منذ آلاف السنين فتحت مدينة العين أجفانها وسط خمس مزارع للنخيل موغلة في القدم وتفردت بسحرها، تسمع فيها صبح مساء صدى الهمسات مابين النخيل وقد شكلت واحاتها متنفساً للقاطنين وسط كثبان الرمال وحولتها يد الإنسان إلى مرابع استظلت فيها من حر الصيف ومنها جنت أجود أنواع الرطب والتمور
وتحولت إلى مصادر اقتصادية ومواقع سياحية هامة وبين بيوتها الطينية وسعف نخيلها قصص وحكايات تروي للأجيال أيام ذاك الزمن الجميل وكتب فيها الشعراء والأدباء أجمل القصائد والأغنيات وأول ما يخطر على البال وأنت تتجول بين ممراتها وأفلاجها وتحت ظلال أشجارها أغنية محمد عبده «كم تذكرت سويعات الأصيل وصدى الهمسات مابين النخيل». - معالم أثرية: في مدينة العين تشكل الواحة سمة أساسية من طبيعتها الجغرافية أعطتها خصوصية تميزت بها عن باقي مدن الإمارات حيث يوجد بها خمس واحات، وهي واحة العين التي تقع خلف محطة الباصات في منطقة وسط المدينة وهي الأكبر والأجمل، وواحة الجيمي، وواحة القطارة وواحة الهيلي، هذه الواحات تم تطويرها من قبل البلدية
وأصبحت مؤهلة لاستقبال الزوار والتجوال فيها وباتت معلماً بارزاً يمكن أن يشكل للزائر متعة وبهجة ويدخل للنفس الراحة والطمأنينة إلى وجود واحة المعترض التي تقع في منطقة المعترض حيث تخضع في الوقت الحالي لأعمال التطوير التي تقوم بها البلدية ضمن مشروع تطوير الواحات في المدينة. تقع واحة العين في منطقة وسط المدينة، بينما تبعد واحة المعترض مسافة 4 كيلومترات عن وسط المدينة، أما واحة الهيلي فهي تبعد 10 كم عن وسط المدينة، وبالنسبة لواحتي القطارة والجيمي فهما تبعدان مسافة 7 كم عن وسط المدينة. - نشأة الواحات: تشكلت الواحات عن طريق نقل المياه من العيون عبر قنوات الأفلاج، والفلج هو مصطلح عربي يعني قناة لنقل المياه وهو طريقة ذكية لاستخدام المياه الجوفية إذ يتم تجميع المياه تحت السفوح ومن هناك تبدأ القنوات بتجميع المياه وتقسيمها على الواحات.
وليس هناك أدلة تاريخية ثابتة أو وثائق تشير إلى تاريخ نشأة الواحات في منطقة العين، أو كيفية تطورها ومتى بدأ استيطانها وبالتالي من غير الممكن تحديد واحة بعينها للقول إنها أول الواحات بل هي نتاج تحولات وتشكيلات طبيعية لكن ليس هناك ما يجعلنا نستبعد فرضية أن واحات مدينة العين وبخاصة واحة الهيلي ظلت مأهولة بالسكان منذ خمسة آلاف سنة فالمعروف أن هذه المنطقة كانت مهداً لحضارة مجيدة والمعروف أن الحضارات لا تنشأ إلا في الأماكن التي تتوفر فيها مقومات الاستيطان والتي يأتي على رأسها توفر المياه. وبشكل عام تشير الشواهد التاريخية إلى أن كل أو معظم واحات العين ظلت مأهولة بالسكان منذ نحو ثلاثة آلاف سنة وبالرغم من أنه ليست هناك أرقام محددة عن عدد السكان فإن المقابر الموجودة تدل على نوع من التمركز السكاني.
كذلك فإن اكتشاف الأفلاج واستخدامها بصورة واسعة للري قبل أكثر من ألف سنة أدى إلى المزيد من تمركز السكان في هذه المنطقة، كما أدى إلى بروز حركة تبادل وتجارة واسعة وارتبطت نشأة الأفلاج واستخدامها في الري بنشأة المباني التاريخية الضخمة التي تعج بها مدينة العين والمنطقة التي حولها فقد شيد الحكام المتعاقبون مجموعة كبيرة من الحصون والقلاع والأبراج لحماية موارد المياه ولحماية أراضيهم الزراعية وثرواتهم في تلك الواحات.
مقصد تجاري
تشير المراجع التاريخية وكتب الرحالة أن واحة العين كانت مقصدا للقوافل التجارية فهي تأتي لتتزود منها بما تحتاجه من ماء أولا ثم الرطب وغيره من المنتجات ويشير بعض الكتاب إلى أن سكان واحة العين سابقا كانوا يمارسون بجانب الزراعة حرفا أخرى كالرعي والصيد، وكان كثير من الشباب يهاجرون من موطنهم هذا في فصل الصيف ويتوجهون إلى دبي والشارقة وغيرها من المدن الساحلية للعمل في الغوص وصيد اللؤلؤ وهناك قلة كانت تعمل في صيد الأسماك.
لقد كانت مدينة العين وحتى أوائل الستينات من القرن الماضي عبارة عن مجموعة من القرى المتفرقة التي تفصل بينها الكثبان الرملية وواحات النخيل ومع تدفق عائدات النفط فتحت الطرق وازداد العمران فارتبطت الواحات والقرى المختلفة ببعضها البعض مكونة مدينة العين.
حماية الواحات
ومن اجل الحفاظ على تلك الثروة السياحية والاقتصادية أصدر الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي قراراً بشأن الحفاظ عليها حيث حدد القرار واحات النخيل بأنها واحات نخيل العين القديمة التي تعتبر حدودها وحرمها كما هي موضحة بالمخططات والخرائط المصدقة في دائرة البلدية وقضى القرار بضرورة أن تقوم البلدية بوضع الإجراءات والضوابط والمعايير التخطيطية والتطويرية التي من شأنها الحفاظ على هذه الواحات من الاندثار ووقف الزحف العمراني عليها والعمل على إبراز معالمها بشكل يحفظ للمدينة طابعها التراثي المميز كونها المدينة الوحيدة المحتضنة للواحات القديمة.
كما أكد القرار على عدم جواز تغيير مهامها أو استعمال أراضيها ولا يسمح بإقامة أية مبان أو منشآت داخل حرم الواحات إلا بأوامر سامية وبشروط محددة حيث لا يسمح بتأجير أي منشآت لأي غرض يخدم الواحات كما يحذر القرار من المساس بالمعالم التراثية داخل الواحات من مساجد وبيوت قديمة
إلا من أجل صيانتها ووفق المعايير المحددة من قبل دائرة البلديات وهيئة أبوظبي للثقافة والتراث وهيئة أبوظبي للسياحة ما لا يسمح بإزالة أي نوع من أنواع النخيل القائمة فيها أو زراعة أشجار داخلية وذلك ضماناً للحفظ النوعي وتأكيد طابعها الأصلي وطالب القرار من أصحاب النخيل داخل الواحات ضرورة الاهتمام بها والإبلاغ عن أية آفات.
ترميم أثري
وقد حرصت بلدية العين على ترميم الأسوار الخارجية والممرات الداخلية بذات الطابع المعماري القديم مما يحافظ على شكلها وفتح الطرق داخلها بحيث يتمكن أصحاب المزارع والمزارعون والعمال من الوصول بسهولة إلى مزارعهم وفي نفس الوقت يتيح ذلك للسياح وغيرهم من الزوار الفرصة للتمتع بجو الواحات ومناظرها الخلابة دون صعوبة وقضاء أمتع وأجمل الأوقات بين أشجار النخيل.
منازل تروي حكايات الواحات
يوجد وسط واحات العين مجموعة من المنازل والمساجد التي مازالت قائمة حتى الآن وتعرف بأسماء أصحابها الأصليين من وجهاء المدينة حيث يوجد في واحة العين الرئيسية مسجد علي بن حمد المطوع ومسجد الريبينه ومسجد راشد المطوه الظاهري ومنزل عبيد الناصري ومنزل شهيل مطوع الظاهري.
وفي واحة الجيمي هناك منزل بن حموده ومسجد الشيخ محمد بن أحمد الظاهري.
وفي واحة القطارة منزل بن عاني الدرمكي ومنزل صالح بن بدوه الدرمكي ومسجد راشد الحايط الدرمكي إلى جانب منازل أخرى عديدة مازالت تروي قصص وحكايات سكان تلك الواحات في الزمن الجميل حيث كانت بساطة الحياة والأمن والأمان وهدوء البال قبل المال وزادهم التمر والرطب وحليب النوق.
رعاية زايد
أصبحت الواحات إحدى المعالم الرئيسية لمدينة العين فهي تجمع بين الماضي التليد والحاضر وتتمتع بإمكانيات كبيرة لاستغلالها في المستقبل كمكان للجذب السياحي وكواجهة تعكس امتزاج الماضي بالحاضر والمستقبل. ويعتبر اهتمام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ بالأفلاج البداية الحقيقية لاهتمام الدولة بالواحات ويعد هذا الاهتمام تتويجا لنوعية الحرص الذي توليه الدولة لتطوير المرافق المختلفة لخدمة المواطنين.
فقد أمر الشيخ زايد رحمه الله فور توليه الحكم في مدينة العين برعاية الواحات وترميم الأفلاج وإصلاحها والمحافظة عليها، وشارك بنفسه في حفر بعض منها وتحدث عدة مرات معتزاً بتجربته في حفر هذه الأفلاج ومشاركته فيها، وقال إنها كانت مجالاً أظهر السكان قيم التعاون والشهامة والعمل الكريم الطيب الذي يتمتع به أبناء الإمارات وخاصة أبناء العين وأشار إلى كيفية تقاسم الناس وقتها لطعامهم وشرابهم وتعاونهم في الحفر من أجل صالح الجميع ومازال أنجاله وأحفاده من بعده حتى اليوم يواصلون اهتمامهم بالعين وواحاتها الغناء.
تطوير وتأهيل
استنادا إلى هذه السيرة العطرة والإرث المتين بدأت بلدية العين ومنذ العام 1990 خطة طموحة لتجديد الواحات في مدينة العين وبخاصة الواحات الأربع الكبيرة (العين وهيلي والجيمي والقطارة). وقد بدأ العمل الفعلي في المرحلة الأولى في مارس 1993 وشمل رصف الطرق وتجديد الحوائط والأسوار والبوابات باستعمال مواد تقليدية مما حافظ على الجانب التراثي من الواحات.
بالإضافة لذلك قامت بتخصيص بعض المواقع لتستخدم كمطاعم ومقاه ومناطق للترفيه فهناك حاليا خمسة مقاه تراثية مشيدة بالمواد الخام المحلية التي كانت متاحة سابقا وقد أصبحت بعض هذه المقاهي نقاط جذب سياحي، أما المراحل الثانية والثالثة والرابعة من مشروع التطوير فهي تتضمن تحسينات إضافية في الواحات الأربع التي شملتها المرحلة الأولى بالإضافة إلى واحة المعترض وقد حرص بعض المنجين على تصوير بعض الأفلام والمسلسلات داخل الواحات وذلك لما تتمتع به من مظاهر جمالية وتراثية أصيلة.
العين ـ داوود محمد


