تشهد الإمارات ودول المنطقة الخليجية نموا اقتصاديا قويا مدعوما بارتفاع أسعار النفط مما ساهم في زيادة حجم الإنفاق الحكومي وتوسع الائتمان المصرفي وتركيز القطاع الخاص على زيادة حجم استثماراته في الأسواق المحلية الأمر الذي انعكس على ارتفاع معدلات الاستهلاك والاستثمار لتصل إلى مستويات غير مسبوقة كما صاحب هذا الانتعاش الاقتصادي الفريد ارتفاع في مؤشرات غلاء المعيشة.

يأتي ذلك في ظل ارتفاع الأصوات المتحدثة عن غياب واضح لحالات «الضبط والربط» في أسواق الدولة ومطالبتها بضرورة الكشف عن الدوافع الحقيقية وراء هذا الارتفاع وفي ظل تزايد أصوات المواطنين والمقيمين على حد سواء مطالبين بوقف موجة تسونامي الغلاء الحاصلة .والتي لم تعد تفرق بين خصوصية شهر رمضان الكريم دون سائر أشهر السنة حيث يعمد بعض التجار والموردين في هذا الشهر الكريم والذي يعد من أكثر الأشهر التي تزداد فيه القوة الشرائية إلى رفع أسعار منتجاتهم وسلعهم الغذائية بصورة مبالغ فيها دون مبرر. في ذات الوقت تتساءل أصوات أخرى عن مدى قانونية تلك الارتفاعات وما اذا كانت هناك وسيلة ما لإيقافها خوفا من شبح التضخم والذي قد يخيم بظلاله على اقتصاد الدولة إذا ما استمرت الأسعار بالزيادة بصورة مبالغ فيها، وقد شهدنا مؤخرا تعالي الأصوات التي تطالب وزارة الاقتصاد باتخاذ خطوات أكثر تشددا لوقف موجة الغلاء الحاصلة.

«البيان» تفتح ملف «ارتفاع الأسعار» ونخصص هذا التحقيق للحديث عن موجة الارتفاع في أسعار السلع والمنتجات الغذائية مع حلول شهر رمضان المبارك، وتأثير استمرار موجة الغلاء تلك على جيوب المستهلكين واقتصاد الدولة بشكل عام، كما سنتوجه بأسئلتنا إلى وزارة الاقتصاد لنتوقف عند جهود الوزارة في كبح جماح موجة الغلاء الحاصلة، كما سنناقش دور المستهلك في محاربة جشع وطمع بعض التجار والموردين.

ارتفاع الأسعار

الدكتور هاشم النعيمي مدير إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد يشير إلى أن هناك أسبابا خارجية وأخرى داخلية تقف وراء ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية في أسواق الدولة، أما الأسباب الخارجية فكما تعلمون فإن دولة الإمارات تستورد اغلب السلع من الخارج ونظراً للارتفاع في الأسعار عالمياً فان ذلك ينعكس على أسعار السلع في دولة الإمارات.

أما الأسباب الداخلية فيعكسها ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج للسلع المنتجة في دولة الإمارات وعلى الرغم من كل ذلك فان وزارة الاقتصاد ـ إدارة حماية المستهلك تحارب الاستغلال والاحتكار والمنافسة غير الشريفة بين الموردين ومنافذ البيع، ونود أن نطمئن المستهلكين بأن وزارة الاقتصاد تقوم بمراقبة الأسواق عن كثب لمحاولة خلق نوع من التوازن بين المستهلكين والتجار.

من جهته يقول علي إبراهيم، نائب المدير العام للشؤون التنفيذية بدائرة التنمية الاقتصادية بدبي إنه من الأهمية التوضيح أن معظم واردات الدولة تأتي من الخارج وبالتالي كلما ارتفعت قيم تلك المستوردات من الخارج فإنها ترتفع أيضاً في الدولة، لأسباب مختلفة منها ارتفاع أسعار عملات تلك الدول إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج. وهناك أحياناً ارتفاع للأسعار نتيجة لنقص العرض وزيادة الطلب، وهناك ارتفاعات تكون موسمية نتيجة الإقبال أو الطلب المتوقع عليها كالمواد الغذائية خلال شهر رمضان والقرطاسية واللوازم المدرسية قبل بداية المدارس وغيرها.

أما رجل الأعمال سالم الموسى فيقول إنه يجب علينا أولا أن نعرف ما هو «الغلاء»، فالغلاء هو انخفاض القوة الشرائية للعملة، وأسباب الانخفاض تلك تعود إلى تكاليف مختلفة والتي تعرف في الاقتصاد باسم «cost push»، بالإضافة إلى السياسة النقدية والتضخم والاستدانة والمساعدات الحكومية..الخ.

فبالإمكان التحكم في زيادة الأجور، هذا فقط في مجال واحد وهو المجال المتعلق بعملية زيادة الرواتب والذي له علاقة مباشرة في الشراء بين البائع والمشتري وهناك مؤشرات أخرى لها علاقة بعملية تدني القوة الشرائية للعملة ومنها الزيادة السنوية في العملة الربوية بنسبة 2% سنويا.

فعند زيادة المرتبات بشكل كبير يزداد تبعا له الفائض لدى صاحب المرتب وبالتالي تزداد رغبته في الدفع للشراء مما يجعل التاجر يتربص بصاحب الراتب فيتجه لرفع أسعار منتجاته وسلعه ولو حدث العكس وكان توفير الفرد بسيطا عندها سيلجأ التاجر لبيع بضاعته في التنزيلات لأن منحنى العرض عند البائع سوف يزداد .

وبالتالي منحنى الطلب سوف ينخفض وعندما يلتقي منحنى العرض مع منحنى الطلب في هذه النقطة تسمى العملية «موازنة السلعة بالسعر» في هذه الحالة للسوق يمثل الملتقى السعر الحقيقي للسلعة، وفي هذه الحالة يكون البيع والشراء في حالة توازن وإذا ما تعرض المشتري في عملية الشراء المجبر فعندها يكون هذا المنتج محتكر.

وهناك سلع مهما كانت كميتها فلن يتأثر سعرها في الأسواق مثال على ذلك «السجائر» كون الاعتماد على هذه السلعة هو اعتماد نفسي وجسدي. وهناك ما يسمى بمرونة الأسعار في عملية البيع والشراء حيث أن الأسعار مرنة في أغلب البضائع وغير مرنة في السوق الحرة المتنافسة فهذه البضائع لها بدائل.

وباعتقادي أن عدم الخوف من القانون والتشريعات والتوصيات الكثيرة يعد العامل الأساسي وراء ارتفاع أسعار السلع والمنتجات في أسواق الدولة.

فهناك أمور ضرورية في المجتمعات التي تحد من الاستغلالية في كل مكان سواء في الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو اليابان إلى باقي الدول التي لها باع طويل في عملية حماية المستهلك، فالسوق الحرة لا تعني السوق العشوائية، وعلينا أن ننتبه «للمنحنيات الموسمية للاقتصاد» مثل الأعياد، الإجازات السنوية.

وشهر رمضان، وبدء العام الدراسي... إلخ من المناسبات التي تخص المستهلك بالدرجة الأولى من ناحية الاستهلاكات الضرورية وأرى أنه ينبغي أن يكون هناك ملتقى وورش عمل تحت مظلة وزارة الاقتصاد يجمع كل من المستهلك والتاجر والمورد وغرف التجارة للحيلولة دون تفاقم آفة الاستغلال والمتجسدة في ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية في أسواق الدول بصورة مبالغ فيها دون مبرر.

رجل الأعمال عبدالجليل درويش يقول: بداية أوّد أن أقول إن موجة الغلاء التي تشهدها الدولة لا تُعتبر ظاهرة فريدة في مجتمعنا بل هي جزء من ظاهرة عامة على مستوى المنطقة بل على مستوى العالم أيضاً بالنظر إلى ارتباط الدول ببعضها ارتباطاً وثيقاً من حيث تشابك المصالح من خلال العلاقات التجارية كما نعرف.

ولكن هذه الموجة بالطبع تختلف حدتها من بلد إلى آخر تبعاً لتباين العوامل التي تساهم في إحداث هذه المشكلة. هناك أسباب عامة أعتقد أن الجميع يعرفها تنطبق على الإمارات وغيرها من الدول التي تتشابه ظروفها معها كارتفاع تكلفة الاستيراد بسبب ارتفاع أسعار الإنتاج في الدول المصدّرة والتي تعزو ذلك أيضاً إلى ارتفاع أسعار الطاقة التي تدخل في عناصر الإنتاج والنقل وخلافه، وهي سلسة طويلة ومتشابكة.

ونحن، شأننا شأن معظم الدول التي تستورد غالبية احتياجاتها من المواد الغذائية، لابدّ أن نُقرّ أن هذا العامل يُعتبر أحد العوامل الرئيسية في ارتفاع الأسعار. هذا فضلاً عن العوامل المحلية كارتفاع العقارات وخلافه.

ولكن هناك عامل آخر أرى أنه لا يقلّ أهمية في نظري عن العامل السابق، لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً به، ألا وهو ارتباط الدرهم بالدولار الأميركي. هذا الموضوع يشغل بالي منذ فترة ليست بالقصيرة منذ بداية هبوط الدولار أمام العملات الرئيسية الأخرى مثل اليورو والإسترليني وخلافه. ثبات سعر الدرهم مقابل الدولار لا يؤثر على أسعار وارداتنا من الولايات المتحدة، ولكنه لا شك يؤثر على أسعار وارداتنا من منطقة اليورو والعملات الرئيسية الأخرى.

نحن نستورد حسب بعض التقديرات، ما نسبته 39 في المئة من وارداتنا من منطقة اليورو وحدها، ولابدّ أن ارتفاع اليورو مقابل الدولار ينسحب على أسعار وارداتنا من تلك المنطقة، ناهيك عن المناطق الأخرى التي نستورد منها. لذا أعتقد أن الوقت قد حان في ظل هذه المتغيرات في أن نعيد النظر في ربط الدرهم بالدولار لما لهذا الارتباط من آثار سلبية، على الأقل في هذا الجانب موضوع الحديث، وانخفاض القيمة الشرائية للدرهم.

هناك أسباب أخرى أرى أيضاً أنها تساهم في ارتفاع الأسعار منها النزعة الاستهلاكية العالية في مجتمعنا والطلب المرتفع الذي لا يقابله أحياناً زيادة العرض في بعض السلع. قانون العرض والطلب بطبيعة الحال هو الذي يحكم العلاقة بين التاجر والمستهلك في البلدان التي تُطبق مبدأ الاقتصاد الحر ولكن حتى هذا القانون تحكمه ضوابط أهمها ثقافة الاستهلاك لدى المجتمع وكيف يتمكن من ترشيد إنفاقه، بالإضافة إلى الدور الرقابي الذي تمارسه السُلطات على الأسواق لمنع أية تجاوزات قد تحدث هنا أو هناك.

محمد سالم المشرخ عضو غرفة تجارة وصناعة الشارقة يشير إلى أن الإمارات كانت واحدة من الدول الأرخص نسبيا بين دول المنطقة بل العالم أجمع قبل خمس سنوات تحديدا.

وهذا ما جذب الكثير من المستثمرين وطلاب العمل ليؤتوا الإمارات ويسكنوا فيها. والقشة التي قسمت ظهر البعير كانت في زيادة أسعار البترول في دولة الإمارات وباعتقادي أن هذا السبب هو الرئيسي في ارتفاع الأسعار وليس أي سبب آخر، فمنذ أن ارتفعت أسعار البترول في الدولة تبعتها زيادة في أسعار الإيجارات والمواد الاستهلاكية وغيرها من الأمور التي تعتبر النقل هو العامل الأساسي في العملية الإنتاجية.

هادي إبراهيم العباس المدير التنفيذي لشركة إير ديفالوبرز للعقارات يشير إلى أن السبب الأول الرئيسي هو أن هناك ارتفاعا في السعر العالمي لكثير من السلع وهناك أيضا تضخم زائد وارتفاع في تعداد العاطلين عن العمل، فقد تعرضت أميركا وأوروبا لتضخم كبير ومن ضمن أسباب ذلك التحول المناخي وبعض ظواهر التغيير... مثل الأعاصير التي حدثت في بعض المناطق في العالم، لم تحدث من قبل وهنالك مناطق أصبحت جرداء بسبب التغيير في المناخ وهذه المناطق كانت محفزة من قبل وقد انعكس ذلك على الدولة.

وقد كان متوقعا أن ينخفض سعر البترول إلا أنه ارتفع سعره وقد أثر ذلك في موجة ارتفاع الأسعار، كذلك فإن الزيادات التي طرأت على الرواتب في الدولة انعكس أثرها على السوق المحلي وكان لذلك أثر فاعل في تنشيط السوق مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الإيجارات والأجور في كثير من منشآت القطاع الخاص مما أدى بالفعل إلى ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية في الدولة.

عبد الحكيم الطاير رئيس مجلس ادارة هاي رايس العقارية يعرب عن اعتقاده بأن ارتفاع الأسعار في أي دولة في العالم يعتمد بشكل أساسي على ميزان العرض والطلب وعلى نوع السلعة وعلى الموسم لذلك نرى زيادة كبيرة على أسعار تذاكر السفر في المواسم التي تشهد ارتفاعا في أعداد المسافرين من والى الدولة .

كما أن ازدياد أسعار المواد الغذائية مرتبط بالأوقات التي تشهد إقبالا على شرائها وشهر رمضان يعد من أكثر الأشهر التي تزداد فيه القوة الشرائية للمواطن وإقبالا على شراء المواد الغذائية نظرا لتعدد الأصناف والوجبات في هذا الشهر الكريم. وعند بدء السنة الدراسية وافتتاح المدارس نجد أيضا ارتفاعا ملحوظا في الأسعار المتعلقة باحتياجات الطلبة من دفاتر وأقلام وحقائب مدرسية وغير ذلك.

تبرير رفع التجار والموردين لأسعارهم

وعن المبررات التي يقدمها التجار والموردون لرفع أسعارهم يقول الدكتور هاشم النعيمي: إن وزارة الاقتصاد ـ إدارة حماية المستهلك اهتمت وبشكل دقيق بالتجار والموردين وان إستراتيجيتها هي خلق نوع من التوازن بين التجار والمستهلكين في دولة الإمارات مما يخلق بيئة يستطيع فيها التجار ان يقوموا بعملهم بشكل جيد، كذلك إيجاد وسائل لحماية المستهلكين من الاستغلال.

ومن هذا المنطلق اهتم القانون الاتحادي رقم 24 لسنة 2006 ولائحته التنفيذية بمسالة تقييم رفع أسعار السلع في دولة الإمارات ووضع معايير تحدد ما إذا كان الارتفاع مبرر أو غير مبرر ولقد حددت المادة (12) في اللائحة التنفيذية لقانون حماية المستهلك هذه المعايير مع الأخذ في الاعتبار الارتفاع في الأسعار سواء في ارتفاع أسعار الإيجارات أو النقل وغيرها.

أما علي إبراهيم فيقول إنه لا يمكن إنكار حقيقة ارتفاع أسعار الإيجارات الموجودة في السوق بصورة عامة في الدولة، ولهذا السبب سعت بعض الحكومات المحلية إلى التدخل لوضع سقوف للزيادات على سبيل المثال 7% كحد أقصى لزيادة الإيجار في إمارة دبي. وهناك أيضاً ارتفاع في أسعار الديزل والوقود، ولكن ليست هذه الأسباب بمبررات كافية، حيث إذا كان هناك زيادات يفترض أن تكون مدروسة على كافة المنتجات والخدمات وخلال السنة ككل.

عبدالجليل درويش يعرب عن اعتقاده بأن نظرتنا للأمور يجب أن تكون موضوعية فعندما نتطرق إلى مثل هذا الموضوع الذي يمس كل أفراد المجتمع، ومنهم بطبيعة الحال التجار والموردون الذين يعانون هم أيضاً من الغلاء لابدّ أن نكون منصفين لكل الأطراف.

نحن لا ننكر أن المعاناة تقع بشكل أساسي على فئة محدودي الدخل، ولكن هناك عوامل لا دخل لأحد بها كما ذكرت في البداية. وما يذكره التجار والموردون من مبررات لرفع أسعار السلع والمنتجات لاشك يستند في معظمه إلى واقع ملموس، فإذا كانت تلك المبررات منطقية وغير مُغالى فيها هنا يكون الوضع طبيعياً ولا يدعو للانزعاج، أما إذا كان غير ذلك فيجب أن نبحث عن موضع الخلل ونعالجه.

ولا شك أن الجهات الرقابية مُمثلة في وزارة الاقتصاد تقوم بدورها في هذا الصدد. نحن لا نستبعد أن يكون في مجتمعنا عناصر من هذا النوع الذي يسعى للربح السريع على حساب الآخرين فهذه الممارسات تحدث في كل مجتمع ولابدّ من التصدي لها ووقفها لأنها تؤثر بالسلب على المجتمع وعلى اقتصاد الدولة بشكل عام.

سالم الموسى يشير إلى أنه فيما يتعلق برفع التجار والموردين لأسعار سلعهم ومنتجاتهم على اعتبار أنهم يعانون أيضا من ارتفاعات اقتصادية في البلاد وإن كان هناك تبرير لهذا الرفع فنحن لا نقول بأن التجار والموردين ممن يرفعون الأسعار هم أصحاب القشة التي قسمت ظهر المستهلك،.

وعلينا أن لا نظلم ولا نظلم وأن نعطي كل ذي حق حقه، فيجب أن نحدد من هو التاجر الذي يستغل من التاجر الذي لا يستغل، ونحن ندرك أن الاقتصاد له قواعد، حيث تقول قاعدة الادخار إنه كلما ازداد دخل الفرد وأصبح لديه فائض ما بين مدخوله وحجم إنفاقه لذلك فإنه إذا ما كان هناك ما بين 10 إلى 15% من المستهلكين لا يبالون بالغلاء فهذا يعني أن حوالي 85% من المستهلكين سيتأثرون تأثرا مباشرا بالغلاء.

وهنا أتساءل هل السوق العالمي هو المشكلة؟ أم أن المشكلة تكمن في حرية رفع الأسعار بدون «ضبط أو ربط»، أم الأمر يتعلق بتجاهل التجار لتعليمات وزارة الاقتصاد..؟ يجيب: أنا متيقن أن وزارة الاقتصاد قائمة بعملها فقد دعت الوزارة في السابق إلى الحد من رفع الأسعار ولكن يبدو لي أن البعض لم يأخذ دعوات الوزارة على محمل الجد... وعلينا أن نتساءل عن الأسباب وراء تجاهل الدعوات تلك؟، فالقانون هو الأب الروحي للتعامل التجاري والتعاملات الأخرى.

الخطأ ليس خطأ التجار فقط، فالمستهلك يتحمل هو الآخر مسؤولية ارتفاع الأسعار تلك، فعلى المستهلك أن ينبه الجهات المعنية إذا ما لاحظ ارتفاعا في أسعار سلعة أو منتج معين بصورة مفاجئة ومبالغ فيها، فعلى سبيل المثال نلاحظ أن في الدول المتقدمة هيئات حماية المستهلك هي الجهة التي تتابع الزيادة في أسعار السلع والمنتجات في الأسواق.

محمد سالم المشرخ يؤكد على أن التاجر هو إنسان مستهلك في المقام الأول قبل أن يكون تاجرا، ولكن هناك الكثير من التجار الجشعين ممن أعمى الجشع قلوبهم فبدأوا في استغلال موجة الزيادات هذه من أجل تحقيق أرباح مضاعفة في فترات قصيرة على حساب المستهلك ذي الدخل المحدود، وهذه الزيادة الكبيرة غير مبررة بتاتا، فمثلا أن تزيد نسبة الزيادة على سلعة ما في حدود 10% إلى 20% ولكن أن تصل نسبة الزيادة في الأسعار إلى 80% أو 100% فهذا جشع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. نعم التاجر له الحق في تحقيق هامش أرباح معين ولكن ليس على حساب المستهلك.

أما هادي إبراهيم العباس فيشير إلى أن تبرير التجار والموردين لرفع أسعار منتجاتهم وسلعهم أمر طبيعي، لأن التاجر يرفع أسعاره لسببين وهما إما أن يكون السعر الأساسي قد ازداد أو أن تكون خدمات السلع قد ازدادت ومن تلك الخدمات «نقل السلع وتخزينها والإعلان عن تداولها» .

حيث جميع تلك الخدمات والمصروفات يضيفها التاجر في سعر السلعة وهي في الغالب ليست أرباحا، أي أن الكثير منها ليست أرباحا بل هامش الربح فيها بسيط، ولكن هذا لا يعني كليا أن هنالك مبررات مقبولة من التجار والموردين، ففي رأيي أن زيادة الرواتب على سبيل المثال يجب أن لا تكون مبررا لرفع الأسعار.

عبد الحكيم الطاير يعزو السبب في ارتفاع الأسعار إلى ارتفاع تكاليف استيراد مدخلات الإنتاج من أوروبا وارتفاع إيجارات محلاتهم فضلا عن ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية وبالتالي ارتفاع تعرفة الشحن والتأمين. وعلى الجانب الآخر فإننا لا نستطيع أن نلغي وجود جشع بعض التجار الذين يستغلون شهر رمضان سعيا منهم للاستغناء خلال فترة وجيزة.

قاعدة بيانات للأسعار

أما الدكتور هاشم النعيمي فيقول إن وزارة الاقتصاد تعكف على إيجاد قاعدة بيانات من واقع أسواق الدولة حقيقية. ويشير إلى أن وزارة الاقتصاد قامت بالكثير من الدراسات حول أسعار السلع في أسواق الدولة وهذه الدراسات موجودة على موقع وزارة الاقتصاد الالكتروني ططط.كٍَُُ؟.فم وتعتبر من البيانات المهمة يستطيع المستهلك والتاجر الاستعانة بها إذا أراد ذلك.

علي إبراهيم يشير إلى أن الحاجة لوجود قاعدة بيانات للأسعار مهمة خاصة للسلع الأساسية، وبالتالي يمكن مراقبة الأسعار بشكل دقيق ومعرفة تحركات الأسعار سواء بالزيادة أو الانخفاض، حيث سيساعد ذلك على معرفة حجم التضخم بصورة دقيقة وتوفير آلية للحكومة للتدخل عند الضرورة.

عبدالجليل درويش يؤكد على أن هناك حاجة ماسّة لوجود قاعدة بيانات في كل مجال، فما بالك ببيانات الأسعار التي تمس كل فرد في المجتمع. لا شك أنّ وجود مثل هذه القاعدة سوف يساهم ليس فقط في معرفة اتجاه الأسعار صعوداً أو هبوطاً ولكن في وضع الخطط والإستراتيجيات المرتبطة باحتياجات المجتمع من مختلف السلع.

العالم اليوم قائم على الأرقام والإحصائيات والمؤشرات التي تصدر في مختلف الأسواق هي الدليل الذي يسترشد به صانع القرار والإنسان العادي على حدّ سواء في تقرير ما يهمه من أمور.

ولا شك أن أسواق الدولة لا تخلو من مثل هذه البيانات، وإلا فكيف يتم تدارس الاحتياجات ووضع البرامج والخطط الاقتصادية ولكني أعتقد أنها بحاجة إلى تنسيق وتوحيد لتخرج في صورة مؤشر عام، فنحن نلاحظ أحياناً اختلافات في البيانات التي تصدر من جهات مختلفة.

محمد سالم المشرخ يقول: نحن نفتقد وجود قاعة بيانات للأسعار، فعلى سبيل المثال عندما نقوم بزيارة دول متحضرة مثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان نجد أن السلع والمنتجات لها أسعار محددة من قبل حكومات تلك الدول كما أنها تمتلك مواصفات ومقاييس معينة.

كما ان المستهلك يدفع ثمن السلعة أو المنتج وكل ثقة ورضاء تام من أنه دفع ما يوازي ثمن السلعة فعليا. ولكن للأسف الشديد في الإمارات الكل يرفع الأسعار دون مراجعة للجهات المسؤولة.

كما أن الجهات المسؤولة لا تهتم بعملية ارتفاع الأسعار تلك، فليس من السهل وضع قوائم بالأسعار الموجودة في أسواق الإمارات ولكن الأمر ليس مستحيلا وخاصة أننا قطعنا في الإمارات شوطا كبيرا في عملية الإحصاء والمراقبة.....الخ. ومن الممكن وضع قوائم الأسعار تلك أسوة بالدول المتقدمة، العملية تحتاج لوقت وجهد وإرادة.

هادي إبراهيم العباس يتحدث عن مدى الحاجة لوجود قاعدة بيانات للأسعار فيقول إن هذه القاعدة تسمى الأسعار القياسية وهي موجودة بالدولة وتصدرها مثلا دائرة التخطيط والاقتصاد في أبوظبي وتقوم الدائرة بإصدار الأسعار القياسية لكل السلع منذ عام 1976، ولديها إحصائيات سنوية تشمل كل الأسعار القياسية والأمور مشابهة كذلك في كل من دبي والإمارات الأخرى.

فليس هناك جهة موحدة في الدولة للقيام بذلك، فسابقا كان هنالك وزارة التخطيط وكان هذا الدور منوطا بها وتقوم به خير قيام إذ كانت تقوم بجمع المعلومات من الدوائر المحلية وتصدرها في نشرات ومجلات، إلا أن هذا الدور تحول فيما بعد إلى كل من وزارة الاقتصاد

ووزارة التجارة ولكن هذه المعلومات لا تنزل للسوق لأن سعر السوق وحده لا يكفي بل يحتاج إلى معلومات مثل خدمات السلع كالإيجار والتخزين وأجور العمال...الخ.

عبد الحكيم الطاير يقول: لا شك أن وجود قاعدة بيانات للأسعار في أسواق الدولة قد يساهم في وضع حد للارتفاع غير المبرر للأسعار غير ان ذلك يقتضي جهدا كبيرا ووقتا ليس بالقصير لإجراء دراسات وأبحاث لتحقيق هذا الهدف.

ما المطلوب للحد من ارتفاع الأسعار؟

الدكتور هاشم النعيمي يشير إلى ان دولة الإمارات تتميز بانتهاجها نظام الاقتصاد الحر المبني على آلية العرض والطلب، ولقد تميزت دولة الإمارات عن كثير من الدول في كثير من الأمور وتسعى الدولة للمحافظة على هذا التميز.

اما بخصوص ارتفاع الأسعار وكيفية الحد من هذا الارتفاع فلا بد أن تتضافر كافة الجهود للقطاعات الحكومية والمحلية ذات العلاقة لإيجاد نوع من ارتفاع هذه الأسعار ولقد تم الاجتماع مع وزارة الشؤون الاجتماعية وتشكيل لجنة لتفعيل دور الجمعيات التعاونية لخلق هذا السوق

علي إبراهيم يرى أن اقتصاد السوق في الدولة مبني على العرض والطلب، وبالتالي آلية تحديد الأسعار ترجع للسوق. ولكن من الأهمية عدم استغلال ذلك لرفع الأسعار بدون مبررات واقعية فعلى سبيل المثال زيادة قيم تلك الواردات والتغير في أسعار الصرف إلى آخره من عوامل تتحكم في تحديد قيم السلع والخدمات، وكذلك عدم استغلال الطلبات الموسمية على بعض السلع ورفع أسعارها.

سالم الموسى يشير إلى أن قضية ارتفاع الأسعار لا يمكن معالجتها في يوم وليلة، فعملية المعالجة تحتاج إلى اجتماع هيئات ومنظمات دائمة التنسيق، لديها إلمام كاف بعمليات الاستيراد والتصدير والنظام النقدي والتجارة الحرة، وأيضا الإشراف على وضع القانون في موضع يليق به فالقانون يجب أن يطبق بعدالة.

ويجب أن يكون هناك هيئة لتنفيذ القوانين بالشكل الصحيح، فالقضية لا يمكن معالجتها من خلال تعالي الأصوات والجدل والصياح عبر وسائل الإعلام ولكن المعالجة المثلى تكون من خلال اتباع طريقة علمية بحتة ونحذو حذو تجارب الدول التي سبقتنا في هذ المجال بالطرق الاقتصادية.

عبدالجليل درويش يقول: لقد نوّهنا بأن ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية هو حلقة من سلسلة طويلة ومنظومة متصلة تؤثر وتتأثر ببعضها البعض، منها العالمية ومنها المحلية. ليس هناك نشاط منعزل تماماً عن الآخر، فأسعار العقارات لها تأثيراتها وعوامل العرض والطلب لها تأثيراتها، ووجود بعض العناصر السلبية التي لا تلتزم بقيم المجتمع السليمة لها أيضا تأثيراتها.

والمطلوب في نظري للحدّ من هذه الظاهرة هو أولاً أن نُكثّف من نشر الوعي لدى المجتمع من خلال وسائل الإعلام المختلفة للحد من ظاهرة الإسراف الاستهلاكي ونشر ثقافة الادخار وترشيد الاستهلاك فجزء من حماية المستهلك يقع على المستهلك نفسه. هذا العامل وحده سوف يساهم بنسبة كبيرة في توازن الأسعار وانخفاضها حسب نظرية العرض والطلب.

ثانيا علينا أيضاً أن نراجع القوانين التي تمنع استغلال بعض العناصر السلبية، إن وجدت، لحاجات المجتمع وربما كنا بحاجة إلى تغليظ العقوبة على من يخالف تلك القوانين. لدينا قانون لحماية المستهلك وأيضاً جمعية لحماية المستهلك، فهل قامت الجمعية بدورها على الوجه الأكمل أم أن عليها تطوير دورها الذي أُنشئت من أجله في مراقبة الأسواق والتنبيه إلى مواطن الخلل والتنسيق مع وزارة الاقتصاد لاتخاذ ما يلزم ووضع حد لأية تجاوزات غير مبررة للأسعار.

هناك أيضاً من ينادي بتحديد أسعار بعض السلع الأساسية أو دعمها من قِبل الدولة ولكن هذا يتنافى مع مبدأ الاقتصاد الحر الذي تُطبّقه الدولة، إذن زيادة المراقبة ومحاربة المستغلين، إن وجدوا، هو السبيل الأفضل على ما أعتقد، ثم كما ذكرت في البداية تعويم الدرهم وفك ارتباطه بالدولار لا شكّ سوف يساهم في تخفيض أسعار السلع المستوردة من غير منطقة الدولار.

محمد سالم المشرخ: المطلوب هو تدخل حكومي عاجل، أو أن يتوقف المستهلكون عن الشراء وهو خيار صعب التحقيق.

عبدالحكيم الطاير: المطلوب كما اعتقد هو البحث في أسباب ومبررات زيادة الأسعار والعمل على إيجاد جهاز متخصص و«مستقل» يهدف إلى حماية المستهلك من خلال إعداد الدراسات والأبحاث والدراسات المقارنة وتحليل أسباب ارتفاع الأسعار ومراقبة الأسعار في الأسواق.

ومع أن هذه المهمة موكلة في الأصل إلى وزارة الاقتصاد غير أنني اعتقد أن الأخيرة التي تعمل بكل طاقتها وتقوم بجهود جبارة لا تستطيع بمفردها متابعة كل ما يجري في الأسواق ومراقبة الأسعار وأنه لا قدرة للعدد المحدود من موظفي الوزارة على مراقبة المؤسسات التجارية والعدد الهائل من تجار التجزئة لذلك على المواطنين تحمل مسؤولياتهم والقيام بادوار ايجابية في مراقبة الارتفاع غير المبرر في الأسعار وإبلاغ الجهات المسؤولة عن أي خرق لقانون حماية المستهلك.

هادي إبراهيم العباس يقرر أن أغلب السلع والمواد الغذائية تستورد من خارج الدولة، وإذا كانت هنالك إمكانية في توفير موارد محلية فبلا شك هذا هو الأفضل والأمثل...على سبيل المثال مزارع تسمين الماشية ومزارع الخضراوات وأي موارد أخرى، فهذا بلا شك سيساعد بشكل كبير جدا في وضع حد لارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية، أيضا هنالك طريقة أخرى تتمثل في الرقابة الحكومية، صحيح أنه يصعب في موضوع اقتصاد السوق الحر تحديد وتقييد كل الأسعار.

ولكن من الممكن أن تقوم الدولة بفرض ضوابط للسيطرة على السوق المحلي، كذلك هناك دور للجمعيات التعاونية في وضع حد لارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية ولكن نرى الآن أن أكثر الجمعيات التعاونية قد تحولت من دورها الرئيسي كجمعية تعاونية للسلع الضرورية واهتمت أكثر بالسلع الكمالية وأغفلت جانب الاهتمام الأكبر بالسلع الاستهلاكية.

مقاطعة التجار والموردين

الدكتور هاشم النعيمي يقرر ان عملية المقاطعة تعني هل هذه السلعة لها بديل في أسواق الدولة يستطيع المستهلك استخدام هذا البديل لسد حاجته أم هي من السلع الاستراتيجية التي تستخدم من قبل المستهلكين....فإذا كانت من السلع الاستراتيجية فلابد من دراستها بعناية فائقة من قبل إدارة حماية المستهلك وعرض نتائج الدراسة على اللجنة العليا لحماية المستهلك لاتخاذ القرار اللازم بشأنه أما إذا كانت السلعة التي يتوفر لها بدائل فتترك لآلية العرض والطلب في السوق.

علي إبراهيم: ندرك أن التجار والموردين يساهمون بشكل كبير في دفع عجلة النمو في الدولة وبالتالي إذا كانت هناك فئة تحاول استغلال أي فرصة للزيادات بدون مبرر فإنهم لا يشكلون الغالبية العظمى. كما أنه من الأهمية قيام المستهلكين، إذا لم تكن السلع محتكرة من فئة بسيطة، بالبحث عن منافذ أخرى للشراء وعدم الاقتصار على أعداد محدودة. كما أن الحكومة من خلال آليات معينة يمكنها متابعة مثل هذه الأمور.

سالم الموسى: فيما يتعلق بمناداة البعض بمقاطعة التجار والموردين ممن يرفعون الأسعار بلا مبرر، فأنا دائما أنادي بالحوار، لأن الحوار هو أساس التراضي، فإذا لم يكن هناك حوار فلن يكون هناك نتيجة أو خلاصة، فالله تعالي أوصانا بالتراضي، فالحوار أساس التعامل، فلماذا إذا وضعت المساومة...أليست هي جزءا من الحوار؟

عبدالجليل درويش يتساءل عمن سوف يقاطع التجار والموردين ممن يرفعون الأسعار دون مبرر؟ لا شك أن الذي سيقوم بهذه المقاطعة هو الجمهور أو المستهلك نفسه. وهذا ما يؤكد ما ذهبنا إليه من ضرورة نشر الوعي الاستهلاكي لدى المجتمع. فالتاجر أو الموّرد الذي يقوم بهذا العمل قطعاً لن يُقدم على هذه الخطوة إلا إذا وجد طلباً متزايداً على سلعته، بل إن هذا هو المبرر الذي يتذرع به لرفع سعر سلعته، ولو حدثت هذه المقاطعة لن يلجأ إلى هذه الوسيلة أبداً.

أما بالنسبة للمستهلك فإن سلاح المقاطعة يعتمد على مدى حاجته لهذه السلعة ومدى توفرها في السوق. فإذا كانت من السلع الأساسية ولا تتوفر بكثرة في السوق فلن يستطيع ذلك وسوف يضطر إلى شرائها في الغالب مهما ارتفع سعرها، وهذا ما يُغذّي مبدأ الاحتكار الذي تحاربه الدولة وتشجع بدلاً منها المنافسة الشريفة بين التجار.

المقاطعة بالفعل سلاح فعّال بشرط توفر الإرادة القوية في الاستغناء عن السلعة حتى ولو كانت في بعض الأحيان ضرورية، وهي رادع للتجار الذين يرفعون الأسعار دون مبرر. «استغن تغتن» مبدأ محمود في ديننا الحنيف.

محمد سالم المشرخ يقرر أن مقاطعة التجارة والموردين ممن يرفعون أسعار سلعهم ومنتجاتهم بصورة مبالغ فيها أمر مستحيل، ربما أمر المقاطعة يعد سهلا إذا ما تعلق بالسلع الكمالية، ولكن الأمر يعد مستحيلا إذا ما تعلق بالسلع الأساسية مثل المواد الغذائية فكيف لنا أن نقاطع شراء الخبر أو الأرز أو اللحم...! هناك خيارات للمقاطعة إذا ما تعلق الأمر بالسلع الكمالية أما إذا ما تعلق الأمر بالسلع الأساسية فهذا أمر مستحيل.

هادي إبراهيم العباس يقول علينا أن نتأكد أولا عما إذا كانت هنالك مبررات لرفع الأسعار أم لا... كالمبررات التي ذكرتها مسبقا والتي تخرج عن إرادة التجار مثل العوامل الخارجية التي ذكرناها بالإضافة إلى العوامل الداخلية الأخرى. ولكن إذا ما تأكد بعد القيام بدراسات كافية أن ارتفاع الأسعار حدث دون مبرر مقبول فإنني أرى في هذه الحالة إمكانية الدعوة إلى تدخل الجهات المعنية لوضح حد لذلك الارتفاع.

عبدالحكيم الطاير: علينا أن نتعلم من تجارب غيرنا في هذا المضمار، عندما تقرر رفع أسعار القهوة في أوروبا عمد المستهلكون في تلك الدول إلى مقاطعة جماعية لهذه السلعة مما اجبر السلطات هناك على إعادة النظر في القرار.

جهود وزارة الاقتصاد

الدكتور هاشم النعيمي يقرر أن القانون الاتحادي رقم 24 لسنة 2006 والذي أعطى وزارة الاقتصاد مهمة تشكيل إدارة مختصة لحماية المستهلك والتي كان من مهامها مراقبة حركة الأسعار والحد من ارتفاعها، ومنذ إنشاء هذه الإدارة حاولت الحد من ارتفاع أسعار الكثير من السلع والخدمات.

وخاصة يعد إصدار قرار مجلس الوزراء رقم 12 لسنة 2007 بشأن اللائحة التنفيذية حيث اتخذت إدارة حماية المستهلك الخطوات التي انتهجها القانون الاتحادي ولائحته التنفيذية في حالة وجود أي أزمة سعرية لأي سلعة مثل أسعار الألبان والعصائر والأعلاف والخبز والأرز والاسمنت وغيرها، حيث تم دراسة تكاليف إنتاجها بعناية من قبل إدارة حماية المستهلك وعرضها على اللجنة العليا لحماية المستهلك لاتخاذ القرار المناسب.

اما بخصوص الخطوات التي اتخذتها وزارة الاقتصاد ـ إدارة حماية المستهلك للحد من استغلال بعض التجار والموردين لشهر رمضان الكريم فقد قامت الوزارة بوضع خطة مدروسة لمنع الاستغلال والاحتكار في هذا الشهر من خلال عقد اجتماعات مع لجان الأسعار في الإمارات كافة لوضع الخطط وتوزيع الإعلانات التحذيرية للتجار والموزعين في أسواق الفواكه والخضروات واللحوم والاجتماع مع ممثلي منافذ البيع الرئيسية في الدولة والجمعيات التعاونية.

والتأكيد عليهم بالتعاون والالتزام بعدم الاستغلال ورفع الأسعار وبخاصة للسلع الرمضانية في هذا الشهر الكريم وقيامهم بتعليق نصائح توعوية للمستهلكين في منافذ البيع كافة مع التأكيد على أجهزة الرقابة بتشديد الرقابة لمنع الاستغلال والاحتكار والتعاون والتنسيق مع الدوائر المحلية كافة لتحقيق الخطط المرسومة للحد من ارتفاع الأسعار في هذا الشهر الكريم.

كما أن وزارة الاقتصاد ـ إدارة حماية المستهلك تراقب السوق عن كثب وخاصة في هذا الشهر الفضيل حيث تم تحديد عدد من السلع يزداد استهلاكها في هذا الشهر الكريم بأن يتم مراقبتها عن كثب عن طريق أجهزة الرقابة المختلفة في الإمارات ولن تسمح بارتفاع أسعار أي سلع تضر بالمستهلكين والاقتصاد الوطني، وإذا كان هناك أي ارتفاع لأي سلعة سنقوم بدراستها وعرض نتائج الدراسة على اللجنة العليا لحماية المستهلك لاتخاذ القرار المناسب بشأنها.

علي إبراهيم يشير إلى أن هناك لجنة لحماية المستهلك على مستوى الإمارات برئاسة وزارة الاقتصاد تضم ممثلين من مختلف إمارات الدولة تعمل على متابعة ارتفاع أسعار السلع والمنتجات في السوق والحد من الارتفاعات غير المبررة. ومازالت اللجنة جديدة وتحتاج وقت للقيام بمهامها على أكمل وجه، إلا أنه خلال الفترة السابقة كان لها دوراً كبيراً للحد من بعض الزيادات.

سالم الموسى يشير إلى أن وزارة الاقتصاد مؤسسة حكومية وهي توقن تماما بأنها تقوم بكل ما في وسعها لمحاربة موجة الغلاء الحاصلة، ولكن علينا أن نكون واقعيين فوزارة الاقتصاد لا تمتلك عصا سحرية، فالقائمون على الوزارة هم أناس مثلنا والسوق كبير والوزارة يقع على كاهلها مسؤوليات جمة وعبء كبير جدا، وبرأيي أن المشكلة ليست في وزارة الاقتصاد.

وإنما في المستهلكين الذين يقبلون على شراء السلع والمنتجات التي ترفع أسعارها بصورة مبالغة فهؤلاء لا يمانعون في دفع أثمان مضاعفة، ولكن إذا ما رفض المستهلك تلك الزيادة في الأسعار فسيجبر التاجر على خفض أسعار منتجاته وسلعه في السوق. فيجب أن نضبط أنفسنا في الشراء ولا نبخل.

عبدالجليل درويش: وزارة الاقتصاد هي الجهة المخوّلة لوضع القوانين والتشريعات واللوائح التنظيمية التي تضبط كافة الأنشطة الاقتصادية في الدولة، وهي الجهة الرقابية التي لها الحق في ضبط الأسواق والعمل على استقرارها، فهي تقوم بدور حيوي للغاية نحو تحقيق هذا الهدف ضمن أهدافها الاقتصادية العديدة الأخرى.

ونحن نلمس أن الدولة تمر بمرحلة ازدهار اقتصادي غير مسبوق على مدى تاريخها كله وهناك تغيرات سريعة ومتلاحقة على الساحتين الخارجية والداخلية فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي ويقع على عاتق هذه الوزارة مسؤولية ضبط ايقاع هذه المنظومة الاقتصادية الهائلة، خارجياً وداخلياً، ولا شك أنها حققت نجاحات بارزة في هذا المجال، وأنا أرى أن الوزارة تقوم بواجبها خير قيام، ولكن إذا كان هناك بعض الأمور التي قد تخرج عن السيطرة كارتفاع الأسعار العالمية لبعض السلع أو نتيجة تطورات داخلية في السوق المحلي، فماذا عسى للوزارة أن تفعل؟

ومع هذا نقول أن المرء عليه أن يواصل السعي ولا يتوقف عن محاولة ايجاد الحلول للمشاكل المستجدة ولا يقنع بما حقق ولكن ينظر إلى ما يجب أن يواصل السعي لتحقيقه وصولاً للأمثل إن شاء الله.

محمد سالم المشرخ: صراحة وزارة الاقتصاد تبذل جهودا في محاربة موجة الغلاء الحاصلة، فهي تنشئ لجانا تجتمع مع التجار والموردين ممن يرفعون الأسعار، ولكن جهود الوزراة تعد بسيطة وضعيفة إلى حد ما وتحتاج بالتأكيد إلى تضاعف.

كما أن وزارة الاقتصاد لا ترغب في رؤية أسعار مرتفعة لأن ارتفاع الأسعار بصورة عامة يسبب ضغط على الوزارة من نواح عديدة، ولكن في اعتقادي الشخصي والمتواضع أننا نفتقد لآلية وميكانيكية لمحاربة الأسعار في الدولة.

هادي إبراهيم العباس: ليست لدي معلومات كافية عن الخطوات التي اتخذتها وزارة الاقتصاد لمحاربة ارتفاع أسعار السلع، ولكن إذا ما كانت هذه الخطوات مبنية على دراسة حقيقية فنية ومطابقة للواقع فقطعا ستكون خطوات سليمة. وعموما أرى أنه إذا ما ارتفع السعر بأكثر من نسبة 30% فهنالك تجاوز وإغفال لكثير من الأسباب التي تدعو إلى الحد من ارتفاع أسعار السلع والمنتجات في أسواق الدولة.

عبد الحكيم الطاير: اعتقد أن وزارة الاقتصاد لا تستطيع وحدها دون مشاركة ملموسة للمستهلك القيام بمراقبة الأسواق التجارية وتجار التجزئة الموزعين في مناطق مختلفة في الدولة. لذلك أرى انه على المستهلك أيضا أن يتحمل جزءا من هذه المسؤولية وان يلعب دوره في الإبلاغ عن أي خروقات لقانون حماية المستهلك أينما وجدت.

حماية فعلية للمستهلك

الدكتور هاشم النعيمي يقول إن القيادة الرشيدة في الإمارات كانت رؤيتها في إصدار القانون الاتحادي رقم 24 لسنة 2006 بشأن حماية المستهلك أن توضع آلية حقيقية لحماية المستهلكين في هذه الدولة من الاستغلال والاحتكار والمنافسة غير الشريفة مع إيجاد بيئة صحية لجذب الاستثمارات لهذه الدولة وان أي تجاوز لهذا القانون سوف يعرض المخالفين لعقوبات من شأنها أن تحد من عمليات الاستغلال.

علي إبراهيم: إن موضوع حماية المستهلك موضوعاً عاماً لا يقتصر فقط على الأسعار، حيث إنه يشمل حماية المستهلك من الغش والتقليد وحمايته من عدم حصوله على خدمات ما بعد البيع وحصوله على الصيانة على حسب العقود وحمايته من بعض الإعلانات الوهمية. ونتوقع أنه بعد إصدار قانون حماية المستهلك وتشكيل اللجنة الخاصة بذلك، سيزداد الاهتمام بالموضوع، مع العلم بأن الدوائر والسلطات المحلية بمختلف الإمارات كانت لها جهودها في هذا المجال في السابق.

سالم الموسى: ينبغي أن تكون هناك مرجعية قوية وفعالة لحماية المستهلك.

عبدالجليل درويش: هناك سعي دائم للوصول إلى حماية فعلية للمستهلك في أسواق الدولة. ولا يستطيع أحد في أي دولة في العالم أن يدّعي أن هذه الحماية المنشودة متوفرة بالكامل في أي مكان. هناك أوجه ايجابية كثيرة ونجاحات تحققت ولمسناها في هذا الجانب، وهناك أيضاً بعض السلبيات وعلينا أن نواصل السعي للتغلب على هذه السلبيات وهذا ما نراه بالفعل

محمد سالم المشرخ: لا يوجد حماية فعلية للمستهلك في أسواق الدولة.

هادي إبراهيم العباس: في اقتصاد السوق الحر ليست هناك حماية فعلية وكافية للمستهلك بل إن المستهلك يحمي نفسه بنفسه. كيف ذلك؟ عليه أن يعرف ماذا يشتري ليحصل على ماذا؟ وكم يدفع مقابل ماذا؟

فيجب أن يعلم المستهلكون عن السلعة التي يرغبون في شرائها ومقارنة أسعار هذه السلعة في عدة محلات وعليه أن يدرك أيضا على سبيل المثال إذا ما كان سعر تلك السلعة أقل في محل ما فعليه أن يعرف السبب في ذلك، فقد تكون السلعة غير جيدة على سبيل المثال وقد يكون تخزينها غير جيد وأثر بذلك على السلعة أو قد تكون قد تعرضت للشمس أو الرطوبة أو قد تكون هناك أسباب أخرى لذلك يجب أن تكون المقارنة بين السلع مبنية على وعي وفهم.

وهنالك دور يجب أن تلعبه جمعية حماية المستهلك فعليها أن تهتم بهذا الجانب لتوفير حماية فعلية للمستهلك. قطعا هي في وضع أحسن من المستهلك للحصول على معلومات كافية عن السلع المعروضة للبيع.

عبد الحكيم الطاير: بالتأكيد إن إدارة حماية المستهلك التي تعمل تحت مظلة وزارة الاقتصاد والتجارة لا تألو جهدا في فرض القيود وسن القوانين الهادفة إلى حماية المستهلك وردع الشركات والمؤسسات والأفراد الذين يخرقون قوانين حماية المستهلك ولا ننسى أن هناك جهات حكومية أخرى تعمل أيضا كدرع لحماية المستهلك من دخول أية سلع أو مواد قد تتسبب في إحداث أضرار على المستهلكين كوزارة الصحة والبلديات وهيئة الجمارك.

مسؤولية المستهلك

الدكتور هاشم النعيمي يقول ان تحمل مسؤولية ارتفاع الأسعار لا تتحملها جهة معينة بل وكما تعلمون هناك أسباب داخلية وخارجية نشترك في هذا الأمر ولكن لا بد من المستهلكين أن يكون لهم وعي يستطيعون من خلاله أن يؤدوا دورهم ومسؤولياتهم خلال ارتفاع الأسعار ولذا تحاول ان تستغل دورهم لتقديم بعض النصائح للمستهلكين والمزودين في الدولة ومنها:

عزيزي المستهلك:

إن تجنب التبذير والإسراف قبل وخلال شهر رمضان المبارك يحفظ لك مالك ويساعد على استقرار الأسواق.

* لا تتهافت على شراء السلع الرمضانية؛ لأن ذلك يؤدي إلى تشجيع المزودين على رفع الأسعار.

* تواصل مع إدارة حماية المستهلك، فهي وجدت لخدمتكم وحمايتكم، وإبلاغنا عن أية حالة غش واستغلال واحتكار.

* تجنب عملية شراء وتخزين المواد بشكلٍ كبير قبل حلول شهر رمضان المبارك، لأن كافة أنواع السلع متوفرة في الأسواق وأن عملية التخزين في البيوت تؤدي إلى تلف السلع وارتفاع أسعارها.

عزيزي المزود

* بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك وتعزيزاً لدوركم في المجتمع، عليكم الاكتفاء بالربح المعقول للمشاركة بالمسؤولية.

* الالتزام بإعلان أسعار السلع والخدمات والبيع بالسعر المعلن دليلٌ على الانتماء.

* إخفاء السلع والامتناع عن بيعها سلوك يعاقب عليه القانون.

* المستهلك قد يكون أنت أو شقيقك أو قريبك، فاعمل بما يرضي الله في هذا الشهر الفضيل وتجنب الاستغلال والغش والاحتكار.

تحقيق ـ كفاية أولير