لابد أن تقع في حياتنا أحداث مؤسفة تصيب أحدنا بشكلٍ ما، وليس أقسى من أن يتحول حب الحياة إلى حزن ينهي الأيام الجميلة، لتحل محلها أيام كئيبة ومظلمة ولا يمكن لأحدنا إلا أن يتأثر عند رؤية أبناء جنسه يتعرضون للإصابة أو القتل.
معظمنا يعاني من عاهات ومشكلات طويلة، تنغص علينا حياتنا وتجمد عواطفنا وتجعلنا لامبالين، وبعضنا الآخر يكافح ويجتهد ليواصل حياته بشكل طبيعي. تناول محمد موسى من خلال حواري المطول معه تجربته كإنسان معاق، من بدء حصول الحادث معه وصدمة فقدان ساقه، إلى التعايش مع وضعه الجديد وتقبل الإعاقة، ومراحل العلاج والتأهيل، وكذلك تجربته العملية. يقول محمد موسى محمود جبر، 28 سنة، فلسطيني من مواليد غزة، كنت في التاسعة حينما تعرضت لحادث وأنا أقف منتظراً حافلة المدرسة في الـ 30,6 صباحاً. كان يوجد تحت البناية التي أقيم فيها مع أهلي مطعم، فجاء أحد موظفي البلدية لتناول فطوره قبل ذهابه للعمل وركن سيارة البلدية في الموقف.
وقفت خلفها أنتظر الحافلة، وعاد السائق إلى السيارة وقادها للخلف دون أن يتأكد من خلو الطريق، ولسوء الحظ كان صوت التنبيه الذي تخرجه السيارات الثقيلة عند الرجوع معطلاً، فلم أنتبه، لأنني كنت أقف وظهري للسيارة، دهس ساقي اليسرى وضرب اليمنى في منطقة الركبة، أوقفه المارة من خلال أصواتهم، وذهب إخواني الذين كانوا برفقتي لاستدعاء أبي الذي نقلني إلى أحد المستشفيات الخاصة في الشارقة، وقام الأطباء بإجراء عمليات بتر لساقي اليسرى مرات عدة، إلى أن بترت الساق كاملة.
بعد إفاقتي من البنج واجهتني صدمة، عندما غادرت السرير لأغسل وجهي، فوقعت على الأرض، وكررت المحاولة مرات عدة ولم أستطع الوقوف على قدمي، فوجدت نفسي بساق واحدة والأخرى مغطاة بالجبس.
بعدها بدأت معاناتي الحقيقية عندما شعرت بأنني طفل عاجز عن الحركة دون مساعدة أحد أو الكرسي المتحرك، خصوصاً انني بعد سنتين من الحادث لم أتمكن من تحريك ساقي اليمنى، وكنت انظر إلى أبناء الجيران من الشباك وهم يلعبون ويمرحون وأنا عاجز عن الحركة غير قادر على مشاركتهم.
يقول محمد إنه حتى السرير لم يستطع الخلود إليه إلا بعد تناول المهدئات والأقراص المنومة، وذلك لأن الأطباء قاموا بإخاطة عروق الأعصاب في ساقه المبتورة، فكان يشعر بألم وتشنج يمتد إلى كامل جسده، لغاية يومنا هذا. فهذه الحالة من التشنج تنتابه كل أسبوعين أو ثلاثة، فلا يستطع الحركة أو العمل أو قيادة السيارة.
ويقول محمد: جلست في المستشفى تسعة أشهر، بعدها انتقلت إلى مستشفى حكومي بالشارقة ومكثت فيه شهرين، بعدها تنقلت بين مستشفيات عدة حكومية وخاصة في جميع إمارات الدولة.
سافرت في العام 1991 إلى العاصمة الرومانية بوخارست، بقصد العلاج الطبيعي وتركيب ساق اصطناعية، لكنني لم أوفق. بعد رجوعي إلى الدولة زرت مدرسة علي ابن أبي طالب لتعليم الكبار (محو أمية) وسجلت فيها وبقيت إلى السادس الابتدائي.
عندما ذهبت إلى وزارة التربية والتعليم للسؤال عن إكمال تعليمي في مدرسة أخرى، لأن مدة الدراسة في هذه المدرسة لغاية الصف السادس الابتدائي فقط، فقالوا لي انه ليس من الممكن أن أكمل في المدارس الحكومية، لأنني لا أحمل جنسية الدولة، لكن يمكنني ذلك في أي مدرسة خاصة أو في المنزل. وبالفعل التحقت بالتعليم المنزلي، لكنني لم استمر لأنني ضعيف في مادة اللغة الانجليزية ولم يتمكن أحد من مساعدتي، وحاولت الاجتهاد لمدة سنتين لكن دون جدوى.
مرت الأيام وأصبح عمري 16 عاماً، فقررت العمل في محل عمي، حيث إنني كنت معتاداً على ذلك وأنا في السابعة، فكنت أيام الإجازات والعطل المدرسية أذهب لمساعدة عمي وأبنائه في المحل، وبقيت أعمل بائعاً في محل تجارة عامة فترة ليست بقصيرة.
وفي عام 1997 سمعت عن نادي الثقة عندما انتقلنا للإقامة في المنطقة الصناعية فسجلت فيه لممارسة الرياضة مثل رفع الأثقال أو كرة السلة أو الطاولة أو ألعاب القوى أو السباحة، وكان النادي يشجعنا على اللعب والقيام بالتمارين، وذلك عن طريق جلب أفضل المدربين، منهم رابح بودبابة مدرب ألعاب القوى للكراسي المتحركة وبعلم بوزار مدرب العاب القوى وعمر سالم لكرة طاولة وجمال للسباحة وعامر مدرب رفع الأثقال وكمال الأجسام.
شاركت في معظم الألعاب وحصلت على عدد من الميداليات الذهبية والفضية في رفع الحديد وكرة السلة والسباحة ورمي القرص والرمح لسنوات عدة على مستوى الدولة. أما في عام 1999 عاد محمد لممارسة الحياة العملية الذي لم يستطع التخلي عنها، لأنها شيء أساسي في حياته منذ كان في السابعة من عمره، فعمل في مكتب للطباعة بالدائرة الاقتصادية في الشارقة فرع الصناعية التابع لمشاريع الثقة لتأهيل وتوظيف ذوي الاحتياجات الخاصة.
يقول محمد كنت الموظف الثاني بعد مدير المشاريع حيدر طالب وبعدها انتقلت إلى الفروع الجديدة، منها المكتب الرئيسي للدائرة الاقتصادية وفرع خورفكان والمحكمة الابتدائية ومكتب الفحص الفني للشحنات في المرور والكلية التقنية للبنين والجامعة الأميركية ومجمع المحاكم «دار القضاء بالشارقة» والمدينة الجامعية في الشارقة، وذلك لتصبح لدي خبرة أكبر وأقوم أيضاً بتدريب الموظفين الجدد.
قدمت مشاريع الثقة الكثير لموظفيها، وذلك من خلال عقد دورات تدريبية عدة، منها دورة كمبيوتر شامل ودورة (ISDL) والطباعة ودورة عن مهارات التحدث والتعامل مع المراجعين والسكرتارية. شعر محمد أن لديه ميولاً تجارية أوجدها عمه خلال قترة عملهما معاً، فقرر محمد في حال سنحت له الفرصة أن ينمي هذا الميول. وفعلاً في عام 2003 طرحت مشاريع الثقة مشاركة هذه الفئة في مهرجان دبي للتسوق من خلال إعطائهم أكشاكاً مجانية.
يقول محمد إن أول مشاركة لي كانت في القرية العالمية والثانية في شارع الرقة والثالثة في شارع السيف، حيث إنني لم استطع الاستمرار بالقرية، لأن إيجاراتها مرتفعة، ولم تستطع لإدارة المشاريع تغطيتها، لكن جميع المشاركات كانت مشجعة ومردودها المادي جيدا والربح يعود جزء منه إلى إدارة مشاريع النادي، لتتمكن من توسيع وتطوير مشاريعها.
أثناء علاجي وتنقلي بين المستشفيات، كان أبي رحمه الله قد رفع قضية على السائق الذي حكم عليه بالحبس لمدة شهر واحد فقط وعلى البلدية وشركة التأمين وكان حكم المحكمة الأول بعشرة ملايين درهم وراتب شهري لي بقيمة 1500 درهم حتى أصل إلى السن القانونية لأتمكن من العمل في أي دائرة حكومية. لكن بعد خمس سنوات كان حكم المحكمة النهائي هو مئة ألف درهم، ثمن تهور السائق الذي غير مجرى حياتي وحرمني من طفولتي وحكم علي أن أنضم إلى مجموعة ذوي الاحتياجات الخاصة.
كتبت سمانا النصيرات

