لابد أن يتأثر الذين يمرون بأحداث مؤسفة، وليس أقسى من أن يتحول حب الحياة إلى حزن ينهي الأيام الجميلة لتحل محلها أياماً كئيبة ومظلمة ولا يمكن لأحدنا إلا أن ينزعج عند رؤية أبناء جنسه يتعرضون للقتل أو إصابة بعضهم في عاهات ومشكلات طويلة الأجل تدمر حياتهم وتجمد عواطفهم وتجعلهم لا مبالين حتى بالموت.
حورية فتاة بعمر الزهور كانت بصحبة والدها الذي تحبه، عندما استقرت الطلقة في عمودها الفقري وكانت في ذلك الوقت في الصف الأول الإعدادي، مما غير حياتها من إنسانة سوية تمارس نشاطاتها وتتحرك إلى فتاة مقعدة غير قادرة على فعل شيء.
وعن تفاصيل الحادث تقول حورية: توفي والدي في الحادث، ولم يخبرني أحد في بداية الأمر، لأنني كنت في غيبوبة ولم أعلم بذاك لمدة ثلاثة أشهر، وذلك مراعاةً لوضعي النفسي والصحي حتى لا يتأزم، لكنني عندما علمت، أصبت بصدمة وأحسست أنها أكبر مصيبة يمكن أن تحل علي، خصوصاً أن الأب يشكل الركن الأساسي في الأسرة.
معاناة حقيقية
وتضيف: بقيت في المستشفى ستة أشهر، ولم يصارحني أحد من الأطباء بوضعي الصحي وكان جميعهم يتهربون مني، وبعدها طلبت من الممرضة جلب الكرسي المتحرك لأذهب إلى عيادة الطبيب واستفسر منه عن حالتي، وعندما ذهبت إليه طلبت أن يشرح لي وضعي، وبدأ الكلام بطريقة غير مباشرة عن أن الحياة لا تتوقف عند حد معين وأنه يوجد الكثير مثل حالتك ولم تكن الإعاقة لتقف في طريق أحلامهم وطموحهم الخ، لكنني لم أتقبل هذا الواقع بأي شكل من الأشكال.
وغادرت المستشفى إلى المنزل على الكرسي المتحرك الذي لم أكن أتقبله أبداً ولم استخدمه نهائياً، وانعزلت بغرفتي مدة ثلاث سنوات ولم أغادر المنزل سوى إلى المستشفى الذي كنت أذهب إليه بحالة إغماء أو انهيار عصبي كل يومين أو ثلاثة أيام.
وخلال هذه السنوات كانت أمي وجميع أشقائي يتحايلون علي للخروج من هذه العزلة التي فرضتها على نفسي في المنزل وكنت أرفض الخروج لكي لا يراني الناس على الكرسي المتحرك الذي قيد حريتي وحولني من طالبة مجتهدة تخرج كل يوم تبحث عن المعرفة وهي في عمر الانطلاق والحرية وحب الحياة إلى إنسانة عاجزة ليس لديها القدرة على فعل شيء، ما سبب لي أزمة نفسية كبيرة، خصوصاً عندما أرى أخواتي وإخواني يذهبون إلى مدارسهم كل صباح ويمارسون حياتهم الطبيعية ويعيشون مثل أقرانهم في هذه السن.
خيوط الأمل
كما أن ذهابي للمستشفى كل يومين جعل جميع الأطباء يعرفوني ولا يستطيعون عمل شيء لأجلي. كانوا فقط يتعاطفون معي حتى جاء أحد الأطباء وقال لي لا نستطيع عمل شيء لك، فأنت لا تشتكين من مرض عضوي ولا يساعدك أحد إلا نفسك، وقال لي هذا رقم ناد للمعوقين، اتصلي به وشاركي في النشاطات التي يعدها، وظل كلام الطبيب يدور في نفسي، خصوصاً أن لا أحد يستطيع مساعدتك كما تستطيعين أنت.
وفي اليوم التالي قمت بالاتصال مع النادي وكان لديهم دورة كمبيوتر فسجلت بها، وعند زيارتي الأولى للنادي رافقتني أختي وكان هذا هو المشوار الأول بعد خروجي من المستشفى، وكنت صامتة لدرجة أن الجميع أعتقد أني من الصم والبكم، ورأيت العديد من الأشخاص على كراسي متحركة وكنت استغرب منهم وهم يضحكون وبدأت دروس دورة الكمبيوتر، وكنت متلقية دائماً ولم أتفاعل مع الأستاذ وكنت دائمة الشرود في القاعة وبقيت على هذا الحال لغاية نهاية الدورة، لأن هدفي كان هو الخروج من المنزل فقط.
وبعدها عرض علي حيدر طالب مدير المشاريع في النادي العمل لديهم في جامعة الشارقة في قسم الطباعة والتصوير وقلت له أنا عاجزة لا أستطيع، فقال العمل سهل جداً ومن شروطه أن يكون الموظف من فئة غير الأسوياء، لأنها فكرة أحد المعوقين وتبناها الشيخ محمد بن صقر القاسمي رئيس مجلس إدارة نادي الثقة.
فوافقت على الفكرة وعرضتها على أهلي، لأنني أحببت العيش مع هذه الفئة والابتعاد عن الأسوياء، لأنني كنت أشعر بأنني غريبة عنهم، خصوصاً إنه أصبح بيني وبين الكرسي المتحرك ألفة، لكن لم يوافق أخي الكبير، لأنه كان يرفض بشكل قطعي عمل المرأة فقمت بالامتناع عن الطعام والشراب، وطلبت من أخوالي التدخل في الموضوع والضغط على إخواني.
فنجحت خطتي وعملت من الساعة الثامنة إلى السادسة مساءً براتب 1000 درهم شهرياً، وكان لدي في العمل زميلة مصابة مثلي من ثماني سنوات إثر حادث، لكنها كانت جريئة جداً ومنطلقة وتحاور الجميع وحركتها على الكرسي سريعة عكسي تماماً، فأحببت شخصيتها وتمنيت أن أصبح مثلها.
مشكلات لا بد منها
ومن المشكلات التي واجهتني أثناء عملي هي المواصلات حيث إنني كنت مقيمة في دبي وأذهب يومياً إلى الشارقة. وبعد وفاة والدي كان الوضع المادي سيئاً جداً وكان أخي ينقلني من وإلى العمل على مضض وكانت السيارة قديمة جداً ولم يكن فيها مكيف، وبعد سنة من عملي عرض علي أن أعمل سكرتيرة في مدينة دبي للمعوقين براتب 2000 درهم شهرياً.
فعرضت الفكرة على حيدر طالب والأب الروحي حسين غزال رئيس مشاريع النادي فطلبا مني أن أقرر بنفسي، وعندما ذهبت للمنزل استشرت أهلي فقالوا لي إن العمل هنا أفضل من الذهاب كل يوم إلى الشارقة، فباشرت العمل في المدينة وبقيت مدة سنة ونصف، لكنني لم أتكيف مع الوضع الجديد، إذ أن مديرتي كانت من النوع العصبي جداً وكان الجو متوتراً باستمرار.
وأصبحت أشعر بالإحباط وكأنني بدأت أهدم كل ما بنيته، فاتصلت بحسين غزال وشرحت له الوضع، فطلب مني ترك العمل، وفعلاً تركته وبقيت بالمنزل مدة شهر، كنت خلال هذه المدة أشعر بالملل وخيبة الأمل، وبعد شهر اتصل بي النادي وطلب مني العودة والعمل بوظيفة سكرتيرة وعملت مدة سنتين وسط عائلتي والمكان الأكثر دفئاً وأمناً لي.
عمل مستمر
وفي يوم من الأيام اتصل بي حسين غزال وقال لي، إنه رشحني للعمل في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة وأن أعمل سكرتيرة لجمعية أصدقاء مرضى السرطان وطلب مني الذهاب لتقديم الأوراق والمقابلة، وعندما ذهبت لم أتوقع أنني سأوفق في ذلك خصوصاً أن المتقدمات كانت مؤهلاتهن العملية أكبر مني، لكن خبرتي كانت أربع سنوات في مجال العمل وليس لواحدة منهن هذه الخبرة وكنت قد تغيرت تماماً حيث أصبحت شخصيتي أكثر تحرراً ومنطلقة وأكثر جرأه وشجاعة.
وبعد أسبوع اتصل حسين بي مرة أخرى وقال لي إنني لم أخيب أمله وتمت الموافقة علي، وقلت له إني موافقة بشرط أن أبقى أعمل أثناء الفترة المسائية في النادي، حتى لو من دون راتب، لأنه الشريان الذي تتغذى روحي منه، لذا لا أستطيع تركه.
فقال لي أن أفكر جيداً، لأنه سيكون صعباً جداً ومرهقاً، فأجبته مباشرة أنني فكرت ومصرة فوافق على طلبي، وبدأت عملي في المجلس وكانت البداية صعبة، لأنني من ناحية كنت أتعامل مع المرضى واسمع قصصهم وأنا عاطفية جداً، ومن ناحية أخرى أقوم بعمل التوعية لهم ولأسرهم.
وبعد سنتين من عملي استأنفت دراستي وسجلت بالدراسة المنزلية وقمت بإعادة الصف الأول الإعدادي الذي تركته بسبب الحادث ونجحت به وفي الصف الثاني الإعدادي وحصلت على المركز الأول والآن أنا أدرس في الصف الثالث الإعدادي وأتمنى أن أكون الأولى أيضاً، كما أنني أدرس حالياً (أي سي دي إل) وهي صعبة جداً، والمشكلة التي تواجهني الآن هي الوقت، لأنني أعمل من الساعة الثامنة إلى الثانية ظهراً في المجلس ومن الخامسة إلى الثامنة مساءً في النادي، لذا فان وقت الدراسة ضيق جداً.
التقدم إلى الأفضل
وأضافت حورية أنها تغيرت 180 درجة للأفضل وتحولت من إنسانة عاجزة إلى منتجة وعضو مساعد في العائلة بعدما ما كانت عبئاً عليها. وقالت حورية إنها حصلت على رخصة القيادة واشترت سيارة والآن تذهب إلى أي مكان تريد دون مساعدة من أحد، بل على العكس أصبحت هي تساعد أمها وأخواتها وتنقلهم حيث يريدون.
وبالنسبة للذي وصلت إليه الآن تقول إنها مازالت في بداية الطريق وتتمنى أن تكمل دراستها الجامعية في مجال الإعلام وأن يتم فتح محطة تلفزيونية خاصة بالمعوقين تنقل قضاياهم وهمومهم وطموحاتهم للعالم خاصةً أنهم يشكلون فئة كبيرة من المجتمع الآن، والأمنية الثانية لها هي مقابلة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
وأضافت حورية أنها منذ الحادث وهي تكتب الشعر، إذ أن العجز ولد لديها ملكة الإبداع، لذا تتمنى أن يتبناها أحد شعرياً ويطبع ديواناً لها. أما بالنسبة للزواج قالت حورية إن حالتها الصحية أثرت عليها، لكن مع ذلك تقدم لها الكثيرون وهي الآن بعد تسع سنوات من الإعاقة والتحدي والكفاح أصبحت تبحث عن الشخص المناسب الذي يقدرها ويحترمها ويفهمها جيداً، وأن يكون على قدر عالٍ من المسؤولية وذا شخصية قوية، ولا تهمها إن كان من الأسوياء أو غير الأسوياء، على الرغم من أنها تلاحظ أن المعوقين الذكور يحبون الارتباط بفتيات سليمات حتى يساعدوهم.
وفي نهاية حديثها قالت حورية إن النجاح ليس حكراً على الأسوياء ولا يوجد شيء مستحيل بعد تجربتي هذه، التي تحولت بها من إنسانة ضعيفة ومترددة ويملؤها الحزن إلى أخرى منطلقة طموحة تحب الحياة ولديها العزيمة والقدرة على الإنتاج والتحدي وصنع الأحلام الكبيرة، طالما يوجد عند الإنسان ثقة وإرادة، لأن أصعب شيء في الوجود أن يكون الإنسان بحاجة للمساعدة من الآخرين. وأضافت أن نظرة العائلة تغيرت لها خصوصاً أخاها الكبير الذي كان يرفض مبدأ العمل، فقد أصبحت نظرة فخر واعتزاز.
دبي ـ سمانا النصيرات
