فاجأ الرئيس الأميركي جورج بوش الأميركيين والعراقيين بمن فيهم رئيس الوزراء نوري المالكي أمس بزيارة لم يعلن عنها إلى العراق هي الثالثة منذ حرب العراق. وجاءت الزيارة في توقيتها ومكان هبوط طائرته في محافظة الانبار السنية التي رافقه فيها كبار أركان إدارته متزامنة مع اكتمال الانسحاب البريطاني من البصرة وبدء مناقشات الكونغرس اليوم الثلاثاء لاستراتيجية بوش في جلسة مفتوحة تستمر حتى منتصف الشهر حيث يتلقى الكونغرس تقييماً حاسماً عن الأوضاع في العراق.

لكن بوش الذي استبق المناقشات بزيارة «الانقاذ» لاستراتيجيته ألمح إلى إمكانية خفض عدد القوات الأميركية محذراً الكونغرس من الاستنتاجات المبكرة.

وقال بوش بعد اجتماع في قاعدة الأسد الجوية في الانبار التي شهدت اعنف المعارك ضد القوات الأميركية مع كبار القادة العسكريين والرئيس العراقي جلال الطالباني ونائب الرئيس طارق الهاشمي والمالكي وقادة العشائر إن القادة العسكريين ابلغوه أنه بالإمكان المحافظة على المستوى الحالي للأمن في العراق بعدد اقل من القوات في حال استمر النجاح المتحقق على هذا الصعيد.

وقال الرئيس الأميركي بعد الاجتماع الذي وصفه مسؤول أميركي بمجلس حرب إن الانبار أصبحت مكاناً مختلفاً الآن، وأظهرت أن النجاح ممكن التحقق في العراق.

وجدد الرئيس الأميركي تعهداته بعدم التخلي عن الشعب العراقي. لكنه حذر أعضاء الكونغرس من «القفز إلى استنتاجات» قبل أن يقدم قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بتريوس والسفير الأميركي ريان كروكر تقريرهما. وحض بوش أيضاً حكومة المالكي على «متابعة» ما وصفه «التقدم على صعيد الأمن».

وأشاد مسؤولون أميركيون بالانبار باعتبارها نموذجاً ناجحاً للقوات الإضافية التي أرسلها بوش إلى العراق وعددها 30 ألفاً قائلين إن الميليشيات السنية المحلية انقلبت ضد مسلحي القاعدة هناك وان الهجمات على القوات الأميركية تراجعت بشكل ملموس.

واعتبر بعض الديمقراطيين خطوة بوش بأنها «إبراز حالة واحدة من الانجازات بينما يتجاهل إخفاقات أوسع نطاقا من حكومة المالكي فيما يتعلق بتشجيع المصالحة الوطنية اللازمة للحد من العنف المذهبي».

وعلقت مصادر أميركية في واشنطن على الزيارة أن «تزايد الانتقادات لقرار بوش إرسال المزيد من القوات الى العراق، سواء من الديمقراطيين أو من بعض الجمهوريين حمل بوش إلى التوجه بنفسه لإثبات تحسن الأوضاع في العراق».

كما وجاءت الزيارة قبل يوم من استئناف الكونغرس جلساته الثلاثاء استعدادا للاستماع إلى تقرير من الإدارة الأميركية حول الوضع في العراق من المفترض ان يسلمه البيت الأبيض بحلول 11 من الشهر الجاري.

وتقول بعض المصادر أن «الديمقراطيين سيستندون في جلسة اليوم إلى تقرير للمنظمة الأميركية لمراقبة العمل الحكومي سيسلم ويتضمن إشارة إلى تلكؤ عراقي كبير في تنفيذ الأهداف الـ 18 التي حددها الكونغرس لتحقيقها».

وكان بوش انسل من البيت الأبيض في يوم عطلة عيد العمال ليطير سراً في رحلة استمرت 11 ساعة إلى الأنبار للاطلاع من قائد القوات الأميركية ديفيد بتريوس والسفير الأميركي ريان كروكر إلى تحديد إطار النقاش وفق ما يريد الرئيس قبل الإدلاء بشهادتهما أمام الكونغرس الأميركي والتي تعد الأساس لتقييم استراتيجية بوش الجديدة التي اقتضت زيادة عدد القوات الأميركية نحو 30 ألف جندي قبل عدة أشهر.

ووصل بوش بصحبة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ومستشار الأمن القومي ستيفن هادلي إلى الأنبار وكان في انتظاره وزير الدفاع روبرت غيتس، وقائد الجيوش الأميركية ويليام فالون، وسلفه بيتر بايس، وبتريوس.

واعتبرت الزيارة محاولة لرفع معنويات جنوده الذين قتل احدهم وجرح ثلاثة آخرون في تفجير سيارة أمام دوريتهم قرب بغداد أمس، ولسد فراغ انسحاب البريطانيين من البصرة، ولفت الأنظار عن آثار هذه الخطوة. في وقت نفى رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون أن يكون انسحاب القوات البريطانية من القصر الرئاسي بالبصرة هزيمة وشدد على أن هذه الخطوة تمت بموجب تحرك منظم خُطط له مسبقاً.

ورغم ما يرون أنها اتجاهات مشجعة في الانبار لم يترك المسؤولون الأميركيون مجالا يذكر للمجازفة فيما يتعلق بسلامة بوش. ولم يتم الكشف عن خطط زيارته للعراق إلا لبعض المساعدين الموثوق بهم كما ألزم الصحافيون المرافقون له أنفسهم بالتحلي بالسرية. وحتى المالكي لم يتم إبلاغه مسبقا بوقت كاف إذا كان قد تم إبلاغه أصلا وذلك للحيلولة دون حدوث أي تسرب امني.

واتخذت طائرة بوش مسارا حلزونيا في انحدار سريع لتجنب اي صورايخ قد يطلقها مسلحون وذلك قبل الهبوط في قاعدة الأسد التي بتعد نحو 180 كيلومترا غربي بغداد. وتضم القاعدة حوالي عشرة آلاف جندي أميركي.وتحت شمس الصحراء الملتهبة ترجل بوش الذي كان يرتدي قميصا اسود من الطائرة حيث كان في استقباله كروكر وبتريوس ومجموعة من العسكريين.

ونفت الناطقة باسم البيت الأبيض دانا بيرينو أن تكون الزيارة «فرصة لالتقاط الصور». وأصرت على أنها «حاسمة لإعطاء الرئيس نظرة عن كثب للوضع على الأرض في العراق».