قال تعالى: (واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، إذ أرسلنا إليهم أثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون). لم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية ولا ما هي القرية فهي قرية أرسل الله إليها رسولين فكذبهما أهل تلك القرية.
فعززهما الله برسول ثالث وتقدم ثلاثتهم بدعواهم ودعوتهم من جديد (فقالوا إنا إليكم مرسلون)، هنا اعترض أهل القرية بالاعتراضات المكررة في تاريخ الرسل والرسالات (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) (وما أنزل الرحمن من شيء) (إن أنتم إلا تكذبون) وفى ثقة المطمئن إلى صدقه العارف بحدود وظيفته أجابهم الرسل: (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين) إن الله يعلم وهذا يكفي.
وإن وظيفة الرسل البلاغ. وقد أدوه والناس بعد ذلك أحرار فيما يتخذون لأنفسهم من أمر ذلك التبليغ عن الله فمتى تحقق ذلك فالأمر كله بعد ذلك إلى الله ولكن المكذبين لا يأخذون الأمور هذا المأخذ الواضح السهل، ولا يطيقون وجود الدعاة إلى الهدى فتأخذهم العزة بالإثم ويعمدون إلى الأسلوب الغليظ في مقاومة الحجة لأن الباطل ضيق الصدر (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم).
وهكذا أسفر الباطل عن غشمه وأطلق على الهداة تهديده ولكن الواجب الملقى على عاتق الرسل يقضي عليهم بالمضي في الطريق (قالوا طائركم معكم). فالقول بالتشاؤم خرافة والرسل يبينون لقومهم أنها خرافة، وأن حظهم ونصيبهم من خير ومن شر لا يأتيهم من خارج نفوسهم، إنما هو معهم مرتبط بنواياهم وأعمالهم، متوقف على كسبهم وعملهم، وفي وسعهم أن يجعلوا حظهم ونصيبهم خيراً أو أن يجعلوه شراً، أما التشاؤم بالوجوه، أو التشاؤم بالأمكنة أو التشاؤم بالكلمات فهو خرافة لا تستقيم على أصل مفهوم.
وقالوا لهم: (أئن ذكرتم) يعنى : أترجموننا وتعذبوننا لأننا نذكركم أفهذا جزاء التذكير؟ (بل أنتم قوم مسرفون) تتجاوزون الحدود في التفكير والتقدير وتجاوزون على الموعظة بالتهديد والوعيد وتردون على الدعوة بالرجم والتعذيب. (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون، وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون، أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين، إني آمنت بربكم فاسمعون).
إنها استجابة الفطرة السليمة لدعوة الحق المستقيمة فيها الصدق. والبساطة والحرارة واستقامة الإدراك وتلبية الإيقاع القوي للحق المبين فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوناً، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله. ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره إلى قومه وهم يكذبون ويتوعدون، جاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي.
وظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان، ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته، ولكنها العقيدة الحية في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها وإن الذي يدعو مثل هذه الدعوة، وهو لا يطلب أجراً إنه لصادق وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء، إن لم يكن يلبي تكليفاً من الله ؟ ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة ؟ ومجابهة الناس بغير ما ألقوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم وهو لا يجني من ذلك كسباً؟.
(اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون ) وهداهم واضح فهم يدعون إلى إله واحد، ويدعون إلى نهج سليم وإلى صراط مستقيم. ثم عاد يتحدث إليهم عن نفسه وعن أسباب إيمانه ويناشد فيهم الفطرة التي استيقظت فيه فاقتنعت بالبرهان الفطري السليم. (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ـ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين).
يتساءل لم لا أعبد الذي فطرني والذي إليه المرجع والمصير؟ ويتحدث عن رجعتهم هم إليه فهو خالقهم كذلك. ومن حقه أن يعبدوه. ثم يستعرض المنهج الآخر المخالف للمنهج الفطري المستقيم فيراه ضلالاً بيناً. (أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون).
رجاء علي