الغش من كبائر الذنوب، وعظائم المعاصي، وفظائع الخطايا، يدل على خبث النفس وظلمة القلب وسواد الفؤاد وقلة الدين. وكلمة الغش مأخوذة من الغشش وهو المشرب الكدر وهو بمعنى عدم النصح وبمعنى الغل والحقد وبمعنى ما يخلط من الرديء بالجيد وبمعنى سوداء القلب وعيوب الوجه. ومفهوم الغش مفهوم واسع فهو ليس فقط في البيع والشراء بل هو أشد من ذلك وأعم فكل ما لم يصدق فيه المرء من نية أو قول أو عمل فهو غش والرسول عندما قال «من غشنا فليس منا» صحيح الجامع.
فهذا تبرؤ من الغش وتنكر للخائن، وثورة في وجه المخادع. قال تعالى في غش البيوع «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم..» (النساء/ 29). فنهى سبحانه عن أكل الأموال بالباطل والغش من الباطل وبين أن التجارة لا تحل إلا ان كانت عن التراضي من الجانبين والموافقة من الطرفين وذلك لا يكون إلا بالصدق في البيع والبعد عن الغش والسلامة من الكذب.
كم من مسلم جمع أمواله وضيق على نفسه ومكث عمراً طويلاً يضع الدرهم على الدرهم ليشتري سلعة، ينتفع بها في مسيرة حياته ويصون بها نفسه ويسعد بها أهله من سيارة أو آلة ثم يضع ثقته في إنسان يتوهم فيه التدين ويظن به الخير فيوهمه بروعة السلعة وحسن فائدتها وعظيم جودتها وزهادة سعرها وقد يغلف ذلك الكلام بأيمان مغلظة وحلف فاجر وبتمثيل خبيث وهو قد دس السم في العسل ونوى على الغش والدغل، فينخدع له المسلم وينفر به المؤمن، فيقع في الفخ ويذهب ضحية الغش ويبقى على الغاش الجرم والإثم واللعنة والسخط والبغض والمقت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بينه له» صحيح الجامع. ويقول عليه الصلاة والسلام «من غشنا فليس منا والمكر والخديعة في النار» صححه الألباني. ويبين صلى الله عليه وسلم أن كتم العيب في السلعة والكذب في البيع محق للبركة، قد يربح المرء ولكنه ربح منزوع البركة قليل الثمرة كبير الاثم فيقول: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدق البيعان وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ويمحقا بركة بيعهما» متفق عليه.
إن الغش يجمع أسوء الصفات وأقبح المعاصي فهو يجمع الكذب والبهتان والزور والخداع والمكر والاحتيال والنصب وخيانة الأمة، وأكل المال بالباطل وعدم الرضا بقدر الله وسيئ الخصال فهو ظلمات بعضها فوق بعض. أجارنا الله وإياكم من الغش وأهله وحفظنا بما يحفظ به عباده الصالحين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. عثمان الغزالي