حيدر طالب فلسطيني من غزة يبلغ من العمر 35 عاماً أصيب بشلل أطفال عندما كان عمره أربع سنوات، نتيجة حقنه بإبره خافضة للحرارة في مكان خاطئ مما أدى إلى إصابته مباشرة بشلل كامل ودخوله المستشفى، وكانت حركة يده وفمه هي التي تشير فقط أنه مازال على قيد الحياة، ومن ثم ذهب إلى مصر قاصدا العلاج وبقي داخل حاضنة في أحد المستشفيات لمدة أربعة أشهر بينما استقرت حالته ومن ثم عاد إلى غزة.
وفي عام 1968 بعد سنة من عودته من مصر، غادر هو والعائلة إلى الإمارات التي يعمل فيها والده منذ عام 1950 ودرس في مدارسها الحكومية مدة سنتين وفي عام 1971 سمع والده عن مدرسة خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة في الكويت، فأرسل حيدر إلى الكويت لوحده وهو في الثامنة من عمره ودخل المدرسة وتعلم استعمال الكرسي المتحرك وتدرب على استخدام المرافق وكيفية التعايش مع وضعه الصحي، لكنه لم يتحمل العيش دون أسرته أكثر من سنة فقرر العودة إلى الإمارات، وأتم تعليمه الابتدائي في مدرسة العروبة في دبي والمرحلة المتوسطة في مدرسة جمال عبد الناصر. في عام 1976 ذهب حيدر للعلاج في مصر كخطوة تمهيديه لاستكماله في لندن على نفقة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله. وكانت العملية الأولى في القاهرة وتم فيها إزالة عظام الحوض ووضعها في العمود الفقري ونجحت العملية وبقي هناك فترة نقاهة استمرت أربعة أشهر.
وبعدها غادر إلى لندن ثانية وأجرى عملية أخرى وهي عبارة عن استبدال بعض الفقرات في العمود الفقري وتعديل الانحناء، وهذه العملية لم تنجح 100% لكنها جعلت حيدر يستطيع المشي مستعيناً في العكازات بعد أن كان يزحف على يديه وقدميه. يقول حيدر: الأسفار والرحلات الطويلة وحيداً جعلتني اعتمد على نفسي وصقلت شخصيتي وزادت من ثقتي في نفسي وإرادتي، كما أنني تعلمت اللغة الإنجليزية بشكل ممتاز.
ولكن عند انتهاء العلاج كنت قد تأخرت عن زملائي في المدرسة سنتين انتقل أهلي من دبي إلى الشارقة، فأكملت دراستي الثانوية في مدرسة العروبة هناك، وحياتي المدرسية مرت بسلام ولقيت الدعم من جميع المعلمين والطلاب وطوال فترة الدراسة لم أتعرض سوى لموقف واحد وأنا في المرحلة الابتدائية وكان من أستاذ اللغة الانجليزية الذي وبخني على قذارة يدي، لأنه لم يكن يعلم أنني أزحف.
بعد حصولي على الثانوية العامة زارنا ابن عمي الذي كان يدرس في الولايات المتحدة الأميركية وانصب كل حديثه عن البلد وكيفية الدراسة فيها، ومن خلال وصفه البلد تخيلت المكان وقررت أن أدرس في أميركا، وعندما عرضت الفكرة على الأهل وجدت تشجيعاً كبيراً منهم، كما أن أسلوب أهلي في التعامل معي وعدم التفضيل يبني وبين أخواتي كان أهم سبب في نجاحي وتحقيق طموحي.
بعدها قمت بمراسلة الجامعة وجاء الرد بالموافقة وسافرت إلى ولاية أنديانا ووصلتها يوم الجمعة وكانت الجامعة مغلقة يومي السبت والأحد بسبب الإجازة الأسبوعية، لذا اضطررت للمكوث في الفندق وبقيت أياما وحيداً وكانت أسوأ وأطول فترة مرت علي خلال الدراسة وكنت أفكر بالعودة، لكنني قررت الصبر والتحدي وخوض التجربة مهما كانت نتائجها.
وبعدما فتحت الجامعة أبوابها ذهبت والتحقت بكلية الهندسة وتخصصت في قسم الهندسة المعمارية،وسجلت في السكن الجامعي وتعرفت إلى بعض الشباب العرب الذين ساعدوني كثيراً في بداية حياتي الدراسية، لكن بعد سنة من الدراسة انتقلت من العمارة إلى هندسة تحليل أنظمة الكمبيوتر، لأن مهام المهندس المعماري صعبة وتتطلب حركة سريعة وقوية، لذا لم استطع متابعتها.
ومن الصعوبات التي واجهتني أيام الدراسة ظروف الجو القاسية في الولاية التي اخترتها للدراسة، إذ لا يرى سكانها الأرض أربعة أو خمسة أشهر بسبب تراكم الثلوج، وأذكر أنني كنت ذاهباً في صباح أحد الأيام من سكن الجامعة إلى مبنى المحاضرات فوقعت عند مواقف السيارات عشر مرات بسبب تحول الثلج إلى جليد، فانزعجت جداً وظننت أنني الوحيد الذي يتعرض لهذه المواقف بسبب عجزي، وبعد دخولي قاعة المحاضرات جلست أراقب الطلاب من النافذة فوجدت أن الجميع يتعثرون ثلاث أو أربع مرات مما خفف علي.
ومن الانجازات التي حققتها أثناء الدراسة، هو أنني أول عربي يدخل الاتحاد الأميركي للطلاب كممثل للوافدين في الولاية، وكنت نائب مجلس الطلاب العرب ومؤسس ونائب رئيس اتحاد الطلبة العالمي، وساهمت مع زملائي في بناء مصلى داخل حرم الجامعة، كما عملت بالتعاون مع اتحاد الطلبة الماليزي والسفارة السعودية في بناء أول مسجد في ولاية أنديانا.
أنهيت دراستي وعدت إلى الدولة في سنة 1989، وبدأت رحلة البحث عن فرصة عمل وكنت أرفض بسبب إعاقتي برغم أن تخصصي كان مطلوباً وعدد العرب الذين يحملون هذه الشهادة قليل، وكانت المقابلات تتحول من مقابلات عمل إلى أسئلة شخصية عن وضعي الصحي، وبعد فقدان الأمل قبلت في وظيفة بغير تخصصي وهي مدخل بيانات في شركة خاصة وأثناء عملي طلبت بلدية دبي موظفين إداريين تقدمت لها، وتمت الموافقة وعملت فيها مدة أربع سنوات.
في سنة 1994 قررت أن أعمل في التجارة الحرة مع أخي وفتحنا محل (البوابة الذهبية) لتجارة الجملة، كان هذا مع بداية دخول الروس إلى الدولة، وكانت أرباح التجارة خيالية، وفي عام 1996 فضلت ترك عمل الجملة، وانفصلت عن أخي وأسست شركة (السواعد للتجارة) وكانت تستهدف الطبقة الوسطى والفقيرة واستمرت الشركة سنتين ثم أغلقتها وجلست في المنزل سنة، وخلالها تزوجت من إنسانة سوية وهي متفهمة لوضعي الصحي جيداً، ولغاية الآن لا يوجد لدينا أطفال.
بعدها فكرت بالعمل مع أشخاص مثلي والانخراط معهم وبحكم أنني من سكان الشارقة وقع اختياري على نادي الثقة وذهبت إليه، في شهر يونيو من عام 1999 وعملت موظف استقبال وبدالة.
يقول حيدر بعد فترة قصيرة من العمل كافأني الشيخ محمد بن صقر القاسمي رئيس مجلس إدارة النادي نظراً إلى تحصيلي العلمي وحولني من موظف استقبال إلى سكرتير إداري، وفي شهر نوفمبر من السنة نفسها طرح أحد موظفي الدائرة الاقتصادية على نادي الثقة فكرة فتح مكتب طباعة في الدائرة، لأن الدائرة بحاجة إليه ولا يوجد مكتب طباعة في المنطقة.
فعرض حسين غزال عضو مجلس إدارة النادي علي الفكرة وقال إن الهدف منها هو إثبات أن المعاق قادر على العمل وخدمة المجتمع، كما أنها تشجعه وتزيد من ثقته بنفسه وتقدم له الدعم وتزرع في نفسه الأمل، وطلب مني تأسيس برنامج على الكمبيوتر يسهل على المعاق عملية الطباعة بدلاً من استخدام آلة الطباعة، لأن التعامل معها صعب بالنسبة له.
فوافقت وصممت برنامجاً خاصاً الأكسس يطبع مباشرة على الأوراق الخاصة في الدائرة الاقتصادية وغرفة التجارة ودربت عليه ثلاثة أشخاص، وبعدها تم تعيين اثنين منهم وكان المشروع في البداية ضعيفاً وتم شراء جهازي كمبيوتر وآلة تصوير وطباعة بالأقساط، وكان مردود عمل الشهر الأول سيئاً ولم يغط رواتب الموظفين واضطر حسين غزال لدفع رواتب الموظفين من جيبه الخاص وطلب الموظفون بتخفيض رواتبهم إلى النصف بشرط أن يستمر العمل في الدائرة.
وبقي الموظفون على هذا الوضع مدة شهرين، لكن وبفضل تشجيع حسين ودعمه وصبر الموظفين وتعاملهم الحسن مع المراجعين، تطور المشروع وأصبح أفضل والمردود المادي كان جيداً جداً وغطى جميع المصاريف بالإضافة إلى رواتب الموظفين. وأضاف حيدر أنه تم تعييني مدير مشاريع الثقة، كما أن وجود الموظفين في دائرة حكومية مليئة بالأسوياء وحاجة جميع المراجعين لموظفين فتح الباب لمشاريع الثقة أن تتسع ويزداد الطلب عليها.
وأول اتصال إلى نادي الثقة بعد مشروع الدائرة الاقتصادية كان من الدكتورة عائشة الناخي عميدة شؤون الطالبات في جامعة الشارقة وطلبت فتح مكان لبيع القرطاسية فزرت الجامعة وشعرت أنه يمكن أن يتم عمل مشروع أكبر داخلها وهو فتح مركز خدمات متكامل للطلاب، فكان ذلك وقام النادي بعمل الديكورات الخاصة به وعملت في البداية فيه فتاة واحدة ولما ازداد ضغط العمل تم تعيين فتاة أخرى.
وبعد هذين المشروعين فتحت الدوائر الحكومية في الشارقة المجال لمشاريع الثقة للعمل داخلها ومنها، المقر الرئيسي للنيابة العامة ومدرسة الغبيبة وفرع الدائرة الاقتصادية في خورفكان ومركز محكمة الشارقة وغيرها، وفي نهاية عام 2000 كانت المشاريع في أوج ازدهارها وأصبحت تدعم ميزانية النادي وتقوم بعمل دورات كمبيوتر للمعاقين ودروس تقوية في اللغة الانجليزية وتسعى أيضاً لتوظيفهم في الدوائر الحكومية، ومنذ ذلك العام لغاية الآن تم تعيين 300 معاق في مختلف الدوائر الحكومية، كما أن المشاريع تركز على الجانب الإعلامي لتساهم بتغيير نظرة المجتمع للمعاق.
وفي نهاية حديثه يقول حيدر: الآن لا استطيع استخدام العكازات مثل السابق، بسبب زيادة الوزن والعمر، وأنا مقتنع بقضاء الله والذي قسمه لي وأحاول الوصول إلى أهدافي وطموحاتي، بالإضافة إلى أن إعاقتي جعلتني حريصاً جداً، ولا اعتمد على الصدفة لوحدها، ومن أشكال هذا الحرص أنني عندما أدعى إلى أي مكان، أذهب لرؤيته قبل الموعد وأتأكد من أنه مناسب لي أم لا.
إعداد: سمانا النصيرات

