بدأت جلسات الاستماع في الكونغرس الأميركي أمس لمحاكمة استراتيجية الرئيس الأميركي جورج بوش في العراق بالمثول الأول والعلني لقائد القوات الأميركية ديفيد بترايوس في العراق والسفير الأميركي في بغداد رايان كروكر لتقديم إفادتهما بشأن الأوضاع في العراق. وطرح بترايوس في تقرير «تجميلي» لاستراتيجية بوش، خفضاً للقوات يبدأ منذ الشهر الجاري على أن تعود إلى مستواها السابق في فبراير الماضي بحلول منتصف يوليو 2008. فيما كان بوش يطالب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بتحقيق تقدم سياسي في العراق.
وقال بترايوس في مستهل استماع أربع لجان في الكونغرس على مدى اليومين المقبلين لتقييم الأوضاع في العراق إن «أي تخفيض مبكر للقوات الأميركية في العراق سيؤدي إلى نتائج كارثية وسيفسح المجال إلى إيران وسوريا».
وأوضح أن «سحب القوات لن يتم قبل يوليو المقبل، ليعود إلى المستوى الذي كان عليه قبل فبراير الماضي (بدء الاستراتيجية الجديدة) أي إلى 130 ألف جندي». لكنه أشار إلى أن الوقت مبكر للحديث عن معدل هذا الخفض.
ووفقاً لنص الكلمة المعدة سلفاً لإلقائها أمام الكونغرس والتي ستقدم لاحقاً إلى بوش في تقرير مكتوب، قال قائد القوات الأميركية في العراق إن «خفض القوات سيستمر إلى مستويات تقل عن المستويات الألوية القتالية قبل الزيادة والتي سنصل إليها بحلول منتصف يوليو 2008». وأضاف «لكن وفقاً لتقديري المهني سيكون من السابق لأوانه تقديم توصيات الآن بشأن معدل هذه التخفيضات».
وأكد على أن «وحدة لمشاة البحرية الأميركية التي جرى نشرها في إطار زيادة حجم القوات ستغادر العراق هذا الشهر وأن وحدات أخرى ينتظر أن تتبعها في العام 2008». وتابع هذا في حال «تمت الموافقة على توصياتي، فسيتبع ذلك مغادرة تلك الوحدة سحب لواء مقاتل من دون استبدال في منتصف ديسمبر وإعادة انتشار من دون استبدال لأربعة ألوية قتالية أخرى ولكتيبتين لمشاة البحرية ضمن الزيادة في حجم القوات خلال الأشهر السبعة الأولى من 2008».
ولم يتمكن بترايوس لقرابة 10 دقائق من الإدلاء بشهادته بسبب تعطل المايكروفون، ليعرض بعد ذلك صورة تجميلية للأوضاع، معتبراً أن القوات الأميركية أجهضت الكثير من العمليات الإرهابية في العراق ونجحت في تفكيك عدد من الشبكات الإرهابية سواء للشيعة أو للسنة.
وعن القوات العراقية، استعرضت الجنرال الأميركي نجاحات القوات العراقية التي وصفها بـ «الريادة»، كما امتدح العشائر التي رفضت إيواء تنظيم «القاعدة». وأكد على أنه من الممكن التوصل إلى الأهداف الأميركية في العراق مع مرور الوقت.
وأشار إلى أن تفجير مرقد الإمامين في سامراء فبراير 2006، وما تلاها تؤجج أعمال العنف المذهبي في العراق، هو ما دعا إلى استدعاء 30 ألف جندي إضافي لاستئصال الإرهابيين. كما سرد عدداً من العمليات المشتركة للقوات الأميركية والعراقية والتي نجت في تطهير الأنبار وبعقوبة وشمال بغداد.
واعترف بأن «القاعدة» لم تهزم ولكن اختل توازنها، وارجع ذلك إلى العمل الموحد وعمليات المراقبة والرصد والتي أضعفت القاعدة لحد كبير. وأعلن عن أن «إيران تشن حرباً بالوكالة عبر ميليشيات شيعية، ضد الدولة العراقية وقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق».
وأوضح أن «طهران تسعى إلى تحويل ميليشيات عراقية إلى قوة شبيهة بحزب الله خدمة لمصالحها ولتشن حرباً بالوكالة ضد الدولة العراقية وقوات التحالف في العراق».
ولاحقاً، أدلى كروكر بشهادته مؤكداً على أن «قيام عراق آمن ومستقر وديمقراطي يعيش بسلام مع جيرانه هو بنظري هدف يمكن تحقيقه». وأضاف أن «مسار التطورات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية في العراق يسير قدماً رغم الصعوبات».
وحذر من أن إيران «ستكون الرابحة من انسحاب أميركي إذ ستتمكن من تعزيز نفوذها في العراق». وقبيل إدلاء بترايوس وكروكر بشهادتيهما، شنت لجنتا الخارجية والقوات المسلحة هجوماً قوياً على الطريقة التي أدار بها البيت الأبيض الحرب في العراق، و«التساهل» في إفساح المجال أمام المتمردين للاستيلاء على عتاد الجيش العراقي السابق ما فاقم النزاع المدني والحرب المذهبية الفظيعة في العراق.
ولم يكن نصيب المالكي من الهجوم أقل من بترايوس، والذي اتهم بالطائفية، وصب الكونغرس سخطه على التحالف الرباعي الشيعي الكردي، والذي اتهم بأنه تحالف فرق الموت والميليشيات المتنمرة، واستهجن النواب دعوة المالكي لمغادرة الجيش الأميركي وقدرة العراقيين على تولي أمن العراق، مذكرين بأن ذلك يندرج لخدمة أغراض التحالف بين المالكي وإيران.
ورفض الكونغرس سياسية تسليح وتدريب وتمويل السنة لأن ذلك سيشعل الحرب الدينية، وهذا يعني أن إدارة بوش تناقض استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويعكس عدم فهم للخطأ القديم بدعم الإسلاميين ضد الاتحاد السوفييتي السابق في أفغانستان.
وحذر رئيس جلسة القوات المسلحة النائب الديمقراطي آيكس سكالتون عشرة من الحاضرين وبالذات الصحافيين بالطرد إذا ما حاولوا تشويش سير شهادة بترايوس، وتم طرد المجموعة لاحقاً بالإضافة إلى مواطنة أميركية أخرى بدعوى إثارتهم للفوضى لاعتراضهم على الحرب الأميركية على العراق.
وفي وقت سابق، نفى البيت الأبيض أن يكون أملي على بترايوس وكروكر شهادتيهما، مندداً بحملة تشنها الحركة المعارضة للحرب. وقال الناطق باسم البيت الأبيض توني سنو إنه «إن كانت لدى الرئيس بوش فكرة عامة عما ينبغي أن يدلي به بترايوس وكروكر أمام الكونغرس، إلا أنهما ليسا دميتين تحركهما الإدارة وسيدليان بشهادتيهما باستقلالية تامة»، مؤكداً على أن بوش لم يطلع مسبقاً على النص «لأنها شهادة مستقلة».
وقبل أن يبدأ بترايوس الإدلاء بشهادته، طالب بوش خلال اتصال عبر الدائرة تلفزيونية مغلقة المالكي بتحقيق تقدم سياسي في العراق. وقال سنو للصحافيين: «الطرفان متفقان على ضرورة التوصل إلى تقدم سياسي ومواصلة التقدم العسكري على الأرض».
