشروع وتعميمه وفق آلية وخطط ورؤى ذات أبعاد واضحة تفرق بين الممارسات المعمول بها في الميدان والتوأمة الحقيقية، مراعين أن لا يُفْقِد هذا القالب الجديد التوأمة بعدها الإنساني القائم على التعاون والتشاور والرغبة في العطاء بين المعنيين.

مؤكداً بان الصلاحيات التي قد تمنح لمشروع التوأمة، لن تتعارض مع استقلالية الممارسات الإدارية، سواءً في المدارس المعنية أو في المناطق التي تشارك في التوأمة، حيث تكون الأُطر المعمول بها واضحة ولا تتعارض مع طبيعة عمل شتى الأقسام أو تعيق مخططاتها.

وأوضح إبراهيم البغام رئيس قسم الإدارة التربوية بمنطقة رأس الخيمة التعليمية أن التوأمة ستساهم في تسهيل وتسريع تطبيق العديد من القرارات مثل دمج ذوي الاحتياجات الخاصة، فهذه الفئة هي الأحوج لتفعيل التعاون والشراكة بين المدارس المعنية بل والمناطق بوجود إطار كالتوأمة، فالفروق والإمكانيات المادية تختلف وتتفاوت بصورة كبيرة بين المناطق، حيث تتوفر أجهزة وأدوات في بعض الأماكن دون غيرها وهنا يمكن تشارك هذه الإمكانيات في تسهيل العملية.

فائدة الكثيري مديرة مدرسة الأمين الابتدائية شددت على أن وجود النطاقات المدرسية في أبوظبي حقق الكثير من الفوائد التي ستكون أكبر إذا كانت هناك توأمة مدروسة لافتة إلى أهمية وجود قناعة بفكرة التعاون ونقل الأفكار وعدم التحفظ عليها فمن خلال المشروع تم حل العديد من المشكلات الناجمة عن غياب التوجيه الإداري كما قلل من الهدر للموارد المالية والوقت والاستفادة من المشاريع وسبل علاج القضايا الطلابية.

تقييم التجارب

ويرى محمد بالحمر تربوي سابق في تعليمية أبوظبي أن فكرة التوأمة تحتاج إلى مزيد من الالتفات لها والتجارب العالمية تؤكد نجاحها فهدفها الأساسي هو تبادل الخبرات والاطلاع على خطط وتجارب الآخرين ولكن في مجال التربية لتنجح التوأمة لابد من التماثل بين الجانبين وإلا فإن الأمر يصبح تعاونا مشيرا إلى أن فكرة التوأمة مع مدارس من خارج الدولة طرحت في العديد من المؤتمرات ولكنها لم تطرح كسياسة عمل واضحة داخل الدولة فهي لا تزال مبادرات فردية أو من قبل مؤسسات خارجية.

محمد رفعت مدرس لغة انجليزية من تعليمية العين يرى أن التوأمة لم تطبق للآن بالمفهوم المطلوب ولم تتعدى التعاون والمبادرات الشخصية وهدفها في النهاية نقل بعض الخبرات وتخفيف الأعباء المدرسية مثل إعداد الامتحانات بشكل مشترك وتنفيذ الأنشطة مشيرا إلى أن مدرستهم لديها توأمة وتعاون مع عدد من المدارس الحكومية الأخرى من نفس الحلقة.

ولكن لا يوجد أي تواصل مع المدارس الخاصة ورغم المحاولة بهدف الاستفادة من مناهج اللغة الانجليزية لديهم لكن ضيق الوقت وضغط المناهج حدا من تحقيق ذلك، مشيرا إلى أن تغيير الإدارات المدرسية يؤثر سلبا على التعاون بين المدارس باعتبارها قائمة على جهود شخصية.

عصام عبد الله مدرس لغة عربية في مدرسة المستقبل النموذجية أكد أنه من مشجعي أي نوع من الشراكة والتعاون في المجال التربوي مادام الأمر سيضيف جديدا لأي من عناصر العملية التعليمية مشيرا إلى أن هناك أشكالا مختلفة من التعاون خاصة على مستوى النموذجيات.

ولكنه يلمس أن بعض المعلمين قد يبخلون بأفكارهم على غيرهم ويرفضون التعاون لرغبة في تميزهم وهناك نوع آخر قد يرفض أصلا الاستماع لتجارب الآخرين أو اكتساب معارف من الغير باعتبار أن ذلك تشكيك في قدراتهم وتدخل في عملهم، ومثل هذه الأفكار كما يقول عصام تعرقل عمليات التعاون.

تحقيق: لبنى أنور ـ رباب جبارة