أكد الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي في محاضرته التي ألقاها ضمن فعاليات جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم بغرفة تجارة وصناعة دبي أن الإسلام يعمل على صياغة الإنسان الكامل، وأن الأسرة والمجتمع الفاضل إنما هي هدف بعثة الأنبياء.
وقال خلال المحاضرة التي كانت بعنوان «التنمية الأخلاقية» وحضرها المستشار إبراهيم محمد بوملحة رئيس اللجنة المنظمة إن الإنسان هو المخلوق الأول والكائن المكرم والمكلف في وقت واحد، حيث أمر الله سبحانه وتعالى بعبادته، مشيراً إلى أن العبادة هي علة وجود الإنسان على الأرض وتشتمل على جانب معرفي هو السبب في حصول تلك العبادة وجانب آخر جمالي يجسده الهدف الممكن تحقيقه من هذه الأفعال.وكشف عن إجراء استبيان في كثير من بلاد العالم العربي والإسلامي، فتبين أن 3 بالمئة فقط هم من يعرفون أهدافهم، مؤكداً أن هذه النسبة تمثل صدمة لما وصل إليه واقع المسلمين.وذكر أن العبادة التعاملية هي أهم العبادات لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأل من المفلس، فرد الصحابة رضوان الله عليهم «المفلس فينا من لا درهم له ولا مال»، قال صلى الله عليه وسلم: «المفلس من أتى بصلاة وصيام وزكاة، وقد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا، فيؤخذ هذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاته فوضعت على سيئته فطرح في النار».
وأشار النابلسي إلى أن الشيء الدقيق في خلق الإنسان هو أنه كائن لكنه يتحرك، وقد تحرك لأن الله أودع فيه حاجة الطعام وأخرى للجنس وثالثة تتعلق بحب البقاء، موضحاً أنه من خلال تلك الحركة يستقيم الإنسان أو ينحرف، وبالتالي كانت الدنيا دار ابتلاء، لافتاً إلى أن كل الناس على وجه الأرض مجبولون على حب الوجود وتحقيق السعادة، إلا أننا نجد كثيرا منهم في الشقاء، مرجعاً ذلك إلى الجهل الذي يحيط بالناس ويجعلهم محط الشقاء.
وأشار إلى أهمية الوقوف مع حقيقة الإنسان، منوهاً أن من التعاريف الجامعة في ذلك المجال انه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل يوم تطلع فيه الشمس، ينادي مناد: يا ابن آدم أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة»، وبالتالي فالأولى بالإنسان أن يحسب عمره بشكل تنازلي، فيقول: كم بقي من عمري وليس: كم مرّ من عمري.
وتحدث النابلسي عن أهمية الدعوة إلى الله كفرض كفاية، مشيراً إلى أن هذا الأمر يمكن أن يكون عبر البحث في العلوم، منوهاً أن كل مسلم عليه أن يدعو إلى الله، التزاماً بقوله تعالى: «قل هذه سبيلي أدعو الله على بصيرة أنا ومن اتبعن وسبحان الله وما أنا من المشركين»، موضحاً أن الدعوة تكون في حدود ما يعلم الإنسان، كما ذكر لنا رسول الله «بلغوا عني ولو آية»، مؤكداً أن العلم في الإسلام ليس هدفا في حد ذاته بل هو وسيلة لمعرفة الحق والباطل.
وانتقل إلى الحديث عن أصناف الناس عند الله، مشيراً إلى أن الخلق عند الله نموذجان، الأول عرف الله فانضبط على منهجه، ففاز في الدنيا والآخرة، أما الثاني فهم من غفلوا عن الله وأساءوا إلى خلقه، فشقي في الدنيا والآخرة.
وأضاف أن أول آية نزلت في القرآن كانت «أقرأ» فهذه هي الحاجة العليا في الإنسان، إذا لم يلتزم بها هبط عن إنسانيته، مؤكداً أنه إذا لم يقد العلم إلى الإيمان فليس علما.
مشيراً إلى وجود أربعة أنواع من القراءة، الأولى قراءة البحث والإيمان والأخرى قراءة الشكر والعرفان والثالثة قراءة الوحي والإذعان، بالإضافة إلى قراءة العداوات والطغيان، والتي يستخدم فيها العلم للتدمير كما حدث من قوم عاد التي قال الله فيها «ألم تر كيف فعل ربك بعاد ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد».
وأكد أن صناعة الإنسان الكامل من أسمى أهداف الأنبياء، مشيراً إلى أن المجتمعات المعاصرة بلغت من الفساد حداً كبيراً حتى سقط البشر فيها فتحولوا من عبادة ربهم إلى عبادة شهواتهم، مؤكداً أن أهم مصدر للسعادة هو انسجام المرء مع ما يعتقد، مقارناً بين حقائق الإيمان وحلاوته، مؤكداً أنه يوجد فرق بين الاثنين، فالحقائق لا تزيد عن معرفة الإيمان، أما حلاوته أن تعايشه وتتذوق تأثيره.
وقال النابلسي: إن واقع المسلمين مؤلم جداً والطرف الآخر يرى الإسلام من أفعال المسلمين، مشيراً إلى أن المسلمين يتقاتلون وبينهم 95 بالمئة قواسم مشتركة، أما الطرف الآخر يتعاونوا رغم أن القواسم المشتركة بينهم لا تزيد عن 5 بالمئة، مؤكداً أن المسلمين لن يقنعوا الطرف الآخر إلا بالعطاء الحضاري، لاسيما أن الإسلام بناء أخلاقي في الأساس.
وحذر الدكتور النابلسي من طوفان الفساد الحاصل في آخر الزمان وحمل إلى الناس الكذب والدجل والظلم والغش والتدليس والمكر والحيلة والحرص والبخل والتبذير وعقوق الوالدين وإهمال الأولاد واكل السحت وأكل مال اليتيم.
وقال: إن السعادة التي ينشدها الإنسان تختلف عن اللذة، حيث إن اللذة لا تأتي إلا من خارج الإنسان وتحتاج إلى الوقت والصحة والمال، مؤكدا أن هذه الأشياء مجتمعة لا تدوم، بل يأتي زمان يكون فيه المال متوفرا بدون صحة أو العكس.
وأضاف أن السعادة شيء مختلف فهي تنبع من داخل الإنسان، ومشيرا إلى أن الله سبحانه وتعالى أعطى المال والصحة والوقت لكثير من البشر، ولكن السعادة تكون لدى القليلين.
وقال النابلسي إن الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسد يتحرك، وهو يحتاج إلى خشوع وبكاء واتصال بالله، وما لم تلب حاجة العقل بالعلم، وحاجة القلب بحب الله وحاجة الجسد بالطعام يكون هناك نوع من التطرف.
وقال إن على المسلم أن يكون محبا وطائعا لله ومحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللعلماء وللمساجد وقراءة القرآن، مشيرا على قول ابن القيم بأن هناك حبا في الله وحبا مع الله، والحب في الله يشمل حب المؤمنين وحب الزوجة وحب الأولاد في الله سبحانه وتعالى.
وأوضح الدكتور النابلسي أن النفاق الذي يتسم به البعض إنما يعني وجود خلل في الأقوال والمعتقدات ويخرج صاحبه من الملة، مؤكدا أن مهمة التنمية الأخلاقية تطهير حياة المسلمين، وانه حينما يسقط الإنسان يتحول من عبادة الله إلى عبادة شهواته، ويعتمد القوة والعنف بدلا من الرحمة والتفاهم، ويتحول من عنايته بالنفس إلى العناية بالجسد، ومن المبدأ إلى المصلحة ويتحول بذلك المجتمع إلى غابة، تكون فيها فرائس وضحايا للأقوياء.
وقال: لقد صدق الشاعر أحمد شوقي عندما أنشد هذا الشعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وعن مصادر السعادة قال: إن أهم مصدر للسعادة هو انسجام المرء مع ما يعتقده من أفكار ومبادئ، حيث يشعر المرء بكيانه، ويشعر بالسعادة إذا تخطى عقبة من العقبات، مشيرا إلى ان الإيمان عبارة عن حقائق وحلاوة، وفرق كبير بين الحقائق والحلاوة، حيث إن حلاوة الإيمان تجعل المسلم في قمة السعادة، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وان يكره أن يعود في الكفر بعد أن أخرجه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».
وقال إن الذين نكن لهم عظيم الاحترام هم الذين يملكون حسن الخلق وهم الذين انتصروا على التحديات داخل نفوسهم، مؤكدا أن طابع الرقي هو طابع خلقي قبل أن يكون طابعا عمرانيا، وان القرون الأولى للإسلام كانت من أرقى العصور.
وأضاف أنه لا بد من وجود صحوة إيمانية لكسر الشهوات وإثراء حياتنا، مؤكدا أن الإسلام يعلمنا كيفية تصحيح المسار والتحول من الخسارة إلى الربح.
وقال إن الإنسان يمكن أن يغير حياته إلى الأحسن بإتباعه تعاليم الإسلام والسير قدما في هذا التغيير ولا يمكن أن يغير الله إنسانا إلا إذا قام هو بالتغيير «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».
دبي ـ السيد الطنطاوي

