الذي يقرأ القرآن الكريم ويتدبر معانيه ويطلع على كتب الحديث يجد في نفسه راحة وطمأنينة وسكينة وهدوء بال وسعادة وتزداد سعادته عندما يقف على حديث أو آية قرآنية تدله على السعادة الحقيقية، وأنا أبحث عن أعمدة السعادة في الكتاب والسنة وجدتني أقف أمام قول الحق سبحانه وتعالى: الله لطيف بعباده.

فحمدت الله على توفيقه وهدايته، فالحق سبحانه وتعالى كثير اللطف بعباده، بالغ الرأفة لهم وبهم وهو حفي بهم لا ينسى أحدا في العطاء. قال مقاتل: لطيف بالبار والفاجر حيث لم يقتلهم جوعاً بمعاصيهم، وقال القرطبي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة،

وقيل غير ذلك والمعنى: أنه يجري لطفه على عباده في كل أمورهم ومن جملة ذلك الرزق الذي يعيشون به في الدنيا، وهو معنى قوله تعالى (يرزق من يشاء) منهم كيف يشاء، فيوسع على هذا ويضيق على هذا قال تعالى: الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له. (العنكبوت 62). وقال تعالى: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير. (الشورى 27).

أي لو وسع الله لهم الرزق لبغوا في الأرض ولعصوا فيها وبطروا النعمة وتكبروا وطلبوا ما ليس لهم طلبه، وقيل المعنى: لو جعلهم سواء في الرزق لما انقاد بعضهم لبعض ولتعطلت الصنائع.

وفي قوله تعالى: ولكن ينزل بقدر ما يشاء، أي ينزل من الرزق لعباده بتقدير على حسب مشيئته وما تقتضيه حكمته البالغة وهو سبحانه وتعالى خبير بأحوال عباده، بصير بما يصلحهم من توسيع الرزق وتضييقه، فيقدر لكل واحد منهم ما يصلحه ويكفه عن الفساد بالبغي في الأرض.

الحق سبحانه وتعالى لطيف بعباده، ومن لطفه وكرمه أن يرزقهم إذا افتقروا فيسعدهم بعطائه وعطاؤه لا ينفد، يغدق على عباده من غير سؤال ويدلهم على طريق الخير ويوفقهم في تحصيل رزقهم ويعينهم على ذلك، والإنسان الموفق هو الذي يستوي عنده وجود المال أو عدمه،

فإن وجده لم يفرح وإن فقده كذلك بل حاله كما كان حال السيدة عائشة رضي الله عنها إذ أتاها مئة ألف درهم من العطاء فأخذتها وفرقتها من يومها، فقالت خادمتها: ما استطعت فيما فرقت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه؟ فقالت: لو ذكرتني لفعلت.

فمن كان هذا حاله، لو كانت الدنيا بحذافيرها في يده وخزائنه لم تضره، إذ هو يرى الأموال في خزانة الله تعالى لا في يد نفسه فلا يفرق بين أن تكون في يده أو في يد غيره، ويسمى صاحب هذه الحالة المستغني، الذي يمكنه أن يستغني عن المال وجوداً أو عدماً لكنه لم يستغن عن مدد الله وتوفيقه له.

الله لطيف بعباده ومن لطفه كي تزداد سعادتهم أنه سبحانه وتعالى يغيثهم إذا قحطوا وتأخر نزول المطر، قال تعالى: وهو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد. (الشورى 28).

والمعنى أنه سبحانه وتعالى ينزل المطر الذي هو أنفع أنواع الرزق وأعمها فائدة وأكثرها مصلحة (من بعد ما قنطوا) أي من بعدما آيسوا عن ذلك فيعرفون بهذا الإنزال للمطر بعد القنوط مقدار رحمته لهم ويشكرون له ما يجب الشكر عليه (وهو الولي) للصالحين من عباده بالإحسان إليهم وجلب المنافع لهم ودفع الشرور عنهم (الحميد) المستحق للحمد منهم على إنعامه خصوصاً وعموماً.

الله لطيف بعباده، إذا استغفروه غفر لهم ذنوبهم وأرسل عليهم المطر فجعل لهم جنات وأنهاراً ورزقهم من حيث لم يحتسبوا وكثر مالهم وذريتهم، فأنجبت العاقر وكذلك الرجل الذي لا ينجب قال تعالى: فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً. (نوح 10، 11، 12).

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب. (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي).

حامد واكد