بعد طول انتظار رزقه الله بولد اسماه «ع» اكتفى بهذا الولد، الذي رزق به بعد أن تجاوز الـ «45» عاماً من عمره، سارت حياته هادئة ولم يكدرها إلاّ موت زوجته، بدأ «ر» يشعر بالوحدة لذا فكر أن يتزوج فهو وابنه الذي يبلغ الآن سن الـ «15» عاماً بحاجة إلى من ترعاهما وتهتم بهما.
لكن «ر» تراجع عن الفكرة فهو يعتقد أن زواجه من أي سيدة سيسبب لابنه المشاكل، فقد تكون السيدة التي سيتزوجها حادة الطباع أو سيئة الخلق مما قد يؤثر سلباً على حياته وحياة ابنه الهادئة، لذا ترك هذه الفكرة جانباً وبدأ يفكر بطريقة أخرى وذلك بإحضار خادمة إلى البيت من الخارج لتعتني به وبابنه وكفى، إلاّ أن استقدامه لخادمة لم يكن بالأمر السهل وذلك لعدم وجود امرأة في البيت لذا قرر أن يستعين بخادمة تعمل عنده لساعتين أو ثلاث في اليوم ثم تعود إلى بيتها وهذا النوع من الخادمات منتشر كثيراً هنا وهناك.
فكرة صائبة
أخبر «ر» ابنه بأمر الخادمة فوافق فوراً واستطاع «ر» عن طريق أقاربه أن يعثر على خادمة تعمل لديه بالساعة وهكذا بدأت أمور البيت تعود شيئاً فشيئاً إلى اتزانها، بعد أن تأكد «ر» من أن الخادمة أمينة على بيته أعطاها نسخة من مفتاح البيت، وهكذا أصبحت تأتي صباحاً في الساعة العاشرة حيث تقوم بترتيب المنزل ثم تعد الطعام وتنصرف.
فقليلاً ما كانت تلتقي بـ «ر» أو ابنه حتى مرتبها الشهري كان «ر» يضعه لها على طاولة الطعام عند نهاية كل شهر، أما إذا احتاج «ر» منها أي شيء كان يكلمها على هاتفها النقال، كانت الخادمة مخلصة في تعاملها مع «ر» وكذلك كان هو فعندما عرف في إحدى المرات أن والدتها مريضة في سريلانكا أعطاها مبلغاً إضافياً من المال لترسله إلى أهلها هناك ليساعدهم في علاج السيدة المريضة.
مرض «ر»
في أحد الأيام أصيب «ر» بزكام شديد أقعده في البيت ولقد أدى الزكام إلى إصابته برعشة برد تطلبت وجود أحد معه، فكانت أن تبرعت الخادمة لتقوم بهذه المسؤولية، استمر مرض (ر) أكثر من خمسة أيام كان خلالها يلاقي من الخادمة كل رعاية، وبعد أن شفي قدم لها قطعة من الذهب هدية ومكافأة لها على وقوفها معه، أحست الخادمة بالجميل نحو (ر) وأحس (ر) بالعرفان نحو الخادمة التي وقفت معه، ومع مرور الوقت تحول الجميل والعرفان إلى حب جمع بينهما.
بدأت الخادمة تأتي للاهتمام بالبيت في الوقت الذي يكون فيه (ر) موجوداً وبدأت العلاقة تأخذ معنى أبعد من الحب، خاصة بعد أن بدأ (ر) يغدق عليها الكثير من الهدايا غالية الثمن والفسح والسهر في الفنادق، لاحظ (ع) تغيب والده عن البيت لكنه كان يعزو ذلك لانشغاله مع أصدقائه، فوالده عادة ما يسهر مع أصدقائه في أحد المقاهي المنتشرة في المدينة.
انتهاء العام الدراسي
بعد انتهاء العام الدراسي وجد (ع) نفسه مضطراً للسهر طوال الليل والنوم في النهار فقد كانت الإجازة السنوية طويلة. خلال الإجازة كان (ع) يلتقي بالخادمة فقد كانت تأتي لإعداد طعام الغداء، ومرة بعد مرة وجد (ع) انه يستلطفها فقد كان سنها قريبا من سنه، كما أن الفراغ الطويل الذي كان يعيشه إضافة إلى مرحلة المراهقة التي يمر بها كل ذلك كان حافزاً له لأن يفكر جدياً في صداقة الخادمة.
بدأ (ع) يتودد للخادمة حيث لاحظت هي ذلك إلا أنها لم تردعه بل على العكس من ذلك فقد شجعته على مغازلتها، كان (ع) يمر في فترة حرجة من حياته وهي سن المراهقة، لذا بدأ يفكر جدياً في الخادمة وبدأ يحبها من كل قلبه وجوارحه، وأخيراً قرر أن يصارحها بحبه، تحين (ع) قدوم الخادمة إلى البيت حيث أمطرها بكلمات الغزل والحب.
وقال لها إنه لا يستطيع الاستغناء عنها فما كان منها إلا أن أخبرته بأنها تحبه أيضاً، مما شجع (ع) على أن يقبلها كانت هذه أول تجربة عاطفية لـ (ع) في حياته فلم يسبق له أن تعرف على فتاة من قبل لذا كانت الخادمة بالنسبة له الجنة الموعودة، بدأت تصرفات (ع) تتغير شيئاً فشيئاً فقد أصبح هائماً في حبه للخادمة التي لم تبخل عليها بأي شيء، في هذه الأثناء كانت الخادمة تتهرب من لقاء (ر) فقد وجدت ضالتها في (ع) ففيه الشباب الذي تريده.
لكن ذلك لم يكف فهي تريد المال لذا اتفقت معه بأن تعطيه ما يريد مقابل أن يوفر لها المال، أحس (ع) بطعم جديد للحياة لم يتذوقه من قبل وكان كلما أكل من هذه الفاكهة المحرمة كان يريد أن يأكل المزيد فالأكل منها يزيده جوعاً، أحست الخادمة برغبة (ع) في المزيد لذا بدأت تتعامل معه بحساب لأنها كانت تريد المزيد من المال، بدأ (ع) يفكر بتدبير المال لكن كيف له ذلك؟
وهو لا يزال طالباً لذا وجد ضالته في أحد أصدقائه الذي أمده ببعض المال لكن هذا البعض لم يشبع رغبة الخادمة فهي تريد أكثر، في أحد الأيام اتصل (ع) بالخادمة وأخبرها بأنه ينتظرها لكنها رفضت أن تحضر إلى البيت إلا إذا قدم لها هدية من ذهب.
فكر (ع) كثيراً وأخيراً هداه الشيطان لأن يسرق من محفظة والده مبلغاً من المال تمكن بواسطته من شراء قطعة ذهبية لها كانت عبارة عن خاتم وقال لها عندما قدمه لها هذه هدية خطبتي لك أنت الآن خطيبتي وستصبحين زوجتي قريباً، ضحكت الخادمة بخبث وقالت أنا موافقة على الخطبة والزواج لكن الأمر يحتاج إلى المزيد من المال والذهب فأجابها (ع) بأن كل ذلك سيكون جاهزاً قريباً جداً حتى لو اضطر لأن يسطو على أحد البنوك.
العودة إلى المدرسة
انتهت الإجازة الصيفية وعاد الطلاب إلى مدارسهم وكذلك (ع) الذي عاد بجسمه أما قلبه وعقله فقد بقيا هناك مع الخادمة التي جعلته يشعر بطعم آخر للحياة، طعم لم يتذوقه إلا معها هي، طلب (ع) من الخادمة ألا تأتي في الصباح، وذلك لأنه لن يتمكن من رؤيتها على أن تأتي بعد أن يعود من المدرسة واتفقت الخادمة على ذلك لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة.
ففي فترة بعد الظهر يكون والده في البيت أيضاً ولا يستطيع أن ينفرد بالخادمة، أحس (ع) بضيق شديد وتمنى لو أنه يملك المال ليستأجر شقة خاصة به حتى يلتقي بالخادمة، لذا وبعد تفكير طويل قرر أن يهرب من المدرسة صباحاً ويلتقي بالخادمة التي وافقته بل وشجعته على ذلك، بدأ (ع) يترك المدرسة بحجة أنه مريض وعندما استهلك هذه الحجة بدأ يهرب في أثناء الفسحة بين الدروس.
بدأت الحياة تعود إلى مجراها بين الخادمة و(ع) وأحس (ع) بسعادة غامرة فقد عاد يمارس حياته كرجل لكن سعادته الزائفة هذه لم تستمر طويلاً فقد بدأت الخادمة تطالبه بالمزيد من المال فلم تعد تكتفي بالمبلغ البسيط الذي يوفره من مصروفه ويعطيه لها، وأخيراً أخبرته بأنه إن لم يأت بالمال لشراء شبكة من الذهب لها فإنها لن تقابله مرة أخرى ولن تسمح له بلمسها، أحس (ع) أن الدنيا تدور به وأنه لم يعد قادراً على الوقوف، بدأ (ع) يستدين من أصدقائه إلا أن ذلك لم يكن كافياً لشراء الشبكة للخادمة.
في الوقت نفسه بدأت إدارة المدرسة تشتكي لكثرة غياب (ع) ولعلاماته المتدنية جداً، وأخيراً تم استدعاء والده وإطلاعه على الأوضاع السيئة لابنه، أحس الأب بصدمة لما عرفه عن ابنه، وعندما عاتبه على تقصيره في دروسه وغيابه المتكرر قال له (ع) إنه لا يريد المدرسة وإنه ينوي ترك مقاعد الدراسة ويرغب في العمل حتى يعتمد على نفسه، بدأ والد (ع) يبحث عن السبب في تغير ابنه لكنه لم يجد جواباً على ذلك إلا أنه في قرارة نفسه كان مصمماً على أن يمنع ابنه من ترك المدرسة حتى ولو بالقوة.
(ع) يفكر في قتل أبيه
بدأ (ع) يشعر أن والده سيكون سبباً في شقائه وأنه لن يسمح له بترك المدرسة والعمل وبذلك تضيع عليه فرصة الزواج من الخادمة أو على الأقل الاستمرار معها في تلك العلاقة المحرمة، وفي المقابل بدأ الأب يضيق الخناق على ابنه حيث أصبح هو الذي يوصله إلى المدرسة صباحاً وطلب من إدارة المدرسة عدم السماح لابنه بمغادرة المدرسة بحجة أنه مريض كما بدأ الأب يتابع دراسة ابنه ويذهب بشكل شبه يومي إلى المدرسة ليعرف علاماته.
أما بعد الظهر فقد كانت كل حركات (ع) تحت مراقبة والده فقد كان معه خطوة بخطوة في مذاكرته وأدائه لواجباته ومراجعته لدروسه، وهذا بالطبع كان كافياً لمنعه من لقاء الخادمة التي كانت تأتي إلى البيت تؤدي عملها وتنصرف، حتى أنها في كثير من الأحيان كانت تأتي ولا يتمكن (ع) من رؤيتها إلا لدقائق أثناء دخولها وخروجها من المنزل.
في أحد الأيام استأذن (ع) من والده أن يذهب لزيارة صديقه كان بيت (ع) لا يبعد إلا عدة أمتار عن بيت صديقه، لكن لم يجده فعاد أدراجه إلى بيته وهناك شاهد منظراً جعل زلزالاً يتحرك في داخله، فقد شاهد والده يقبل الخادمة، أصيب (ع) بالعمى المؤقت من قوة الصدمة فهو يعتبر الخادمة له، وخاتم الزواج الذي أهداه لها لا يزال في أصبعها، ثم كيف تخونه؟
ومع من مع والده؟ لكن (ع) تماسك وذهب إلى الحمام وغسل وجهه ففرح كثيراً أنه عاد يبصر من جديد، لم ينم (ع) تلك الليلة وأخيراً قرر قتل والده حتى يخلو له السبيل، فإذا تخلص من والده، عندها سيترك المدرسة ويشتغل وستكون الخادمة تحت أمره وقد يتمكن من الزواج بها، بدأ (ع) يفكر في طريقة لقتل أبيه دون أن يقع في أي خطأ وذلك كي لاتعرف الشرطة بذلك وتعتقله فتضيع كل أحلامه، ظهر الصباح و (ع) لا يزال يضع الخطة تلو الأخرى، وهكذا ذهب إلى المدرسة وهو منهك العقل والجسد.
المواجهة
عندما عاد (ع) من المدرسة تفاجأ بوجود الخادمة في المنزل حاول الاقتراب منها إلا أنها رفضت ذلك وقالت له إن كل ما بيننا قد انتهى فأنت لا تزال صغيراً وأنا أريد رجلاً ينفق عليّ، غضب (ع) من هذه الكلمات وقال لها إنه رجل بل إنه أفضل الرجال، وأخبرها أنه رجل بل إنه أفضل الرجال وأخيرها إنه رآها مع والده، ضحكت الخادمة وقالت له نعم لقد كنت معه وهذه ليست أول مرة.
بل أنا معه من قبل أن أكون معك، كان كلام الخادمة كالسوط يجلد وجه (ع) فكيف يحب هو ووالده امرأة واحدة؟ صرخ وثار وهاج ولم يتمالك نفسه من الغضب حيث هجم عليها وبدأ يضربها بكل قوة فلم يكره (ع) أي إنسان كما يكرها هي، دافعت الخادمة عن نفسها وغرست أظافرها في وجهه فما كان منه إلا أن أمسك بسكين وغرسها في صدرها مرة ومرتين وثلاث ومرات أخرى لا يستطيع حصرها.
وبقي (ع) يضرب الخادمة حتى فارقت الحياة ثم أمسك بيدها يقبلها وارتمى على صدرها وهو يبكي عليها، عاد الأب من عمله فأخبره (ع) بما فعله مع الخادمة كما أخبره عن العلاقة التي كانت بينهما، أحس الأب بهول المصيبة التي وقعت على رأسه، وبدأ يفكر كيف يتصرف، لكن تفكيره توقف تماماً عن العمل وجلس بجانب جثة الخادمة لا يدري ماذا يعمل.
بعد أن أفاق والد (ع) من الصدمة طلب من ابنه أن يذهب إلى عمته ويجلس عندها وألا يخبر أحداً عما حدث، وقال لابنه إنه سيتصل بالشرطة ويخبرهم انه هو الذي قتل الخادمة لأنها سرقته ويكون بذلك قد أنقذ ابنه من السجن وضياع مستقبله، لم يصدق (ع) ما سمعه من والده فهو يريد أن يضحي بحياته وسمعته من أجل إنقاذه في حين أنه أي (ع) كان قبل ليلة واحدة يخطط لقتله والخلاص منه.
ارتمى (ع) في أحضان والده وبدأ يبكي بحرقة، وأخيراً ذهب إلى غرفته وبدأ يجمع ملابسه ووضعها في حقيبته كي يذهب إلى بيت عمته، انتهى (ع) مسرعاً من ترتيب حقيبته وقال لوالده وهو يخرج من المنزل أرجوك يا أبي أن تحميني فأنا خائف، قال له والده لا تخف فسأخبر الشرطة أنني أنا الذي قتلتها، وسأحميك حتى ولو كلفني ذلك حياتي، جلس والد (ع) يدخن سيجارته ويفكر ماذا سيقول للشرطة وأخيراً استقر على أمر واحد وهو أنه قتلها لأنها سرقت ذهباً من بيته وستثبت السرقة عليها عند تفتيش منزلها لأنه سيعطي الشرطة أوصاف الذهب الذي أهداه لها وتكون بذلك القصة مكتملة ويحمي ابنه من السجن أو الإعدام، اختمرت القصة الملفقة في رأس والد (ع)
حيث قام بالاتصال بالشرطة وأخبرهم أنه قتل الخادمة وأن جثتها موجودة في المنزل، حضرت الشرطة على الفور حيث قامت بأخذ البصمات من المكان خاصة السكين التي استخدمت كأداة للجريمة، وضع والد (ع) في السجن حتى يقدم للمحاكمة بتهمة القتل، لكن المفاجأة أن المختبر الجنائي أرسل تقريراً إلى الشرطة يخبرهم فيه ان البصمات الموجودة على السكين (أداة الجريمة) غير مطابقة لبصمات (ر) هنا أحس الضابط المسؤول عن التحقيق أن هناك شخصا آخر وراء الجريمة
وبدأ يستجوب والد (ع) من جديد الذي أصر على أنه هو الذي قتل الخادمة بسبب السرقة، لكن الضابط لم يقتنع وعندما سأله من يعيش معه في البيت أو من يتردد عليه من أصدقائه أخبره أنه يعيش وحده وان لا أحد يزوره سوى الخادمة، لكن تحريات الشرطة أكدت ان للمتهم ولداً اسمه (ع) وأنه كان يعيش معه طوال الوقت، عند مواجهة المتهم بهذه الحقيقة اعترف ان له ابناً لكنه يعيش مع عمته تم استدعاء (ع) وعند فحص بصماته جاءت متطابقة للبصمات التي على السكين التي تمت بواسطتها الجريمة.
تأكد الضابط أن الرجل غير قاتل وانه كان يدعي أنه قتل الخادمة ليحمي ابنه، تمت محاصرة (ع) بالأسئلة والأدلة حيث اعترف انه هو الذي قتل الخادمة وان والده بريء، أحيل (ع) إلى المحكمة بتهمة القتل في حين وقف والدة يراقبه وهو يبكي ويقول (حاولت أن أحميك يا بني لكنني لم أستطع)
إعداد: أحمد سلطان