أكد المشاركون في المجلس الرمضاني العلمي لعلي الهاشمي المستشار للشؤون الدينية والقضائية في قصر الرئاسة الذي عقد الليلة قبل الماضية في أبو ظبي على تسامح الإسلام الذي أكدته المواثيق والأحلاف الإسلامية وحذروا من الغلو والتطرف وقالوا إن الإسلام لم يشن حرباً على أحد ودستور المدينة المنورة الذي وضعه النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان لمجتمع تعددي مكوَّن من يهود ونصارى ومسلمين ووثنيين.

وأوضحوا أن العرب والمسلمين عرفوا عبر التاريخ بتسامحهم فيما بينهم وجيرانهم من كل الملل والأعراق وأن العداء للغرب تولد بعد الاعتداء على بعض الدول العربية واحتلال أخرى وقدموا نماذج حية من تعاملات وتسامح المسلمين والنصارى فيما بينهم في العديد من الدول العربية وخاصة في الإمارات.

وحذروا من المبالغة في ارتفاع أسعار السلع الغذائية ومن الأساليب التي تتبعها الجمعيات الاستهلاكية التعاونية في إغراء المستهلكين بشراء سلع ذات جودة متدنية وبأسعار لا تقل عن السوق مؤكدين أن ارتفاع مشتقات البترول هو السبب الرئيس لارتفاع تكاليف الحياة بالدولة.

حضر المجلس الدكتور يوسف الحسن مدير عام المعهد الدبلوماسي والدكتور عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر والدكتور ناجي العربي المدرس بجامعة البحرين وإبراهيم محمد الحديدي عضو مجلس وطني سابق والدكتور جاسم الخلوفي سفير بوزارة الخارجية ويوسف علي مدير عام مجموعة «كي إم ستور» والمهندس محمد مبارك المري مدير تطوير النظم الإدارية بشركة الخليج لصيانة الطائرات وحمدان سيد الهدار من صندوق أبو ظبي للتنمية والمؤرخ الدكتور فالح حنظل وجمع غفير من رواد المجلس الذين يمثلون كافة الجنسيات والمهن.

من جانبه أشاد الهاشمي بمكرمة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة استضافة أصحاب الفضيلة العلماء لإحياء أيام وليالي شهر رمضان المبارك.

وأكد أن هذه السنة التي أسس لها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تؤكد على محبة الإسلام والمسلمين لغيرهم وفيها من التسامح الديني ما يكفل للجميع على أرض الإمارات العيش بأمان وسلام.

وقال إن المغفور له عرف بأعمال الخير وتقديم المعونة لكل من احتاجها في مشارق الأرض ومغاربها ولم يميز بين سائل أو منكوب أو محتاج على أساس العرق أو الجنس أو الدين بل كانت يداه، غفر الله له، مبسوطتين للجميع.

ودعا للتسامح بين المسلمين، وبينهم وبين من يعيشون في دول الغرب والمحافظة على قيم الإسلام وعدالته ووسطية وعدم البقاء والعيش كأقليات منعزلة مشيرا إلى أن أعداد من يقبلون على الإسلام في تزايد و في ذلك فائدة ومصلحة للمسلمين ولأبنائهم في التعايش مع الغربيين والتفاعل معهم في مختلف القضايا التي تهم الجميع والدول التي يعيشون على أرضها وتوفر لهم العيش الكريم والحياة الآمنة.

وانتقد ما يصدر عن بعض القادة أو رجال الدين في العالم الغربي من كلام بذيء وأشاد بالبابا شنودة عندما انتقد بابا الفاتيكان عندما أساء للإسلام واصفا إياه بأنه خسر المسلمين وجرح المسيحيين وقال كيف ينطق رجل مقدس بكلام مدنس محذرا من خطورة الإعلام الغربي وبعض العربي والمحلي في تشويه صورة الإسلام.

الإسلام دين تسامح

ومن جانبه أكد الدكتور عبد المعطي بيومي ضيف صاحب السمو رئيس الدولة أن الإسلام عرف بالتسامح منذ اللحظة الأولى ودعا به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من خلال الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله امتثالا لقوله تعالى «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير».

المجالس الرمضانية

وأشار إلى أن المجالس الرمضانية من سنن الإسلام الحميدة وأهل الإمارات عرفوا بالحرص عليها لما فيها من تجديد للفكر والمعلومات مشيداً بمجلس السيد علي الهاشمي وشخصه وعلمه وما يحمل من نزعة التجديد والاجتهاد وإثراء الأمة بالفكر النير والمستنير وما يحمل في طياته من تراث إسلامي يمثل إشعاعا حديثا من أصول قديمة وعريقة أحوج ما تكون إليها الأمة.

وأضاف أن الإسلام يتكامل مع الأديان الأخرى ويتعامل مع أهلها بالسماحة واليسر وحفظ الكرامة ولكل إنسان حق اختيار ما يشاء من دين وعليه أن يتحمل مسؤولية اختياره أمام الله سبحانه وحده وليس أمام البشر امتثالا لقوله تعالى «لست عليهم بمسيطر».

وأكد أن الأديان جميعا تحض على احترام البشر والإخوة في الإنسانية واستشهد بعدد من الأمثلة من تصرفات الرسول عليه السلام مع غير المسلمين وقال: إنه في ذات يوم كان جالسا ومرت جنازة ليهودي فوقف عليه السلام وعندما سئل عن سبب وقوفه قال: أليست نفسا بشرية.

وأشار إلى أن الحروب التي خاضها المسلمون دفاعا عن الإسلام كانت تتميز بالمحافظة على دور العبادة وعدم الإساءة أو قتل الأطفال والأبرياء والنساء أو حتى الإساءة للبيئة.

وقال ضيف صاحب السمو رئيس الدولة: إن العقيدة تبقى شيئا والممارسات التاريخية التي قد تنحرف عن هذه العقيدة شيئا آخر ورغم أن الأديان جميعها تعلن تمسكها بالتسامح فإن الحروب والإبادات التي استمرت عبر التاريخ باسم الدين أحيانا ثم إن هناك بين المسلمين اليوم مَن يأخذ «آيات السيف» على حرفيَّتها وفي معزل عن الإطار التاريخي الذي ظهرت فيه.

ودعا لقراءة النصوص القرآنية باعتماد الظرف التاريخي والحالات المحددة وأسباب النزول ولأن مَن يسمِّيهم «المتطرفون» لم يفعلوا هذا بل رفضوا «كل تسامح على النطاق الديني أو الفكري أو الثقافي أو الاجتماعي الداخلي أو الدولي بحجة امتلاك الحقيقة والأفضليات».

آيات التسامح

وذكر بيومي أن في القرآن الكريم نحو100 آية تشير إلى التسامح وقال «إذا كان التسامح الإسلامي قائماً على مفهوم الفطرة البشرية ووحدة الأديان كما يظهر من الإشارات القرآنية المتكررة إلى آيات الله المحفورة في النفس البشرية وفي العالم الخارجي فلا عجب أن يكون القرآن كلُّه لا مئة آية فحسب رسالة في التسامح وهذا يؤكد ضرورة البدء بتحديد المفاهيم».

وأشاد بجهود وإنجازات المغفور له الشيخ زايد في استضافة العلماء وتحدث عن مواقف عدة له مع المغفور له وقال انه سبق عصره ووضع أصابعه قبل الكثير على قضايا تجديد الفكر الإسلامي ودعوة العلماء للقيام بواجبهم بالاجتهاد والتجديد وفقاً لمقتضيات العصر مشيراً إلى أن السلف الصالح كانوا يحرصون على مجالس العلم وخاصة في رمضان.

تاريخنا حافل

من جانبه قال الدكتور يوسف الحسن مدير عام المعهد الدبلوماسي ان تاريخ الحضارة الإسلامية يدل على تعايش الكثير من الأقوام في محيط المسلمين دون إنكار لهوياتهم مشيرا إلى أن بعضهم أسهموا في الحضارة الإسلامية وأن بعض الغزاة المغول عادوا لبلادهم مسلمين.

أسعار النفط

من جانبه ذكر إبراهيم الحديدي عضو المجلس الوطني السابق أن ارتفاع أسعار النفط هو السبب الرئيسي لارتفاع تكاليف المعيشة بالدولة مشيرا إلى سعره للمستهلك بالإمارات يزيد على 60% من الدول المجاورة الأمر الذي أسهم في ارتفاع تكاليف مواد البناء والعقارات والمواد الغذائية وفي النهاية المستهلك البسيط هو الذي يدفع الثمن مشيرا إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة لم يقابله زيادة بالرواتب حيث مازال بعضها لا يسد الرمق.

وأضاف أن الغلاء يتفاوت من دولة لأخرى والملاحظ أن الجمعيات الاستهلاكية بالدولة لم تقم بالدور الذي أسست من أجله بل هي التي تساهم بالغلاء وتستغل احتكارها لبعض السلع الموردة لها داعيا جمعية حماية المستهلك إلى القيام بدور أكثر فاعلية يتيح لها حق التصدي للتجار المخالفين.

مراقبة الأسواق

ودعا الدكتور جاسم الخلوفي السفير بوزارة الخارجية الجهات الرقابية إلى القيام بدورها بمراقبة الأسواق وتفعيل دور الجمعيات الاستهلاكية في حماية المستهلك من جشع التجار «الآسيويين» وقيام تعاونيات في المناطق السكانية عوضا عن البقالات الصغيرة التي تسهم في خفض أسعار السلع وتوفيرها للمواطنين بجودة وأسعار تتناسب والسوق العالمي مشيرا أن معدلات الرواتب (53 أصبح أصحابها في عداد الفقراء.

الأسعار في بريطانيا

وأشار المهندس محمد مبارك المري مدير تطوير النظم الإدارية في شركة الخليج لصيانة الطائرات إلى أن بعض السلع التي تباع في بريطانيا أرخص من ذات السلع التي تباع في الجمعيات الاستهلاكية بالدولة رغم تفاوت تكاليف الحياة المعيشية بين الإمارات وبريطانيا داعيا لوجود رقابة خاصة على السلع المستوردة من بعض الدول حفاظا على صحة المستهلك وخاصة الذي يبحث عن السلعة رخيصة الثمن ومنها ما يدخل في صمم الحياة الإنسانية كالطعام أو الأدوات المنزلية والاستخدامات الأخرى ومنها منظفات الأسنان.

اختيار البديل

ودعا يوسف علي المدير العام لمجموعة «إم كي ستور» المستهلكين لاختيار السلعة الجيدة وذات السعر المناسب حيث توفر أسواق الدولة بدائل للعديد من السلع الغذائية والأخرى المتخصصة بأعمال التنظيف والملبوسات والاستخدامات المنزلية والمعيشية على أنواعها مشيرا إلى أن شهر الصيام شهر للعبادة وليس للإسراف الذي يمارسه البعض.

ظاهرة عالمية

وأشار المؤرخ الدكتور فالح حنظل إلى تطور ظاهرة الغلاء عالمية فبالنظر لأسعار النفط قبل 40 عاماً كان سعر البرميل 3 دولارات ومعدلات الرواتب كانت تكفي للعيش بكرامة لكن الأسعار اليوم تتجاوز 74 دولاراً والخلل في الارتفاع انعكس على ضعف الرواتب الذي لم يقابل بزيادة الغلاء العام الذي تشهده جميع أنواع السلع حيث ترتفع رواتب فئة النخبة في حين رواتب الكثرة على حالها.

شهر القرآن

وقال الدكتور ناجي العربي المدرس بجامعة البحرين إن فضائل رمضان عديدة فهو شهر القرآن والصيام والقيام وصلة الأرحام والإنفاق على أعمال الخير فيه ليلة القدر والفريضة فيه بسبعين فريضة عما سواه والنافلة كثواب الفريضة.

وأضاف الصيام شهر شرعه الله ليكون سببا في ترابط الأمة ولكن من المؤسف أن بعضا منا يجعله شهرا للكسل والتثاقل بالعمل وشهرا للإسراف والتبذير مشيرا إلى أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان في رمضان يقوم الليل ويضاعف العبادة والاستغفار وتلاوة القرآن الكريم وكان يفطر على تمرات ويعجل بالفطور ويؤخر السحور.

وحذر من بعض الظواهر التي يمارسها البعض وخاصة في الأيام التي تسبق الشهر الفضيل حيث تبالغ فئة من المسلمين بالتسوق لسلع تكفيها لأشهر عده مما يسهم في رفع الأسعار.

مشيرا إلى أن دول الخليج توفر السلع لمواطنيها والمقيمين فيها من كافة دول العالم وتحرص على توفيرها بكافة الأوقات ولا داعي للتبذير والغلو بالإسراف على البطون دون القلوب مستشهدا بقول للإمام الحسن البصري عندما قيل له إن اللحم قد غلى «فقال لهم» للناس «أنتم الذين أغلتوه» داعيا التجار ليكونوا أكثر إنصافا وأن لا يستغلوا حاجة الفقراء والمعوزين وخاصة في الشهر الفضيل.

واختتم المجلس بتلاوة آيات للقرآن الكريم تلاها المقرئ الشيخ عبد الشافي أحمد هلال والدعاء للمغفور له الشيخ زايد بالرحمة و بالتأكيد على روح الإسلام واستلهام الأفكار البنَّاءة المتسامحة من القرآن ومن سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم و من التاريخ الإسلامي ومن المفكرين والمؤرخين الذين شهد لهم بالمصداقية لأن الأمة الإسلامية أمة خير تسعى لأن يعيش الجميع بسلام وخير في كافة أرجاء المعمورة.

أبوظبي ـ إبراهيم السطري