تحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أمام أكثر من ألفي مشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في مدينة داليان الصينية من أكثر من 80 بلدا عربيا وأجنبيا وفى مقدمتهم الملكة رانيا العبد الله قرينة العاهل الأردني وتارجو هالولين رئيسة جمهورية فنلندا ووين جياباو رئيس الوزراء الصيني والبروفيسور كلاوس شواب رئيس المنتدى.

وركز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كلمته التي حضرها أعضاء الوفد المرافق لسموه وعدد من القيادات العربية الشابة على دور هذه القيادات في التغيير والإصلاح وتحقيق التنمية المستدامة من خلال التعليم والمعرفة والاطلاع على تجارب وثقافة الآخر. ودعا سموه إلى الاهتمام باقتصاد المعرفة الذي يقرر إمكانيات تقدم الدول وازدهارها الاقتصادي واحتمالات ديمومته من عدمها مؤكدا سموه في الوقت ذاته على أهمية التعليم الذي يلعب دورا محوريا وأساسيا. وقال سموه (إن ازدهار أي دولة يرتبط ارتباطا وثيقا بالوضع التعليمي لشعبها وهذا ما يفسر زيادة الاهتمام الدولي بالتعليم والطفرة التي يشهدها التعليم). وأكد سموه أن دولة الإمارات حققت منذ سبعينات القرن الماضي زيادات ضخمة في أعداد المتعلمين..

مشيرا سموه إلى تركيز الدولة حاليا على تحسين نوعية التعليم لتزويد أبنائنا بالمهارات اللازمة لعصر المعرفة. وفيما يلي نص كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أمام المنتدى الاقتصادي العالمي: (أصحاب الفخامة والمعالي.. البروفيسور كلاوس شواب.. السيدات والسادة.. إنها لمناسبة طيبة أن أتحدث للمرة الرابعة في المنتدى الاقتصادي العالمي وعلى الرغم من أن حديثي الأخير كان قبل نحو أربعة أشهر فقد لبيت الدعوة للحديث أمام هذا الجمع المتميز لثلاثة أسباب.. أولها أنني تحدثت في مايو الماضي حول منطقتنا في الشرق الأوسط وجواره في حين ان اجتماعكم يتناول موضوعا ملحا ذا طبيعة عالمية تهم الجميع.

والسبب الثاني ان الفترة ما بين حديثي الأول في يناير 2001 واليوم شهدت متغيرات كبرى بعضها كان متوقعا وتحقق بدرجة أعلى أو بدرجة اقل من المتوقع وبعضها لم يكن يتوقعه أحد على الإطلاق وكانت له آثار ضخمة على عالمنا بأسره. أما ثالث الأسباب فهو انعقاد اجتماعكم في الصين هذا العملاق الذي استرد عنفوانه وبات رقما دوليا كبيرا في الاقتصاد والسياسة وفى خصوصية نموذجه التنموي ونهجه المتفرد في التغيير والتطوير.

مكانة الصين

وللصين عندنا نحن العرب والمسلمين مكانة أثيرة وحين حثنا أسلافنا في القرن السابع الميلادي على طلب العلم ولو في الصين كانوا يعبرون عن إدراكهم لأهمية التعليم وضرورة طلبه ولو في أقاصي الأرض المعروفة آنذاك وكانوا أيضا يظهرون تقديرهم لما أحرزته الصين من تقدم علمي حيث هي مهد الطباعة وصناعة الورق واكتشاف البارود والبوصلة وأول من وضع نظما متقدمة في الزراعة والإدارة والملاحة والمعاملات المالية.

ومنذ أن أوفدت بغداد عاصمة الدولة العباسية في القرن التاسع الميلادي سفيرا إلى العاصمة الصينية آنذاك شانجان توطدت العلاقات واتسعت وكان طريق الحرير الممتد من الصين إلى غرب آسيا والعالم العربي طريقا رئيسيا للتجارة العالمية والتجار العرب الذين كانوا طوال قرون عديدة صلة الوصل التجارية والثقافية بين آسيا وأوروبا.

أما العاصمة شانجان فقد كانت مدينة معولمة بامتياز تتعايش فيها الأجناس والأديان ويعمل فيها أكثر من مئة ألف تاجر من العرب والفرس والهنود والأتراك والكوريين والبنغال وغيرهم.

السيدات والسادة..

العالم من دون الحضور الصيني الفاعل ناقص جدا ولاشك ان الحضور القوي للصين وغيرها من الدول الآسيوية الناهضة في الساحة الدولية يثري عالمنا ويغذي تنوعه ويوسع اقتصاده وأسواقه وفرص نشر الأمن والاستقرار في ربوعه.

وحين تسعون في هذا المنتدى إلى خلق منصات قوية للتفاعل بين اللاعبين التقليديين واللاعبين الجدد في الساحة العالمية أو بين الشرق والغرب كما أشرتم في أوراق المنتدى فانكم تلمسون وترا بالغ الحساسية والأهمية في الحال الراهنة للتعاون بين اللاعبين الدوليين الكبار فهذه الحال مشدودة تسودها العصبية وتتسم بعدم اليقين.

ولم تتكيف بالدرجة المرجوة مع حال الترابط والتشابك والتأثيرات المتبادلة بين الاقتصادات الكبرى وقد رأينا في الأيام الماضية نموذجا آخر لضعف هذا التكيف حين غاب الجهد الدولي المشترك عن معالجة اضطراب الأسواق ولولا مسارعة حكومات عديدة للتدخل المباشر لوقعت أزمة كبرى لم يكن باستطاعة احد التكهن بحجم نتائجها السلبية على الاقتصاد العالمي برمته.

قبل أسبوعين لفت انتباهي إعلان مجموعة تمويل القروض العقارية الاسترالية «ان.اي.ام.اس» بأنها غير قادرة على إعادة تمويل خمسة مليارات دولار من الديون بسبب تشديد القيود على قروض العقارات الأميركية..الأزمة في الولايات المتحدة الأميركية والتأثيرات المباشرة على بعد آلاف الكيلومترات في استراليا.. هل هنالك مثال أكثر وضوحا للمدى الذي وصل اليه الترابط بين الاقتصادات الدولية.

وعود التنمية

السيدات والسادة..

دعونا نعود معا للسنوات التي تلت انتهاء حقبة الحرب الباردة في مطلع تسعينات القرن الماضي ونتذكر كيف عاش العالم لحظة تاريخية مفعمة بالتفاؤل والآمال الكبرى ببناء نظام عالمي جديد تتعايش فيه ثقافات متصالحة وأمم متآخية وتتعاون قواه الكبرى على تحقيق الأمن والسلم والاستقرار وقضايا التنمية.. دعونا نتذكر التفاؤل الذي أشاعته اهتمامات الأسرة الدولية كما عبرت عنها وعود مؤتمرات الأمم المتحدة حول التعليم والمناخ والسكان والمرأة وغيرها.

أين نحن اليوم من هذا التفاؤل.. وما الذي تحقق من وعود التنمية وصيانة البيئة ومكافحة الأوبئة ومحاربة الفقر.. لاشك ان درجة من الانجاز والتقدم قد تحققت وان اقتصادات عديدة حققت نموا مشهودا لكن الصورة الكاملة مليئة بالزوايا المعتمة التى تطرح على عالمنا تحديات جمة أولها التحدي القديم الجديد المتصل ببناء اقتصاد المعرفة الذي يقرر امكانيات تقدم الدول وازدهارها الاقتصادي واحتمالات ديمومته من عدمها وبطبيعة الحال يلعب التعليم هنا دورا محوريا وأساسيا.

وبالتالي فان ازدهار أي دولة يرتبط ارتباطا وثيقا بالوضع التعليمي لشعبها وهذا ما يفسر زيادة الاهتمام الدولي بالتعليم والطفرة التي يشهدها التعليم على وجه الخصوص ففي الصين والهند وحدهما تخرج هذا العام 950 ألف مهندس. وبالنسبة لنا في دولة الإمارات فقد حققنا منذ سبعينات القرن الماضي زيادات ضخمة في أعداد المتعلمين حينما حصلنا على الاستقلال في 2 ديسمبر 1971 كان في دولة الإمارات العربية المتحدة 45 خريجا جامعيا فقط.

أما اليوم فالجامعيون بعشرات الآلاف ولدينا معدلات التحاق بالدراسة الجامعية تضاهي معدلات الدول المتقدمة أما بالنسبة لالتحاق الاناث بالتعليم الجامعي فيبلغ المعدل اثنين وتسعين بالمائة وهو الأعلى في العالم وتركيزنا الآن ينصب على تحسين نوعية التعليم لتزويد أبنائنا بالمهارات اللازمة لعصر المعرفة.

وبرغم الانجازات التي حققناها فاننا ندرك تماما ان سباق تطوير التعليم لا يعرف التوقف كما ان حاجة إنسان عصر المعرفة للتعليم تستمر ما استمرت الحياة.

ولكن مناطق عديدة في عالمنا ما زالت تعاني من صعوبات جمة في بناء اقتصاد المعرفة ويكفى أن أشير هنا إلى ان هدف الأمم المتحدة للألفية الثالثة بتوفير تعليم ابتدائي لكل طفل على وجه الأرض مع حلول العام 2015 قد لا يتحقق في العام 2050. إن التربة المجبولة من الفقر والجهل والتجاهل الدولي صالحة دائما لاحتضان بذور التطرف وانتاج المتطرفين.

إذا أردنا أن نكون أبطالا بحق للازدهار والتقدم فليس بمقدورنا تجاهل الفقر الذي يدفع إلى العزلة عن التيار العريض للتطور الانساني لا يكفى أن نواصل التأكيد على ان التعليم هو أكثر الأسلحة مضاء في كسر حلقة الفقر واليأس والتطرف بل يجب أن نوفر لأسرى هذه الحلقة السلاح وان نمكنهم من استخدامه.

إدامة التنمية

أما التحدي العالمي الثاني الذي أراه فيتعلق بإدامة التنمية.. ان مشكلة التنمية مع الموارد الطبيعية المتناقصة قضية ملحة وعاجلة انها تحد كبير للمدن على اختلافها وبعد المسافات بينها مثل بكين ودلهي ونيويورك وهى مشكلة مركبة فمن امن الطاقة المستقبلي إلى احتياطات النفط المحدودة ومن الوصول إلى المياه إلى الوصول إلى اليابسة ومن الخيارات الوطنية للأولويات والسياسات الاقتصادية إلى الخيارات الشخصية في الاستهلاك وإعادة التدوير..علينا أن ننتج أكثر ونستهلك اقل.. علينا ان نخصص الموارد ونبذل الجهود ونتعاون في البحث عن بدائل للموارد المتناقصة.

التسامح

السيدات والسادة..

فضلا عن تحدي بناء اقتصاد المعرفة وتحدي إدامة التنمية فان عالمنا يواجه تحديا ثالثا ربما يكون في ضوء الواقع الراهن للعلاقات الدولية هو التحدي الأهم. هذا الواقع يستدعي ضرورة قيامنا جميعا بدورنا كاملا في توسيع التسامح والقبول بين مختلف الأمم والثقافات والأديان والأعراق يجب أن نسعى لتحقيق درجة اكبر من الفهم والتفاهم بين الأمم والحد من محاولات فرض القيم الثقافية على بعضنا البعض.

إن التحديات التي نشترك فيها ليست مشكلات مرتبطة بهذه الدولة أو تلك، بهذه الثقافة أو تلك، بهذا الدين أو ذاك، إن جدارتنا الانسانية جميعا تقاس بمدى قدرتنا على العمل معا بنجاح والبحث معا عن الحلول المناسبة وفق معادلة الربح للجميع.