حدد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ملامح السياسة الخارجية الفرنسية ما بعد الحقبة «الشيراكية» التي ورث منها الإبقاء على رفض حرب العراق ومطالبته الولايات المتحدة بلورة «أفق واضح» لجدولة الانسحاب من هناك، داعياً إلى قيام أوروبا قوية، واعتماد سياسة انفتاح تجاه إيران شريطة احترام التزاماتها النووية، والتلويح لانفتاح على السوريين حال مساهمتهم في إنهاء الأزمة اللبنانية، رافضاً بكل وضوح نشوء (حماسستان) في قطاع غزة، غير أن أبرز ما لفت الانتباه، انتهاج ساركوزي الاعتدال ورفض المواجهة بين الغرب والإسلام، وتراجعه عن التحفظ على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

وشدد ساركوزي في خطاب أمام سفراء فرنسا المجتمعين في باريس في مؤتمرهم السنوي، على ضرورة قيام «أوروبا قوية» في مواجهة مخاطر الارهاب. داعياً إلى أن «تقف فرنسا في مقدمة الساحة الدولية»، مؤكداً بهذا الصدد على أن أوروبا ستكون «أولويته المطلقة».

وأكد على ضرورة تأمين تعاون كامل بين الأجهزة الأمنية لمواجهة التهديدات الإرهابية، مشيراً إلى أن «التحدي الأول للغرب يتمثل في مخاطر المواجهة مع الإسلام».

وتابع أن «بلادنا، كل البلاد بما فيها بلاد العالم الإسلامي، معرضة اليوم لخطر حصول اعتداءات إجرامية كتلك التي ضربت نيويورك وبالي ومدريد وبومباي واسطنبول ولندن والدار البيضاء. لنفكر بما سيحصل إذا استخدم الإرهابيون غداً وسائل نووية أو بيولوجية أو كيميائية».

وأضاف أن تجنب مواجهة بين الإسلام والغرب يعني أيضاً «تشجيع ومساعدة قوى الاعتدال والحداثة في كل بلد مسلم، من اجل الوصول إلى إسلام معتدل ومتسامح يقبل بالتنوع».

وقال إن «تجنب مواجهة مع الإسلام يعني كما تقترح فرنسا، وأتحمل مسؤولياتي في هذا المجال، مساعدة الدول المسلمة على الوصول طاقة الكهرباء النووية في إطار احترام المعاهدات وبالتعاون الكامل مع الدول التي تمتلك حالياً هذه التكنولوجيا».

وعن الأزمة اللبنانية، دعا كل الأطراف الإقليمية، وبينها سوريا إلى التصرف بشكل يسمح بالخروج من الأزمة في لبنان من خلال الانتخابات الرئاسية المرتقبة. ولفت إلى أن العلاقة بين باريس ودمشق لا يمكن أن تكون بمعزل عن الأحداث الجارية في لبنان».

وقال إن «فرنسا متمسكة بحرية لبنان الكاملة واستقلاله وسيادته التي ينص عليها القراران 1559 و1701». وأضاف أن «الحوار الذي استؤنف يجب أن يستمر للوصول إلى مخرج للازمة يبدأ من الأعلى: رئيس منتخب ضمن المهل الدستورية وبحسب الدستور».

وعن العراق، قال إن «المأساة العراقية لا يمكن أن تتركنا لا مبالين، فرنسا كانت، بفضل جاك شيراك، ولا تزال، رافضة لهذه الحرب التي بدأت بالاجتياح الأميركي في 2003». وأضاف «لا يوجد إلا حل سياسي للأزمة العراقية، يمر بتهميش المجموعات المتطرفة وبعملية صادقة للمصالحة الوطنية يكون في نهايتها كل عراقي وكل طرف في العراق».

وقال إن «الحل السياسي يتطلب أيضاً تحديد أفق واضح يتعلق بجدولة انسحاب القوات الأجنبية، لأن القرار النهائي المنتظر حول هذا الموضوع سيجبر كل الأطراف على تقدير مسؤولياتها وتنظيم نفسها».

وفي الشأن الإيراني، أكد على دعم فرنسا لاعتماد سياسة «انفتاح» تجاه إيران، منوهاً إلى «حزم باريس التام في الخطوة الحالية التي تجمع بين العقوبات المشددة ولكن أيضاً الانفتاح إن اختارت إيران احترام التزاماتها النووية».

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد على أن «فرنسا ستبقى معارضة لإنشاء (حماسستان) في قطاع غزة». وقال إن «جهودنا وجهود اللجنة الرباعية والدول العربية المعتدلة يجب أن تخصص لإعادة بناء السلطة الفلسطينية بإشراف رئيسها محمود عباس».

إلا أن ساركوزي الذي أظهر ميلاً للانفصال عن واشنطن أكد على أهمية الصداقة بين باريس وواشنطن، وقال إن «التحالف لا يعني الاصطفاف واشعر بأنني حر تماماً في التعبير عن توافقنا كما عن اختلافنا من دون مجاملة أو محظورات». ودعا إلى تحويل مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى إلى «مجموعة الثلاثة عشر». وأوضح أن «الحوار الذي جرى خلال القمم الأخيرة مع قادة الصين والهند والبرازيل والمكسيك وجنوب إفريقيا يجب أن يكتسي طابعاً رسمياً».

ووفي تطور لافت، غير ساركوزي موقفه المعارض لانضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، حيث قال إن «فرنسا لن تعارض إجراء مفاوضات في المستقبل بشأن انضمام أنقرة إلى الاتحاد». وعن روسيا، دعا موسكو إلى التخلي عن «الفظاظة» لاستعادة وضعها كدولة عظمى وتقديم مساهمة ايجابية في المشكلات الدولية.