لا تزال الحقيبة المدرسية تلقي بحمولتها على كواهل الطلبة مع بداية كل عام دراسي فمع صباح كل يوم يقصد الطالب مدرسته بعد أن يلقي على ظهره حمولة من معدات دراسية يصل وزنها إلى أكثر من 10 كيلوغرامات ويبدأ في التقاط ما تبقى له من أنفاس مع وصوله إلى الصف ليجد مكاناً تستقر به هذه الحمولة ليبدأ بعدها في استجماع ما تبقى له من قوى لعله يصل إلى درجة التركيز المأمولة في الصف التي تمكنه من استيعاب الرسالة العلمية المقدمة له على الوجه الأكمل.
أصابع الاتهام موجهة إلى الحقيبة المدرسة باعتبارها أحد العوامل الرئيسية لتنغيص الرحلة اليومية للطالب إلى مدرسته وربما تكون سبباً رئيسياَ في هبوط مؤشر قدراته الذهنية على مدار العام الدراسي وصولاً إلى تحقيق أمراض بالجملة بنهاية المطاف، وهو ما أكدته دراسات طبية عديدة دعمتها أراء استشاريون في أمراض العظام حذرت من التداعيات الصحية السلبية لوزن الحقيبة المدرسة على الطلبة.
فتشوهات العمود الفقري تجد طريقاً ممهداً إلى هؤلاء المغلوبين على أمرهم، وهو ما دعاهم إلى التأكيد على أن الوزن المثالي للحقيبة المدرسية يجب ألا يزيد عن 10 إلى 15% من وزن الطالب، في حين أنه على سبيل المثال قد يصل وزن حقيبة طالب المرحلة التأسيسية الذي يراوح وزنه 40 كجم إلى 10 كيلو جرامات.
تربويون وجدوا في تجربة مدارس الغد وسيلة متميزة للقضاء على الحشو الذي أصاب المناهج وانتقل بدوره إلى الكتب التي أصبحت وسيلة تؤرق الطلبة وتفرض عليه حمولة يومية تستنزف قواهم وتقل معها درجة تركيزهم في الصف، معتبرين أنه مع خروج هذا المشروع الجديد إلى النور وعدم اعتماده على فكرة الكتاب الأوحد واعتماده على التقنيات الحديثة في تلقى الطلبة للمعلومة، من المتوقع أن يقل الاعتماد على الكتب المدرسية مع استحداث وسائل تعليمية متقدمة حديثة تجذب الطلبة وفي الوقت ذاته تخفف من عليهم الحمولة التي يطرحونها على ظهرهم يومياً في طريقهم من وإلى المدرسة.
الوزن السابق
أحمد عبدالحميد آل يحيى مدير مدرسة النعمان بن بشير للتعليم الثانوي في عجمان وهي إحدى مدارس الغد قال إن الاعتماد على الكتب المدرسية لا يزال موجوداً في مدارس الغد ولا تزال الحقيبة المدرسية على وزنها السابق وتمثل أرقاً للطلبة، مشيراً إلى الاختلاف في طرق التدريس لطلبة هذا المشروع الجديد ينحصر في اللغة الإنجليزية الذي سيكون الاعتماد فيها على عدد من المراجع والمذكرات الذي قام بتحضيرها المعلمون بالتعاون مع الخبراء الأجانب الذي تم انتدابهم للعمل في المدارس، أما بقية المواد فتدرس كما هي موجودة في بقية المدارس الأخرى التي لا تخضع للمشروع الجديد.
وأوضح أنه في ظل إدخال أساليب تدريس حديثة في مدارس الغد والاعتماد على تقنيات الحاسوب والانترنت فإنه من المتوقع أن يقل الاعتماد على الكتب الورقية بشكل كبير في الأعوام المقبلة من تعميم هذا المشروع ما يخفف من رحلة اليوم الدراسي على الطلبة، مشيراً إلى أن الحقيبة المدرسية تعد عامل رئيسي في استنزاف قوى الطلبة في الرحلة اليومية من وإلى المدرسة.
خطط التدريس
خالد إبراهيم معلم لغة العربية في أحدى مدارس الغد أوضح أنه من أهداف مشروع مدارس الغد تقليل الاعتماد على الكتب المدرسية المخصصة لكل مادة وإعطاء المجال للمعلم كي يختار المراجع الملائمة لتدريسها للطالب في ضوء خطط التدريس الموضوعة لكل مادة، مشيرة إلى أن هذا الأمر يعتبر وسيلة مثالية لتخفيف حمولة الحقيبة المدرسية على الطلبة التي تؤثر على قدرته على الاستيعاب في الصف خاصة وان يصل المدرسة ويكون قد استنزف جزءاً كبيراً من طاقته.
محمد سالم معلم اللغة الإنجليزية في إحدى مدارس الغد قال إنه في ظل الاعتماد على منهاج جديد لتدريس اللغة الإنجليزية لطلبة هذا المشروع الجديد أصبح لا وجود لحشو في المقررات المطبقة على الطلبة، وهو ما انعكس بدوره على الكتب الذي يقوم الطالب بدراستها، لافتاً إلى أنه بالإضافة إلى المخاطر الصحية الكبيرة التي يتعرض لها الطالب جراء فرض كتب مدرسية عديدة يحملها يوماً من بيته إلى المدرسة، فإن الزيادة في الحشو تقل معها قدرته على لملمة مختلف جوانب المنهج ومن ثم تحقيق نتائج إيجابية في الامتحانات.
الصحة المدرسية
وشدد الدكتور محمد عباس مستشار الصحة المدرسية في الشارقة على أن وزن الحقيبة المدرسية يجب ألا يزيد في أي حال من الأحوال عن 10-15 في المئة من وزن الطالب ويفضل أن تكون في حدود العشرة بالمئة فمثلا الوزن الطبيعي لطالب الصف الأول الابتدائي عشرين كيلو غرام فيجب أن يكون وزن الحقيبة لا يزيد عن 3 كغم.
مشيرا إلى تشديد الصحة المدرسية على التزام إدارات المدارس والطلبة بهذه الأوزان الصحية نظرا لخطورة ثقل الحقيبة على صحة الطلبة والتي تظهر بشكل جلي في مراحل سنية متقدمة، فمن الآثار الصحية المترتبة على حمل الطلبة لحقائب مدرسية تفوق طاقتهم الإصابة بآلام في الرّقبة والذّراعين والكتفين والظّهر والقدمين.
وحذر الدكتور عبد الرؤوف الحاج أحمد طبيب أطفال في قسم الصحة المدرسية من خطورة الأمر والتي قد تسبّب أحياناً ضغطاً على القلب والرئتين نتيجة تشوه الهيكل العظمي والعمود الفقري ممّا يستلزم عملاً جراحيّاً ولذلك نحذر دوما من حمل الأطفال لتلك الحقائب الثقيلة خاصّةً على أحد الكتفين، إذ ان احتمال إصابتهم بأمراض الظّهر حينها تصل إلى 40 % في حين أن الاحتمال يتناقص إلى 5 % فقط في حال حملها على كلا الكتفين.
ودعا الطالب إلى حمل حقيبة تتناسب مع حجمه ووزنه وإلزام الطلبة بعمل تمرينات صباحية خلال فترة الطابور لتحريك الدورة الدموية وتقوية العظام عبر ممارسة الرياضة للمحافظة على صحتهم، مشددة على أهمية استمرار تقديم التوجيه والإرشاد للطلاب وزيادة وعيهم بمخاطر حملها وآلية الجلوس الصحيحة للمساهمة في إبعاد شبح الأمراض عنهم.
وذكر أشرف العريان الاختصاصي النفسي في منطقة الشارقة التعليمية أن هناك حقيقة هامة وهي أن مراكز النمو في العظام تكون نشيطة في السن الصغيرة، ويمكن تأثرها بسهولة من ضغوط الوزن ولذلك فإن النتيجة الحتمية هي حدوث تشوهات في العظام خاصة وان البنية الجسمانية للطلبة خاصة في المرحلة التأسيسية غير قوية وصغيرة مقارنة بفئتهم العمرية، مضيفا أن بعض الشكاوى ترد من قبل الطلبة تتركز في محور ثقل الحقيبة وعدم اهتمام من قبل المدارس بصحة الطلبة إلى جانب دعوتهم لإيجاد حلول بديلة أسوة بدول أخرى عربية وأوروبية.
الدكتور محمد جلال الدين أحمد عميد كلية دبي الطبية للبنات أوضح أن الزيادة الكبيرة في وزن الحقيبة المدرسية التي يحملها الطلبة تتسبب لهم في أضرار صحية جمة لعل من أبرزها الإصابة بتشوهات في العمود الفقري، لافتاً إلى أن المخاطر تزداد لطلبة المرحلة التأسيسية إذ يكون عمودهم الفقري في طور النمو وأي وزن زائد قد يتسبب لهم في آلام بالغة تزداد تدريجياً مع تقدمهم في العمر.
وقال إن هناك ثلاثة عوامل رئيسية يتحدد على ضوئها حجم الضرر الذي يتعرض له الطالب وفي مقدمتها وزن هذه الحقيبة مقارنة بوزنه فلا يمكن أن يكون وزن الطالب 25 كيلو جراما ونسمح له بحمل حقيبة وزنها 10 كيلو جرامات فهذا الأمر يصيب عموده الفقري بأضرار بالغة، وكذلك الطريقة التي يحمل بها الطالب الحقيبة فالعديد منهم يقوم بحمل الحقيبة على جانب واحد من جسمه في احد كتفيه وهي طريقة خاطئة تؤدي لزيادة التحميل على العمود الفقري وتعجل بإصابته بتشوهات، بينما حمل الحقيبة على كتفي الطالب تخفف من الضرر الواقع عليه باعتبار أن حمولتها تتوزع على مختلف أنحاء جسده.
وأشار إلى أن الفترة الزمنية التي يستغرقها الطالب في حمل الحقيبة يتحدد على ضوئها أيضاً الأضرار التي ستقع عليه وتشير الدلائل العلمية أنه إذا قام الطالب بحمل حقيبته لمدة 15 دقيقة يومياً فإنه من المؤكد أن يصاب باضطرابات في عموده الفقري خلال فترة لن تتجاوز 7 أشهر، مؤكداً على أن الوزن الأمثل للحقيبة المدرسية لا يحدده عمر الطالب وإنما وزنه ومؤهلاته البدنية إلا أن الدلائل تشير إنه يفضل ألا يزيد وزنها عن 15% من إجمالي وزنه فإذا كان وزن الطالب 40 كيلو فلا تزيد الحقيبة عن 8 كيلو وإذا كان وزنه 60 كيلو فلا يجب أن تزيد الحقيبة المدرسية عن 11 كيلو.
ولفت الدكتور محمد جلال إلى أن الأضرار التي يتسبب فيها الوزن الزائد للحقيبة المدرسية من الصعب التعرف عليها مبكراً خاصة بالنسبة لطلبة الحلقة الأولى الذين تكون بنيتهم في مرحلة النمو كما تفرض عليهم هذه المرحلة السنية الانطلاق والمرح ولا يكترثون لبعض الآلام التي قد تصيبهم من جراء الوزن الزائد في الحقيبة المدرسية، مشيراً إلى أن الأضرار تبدأ في الظهور مع دخولهم المرحلة الثانوية والتي تكون في صورة آلام مبرحة في العمود الفقري قد تتطلب تدخلا جراحيا في بعض الحالات.
حمولة زائدة
وأشارت دراسات إلى أن طالب المرحلة التأسيسية يحمل ما يعادل طناً وستمئة كغم خلال العام الدراسي بمعدل 5 كغم ذهاباً ومثلهم إياباً يومياً وهناك نسبة عالية تزيد على العشرين في المئة من الأطفال دون السادسة يصابون بتقوس الظهر و60 في المئة بالآم الظهر وتشوهات العمود الفقري وأمراض المفاصل فيما يصاب 20 بالمئة من طلبة المدارس من سن 12 ـ 14 بالتقوس.
تشوه الهيكل العظمي
أما الدكتور محمد كامل أخصائي العظام فقال إن التأثيرات السلبية للحقيبة المدرسية قد تمتد إلى ما هو أكثر من ذلك فإذا كان وزنها مبالغاً فيه فإنها قد تتسبب في ضغط على القلب والرئتين نتيجة تشوه الهيكل العظمي والعمود الفقري الذي يتخذ شكل الحرف «C» نتيجة زيادة الضغط عليه، موضحاً أن الأطفال في مراحل التعليم الأولية تبلغ احتمالات إصابتهم بأمراض الظهر 30% خاصة في حال قام بحمل الحقيبة على احد الكتفين بينما يقل إلى 10% في حال حملها بالطريقة الصحيحة على كلا الكتفين، لافتاً إلى أن زيادة المدة التي يقضيها الطالب في حمل الحقيبة المدرسية قد تؤدي إلى إصابته باستدارة في ظهره تؤثر على شكله وطريقه سيره بصورة كبيرة.
دراسات
أظهرت نتائج دراسة حديثة أن حمل التلاميذ لحقائبهم المدرسية على الظهر منذ ما قبل المدرسة وحتى الصف التاسع الدراسي تؤدي إلى تغيرات غير صحية في وضع الجسم خاصة إذا كان وزن الحقيبة التي تحمل على الظهر يتراوح ما بين 10 إلى 15 % من وزن جسم التلميذ ونبهت الجمعية الأميركية للعلاج الطبيعي بأن يكون وزن الحقيبة المدرسية دون هذه الحدود، محذرة أولياء الأمور من طريقة حمل التلاميذ الخاطئة لحقائبهم المدرسية
ومن ثقل حجمها مما يجعل الأطفال عرضة بشكل متزايد لإصابات الظهر والإجهاد العضلي خاصة حين يلجأ الطفل الذي يحمل حقيبة ظهر ثقيلة إلى تقويس الظهر والانحناء للأمام والالتواء أو الميل إلى أحد الجانبين، الأمر الذي يمكن أن يتسبب في حدوث خلل في العمود الفقري كما تتسبب حقيبة الظهر حين تكون ثقيلة للغاية أيضا في جعل العضلات تعمل بشكل أكثر قسوة مما يؤدي لإصابتها بالتوتر والإجهاد وجعل العنق والكتفين والظهر أكثر عرضة للإصابة.
شروط الحقيبة
يرى مختصون من الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال أنه لا بد من توافر بعض الشروط في الحقيبة المدرسية ومن أبرزها أن تكون الأحزمة الخلفية للحقيبة عريضة ومبطنة لتعمل على حماية ظهر الطفل كما يمكن اللجوء إلى الحقائب ذات العجلات، والتي تساعد الأطفال على تحريكها من خلال الدفع إلا أنه لا بد من التنبه إلى الوزن الكلي لهذا النوع من الحقائب، حيث سيقوم الطفل بحملها عند صعود السلالم في البيت أو المدرسة وأن تكون قاعدتها مصنعة من مادة خفيفة الوزن وذات عجلات كبيرة،
وضرورة التأكد من أن مقبضها يمكن إطالته لمسافة تتناسب مع طول الطفل، حتى لا يضطر للانحناء طوال الوقت عند دفعها أو سحبها، كما نصحت باستعمال الحقائب التي لها حزام يربط حول خصر الطفل أو صدره عند حملها فوق الظهر، لأن ذلك يجعلها قريبة دائماً من الجذع، ما يعني أن الثقل سيتوزع على منطقتي الظهر والحوض ويحقق توازناً أفضل للجسم أثناء حمل الحقيبة.
أثقال
عمل الألمان على تجربة نظام الحقيبة الإلكترونية (الرقمية) التي تمكن الطالب من الاستغناء عن حقيبته الكلاسيكية الثقيلة بأخرى رقمية عبارة عن عصا إلكترونية تحتوي على المناهج اليومية تربط على الكومبيوتر والأجهزة الأخرى بواسطة توصيلة USB، تتضمن كراس الوظائف البيتية وتستعيض عن القلم بالماوس وعن الدفتر والكتاب بشاشة الكومبيوتر، وفي خطوة مماثلة لحل أزمة ثقل الحقيبة المدرسية أقرت وزارة التربية والتعليم في السعودية طرح جميع المناهج الدراسية على أقراص مدمجة (سي دي) يتم توزيعها على جميع الطلاب وتحتوي جميع المناهج وبشكل تقني وإلكتروني متقدم وسهل لا يتجاوز وزنه 800 غرام تتوافر فيه جميع المناهج.
تعليمات
أشار مختصون إلى أن اختيار الحقيبة المناسبة لا يعد إجراء كافياً إذ يجب الحرص على اتباع بعض التعليمات عند ملء الحقيبة وحملها ومن أهمها استخدام جميع أقسام الحقيبة لتعبئتها وعدم التركيز على أجزاء دون أخرى وترتيب محتويات الحقيبة في القسم الرئيسي منها بوضع الكتب أو الأشياء الأثقل وزناً في المنتصف والأشياء الأخف وزناً نحو الأطراف مع توجيه الطفل إلى ضرورة عدم حمل الحقيبة باستخدام واحد من أحزمتها الخلفية فقط لحملها فوق الظهر وتجنب تعليقها على كتف واحد، إذ قد يتسبب ذلك بحدوث تقوس في العمود الفقري بشكل غير طبيعي، كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى تأثر العضلات والأوتار سلباً.
أفكار مفيدة
الجمعية الأميركية للعلاج الطبيعي قدمت بعض الأفكار المفيدة لحمل حقيبة الظهر بشكل آمن منها استخدام الحزامين معا وتعليق حقيبة الظهر في كتف واحد باستخدام حزام واحد يجعل جانبا واحدا من الجسم يتحمل وطأة الوزن مع وضع حقيبة الظهر فوق عضلات منتصف الظهر، مع وجوب ارتكاز حقيبة الظهر بشكل متساو في منتصف الظهر كما يتعين شد الأحزمة بحيث لا تصل حقيبة الظهر إلى تحت الظهر.
استطلاع: نورا الأمير وأحمد جمال
