من الصفات المرذولة في بني إسرائيل، صفة المكر والخداع، والتضليل والتحايل لتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، ولذلكم حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من هذه الصفات. قال صلى الله عليه وسلم: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل».
وقال صلى الله عليه وسلم «المكر والخديعة في النار» فقد وقع الكثيرون في ما وقعت فيه بنو إسرائيل فغيروا أسماء بعض المحرمات وزين لهم الشيطان أن تغيير الأسماء يغير حكم الله تعالى عليها؟ وهذا تلبيس خطير فليس معنى تسمية «الرشوة» إكرامية والربا فائدة مثلاً أن تصير بذلك حلالاً.
وقصة أصحاب السبت تحذرنا من الوقوع فيما وقعت فيه بنو إسرائيل من التحايل والمكر على الله تعالى (وما الله بغافل عما يعملون).
قال تعالى: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون، وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون، فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين).
فقد وقعت أحداث القصة في قرية تسمى (ايلة) وتقع على شاطئ بحر القلزم قال ابن عباس: إن قوماً من بني إسرائيل في زمن داود عليه السلام سكنوا قرية على شاطئ البحر بين مصر وحطين يقال لها: ( أيلة) وقال أيضاً: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم «يوم الجمعة» فخالفوا إلى السبت، فعظموه وتركوا ما أمروا به،
فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره، فحرم عليهم في «السبت» الحيتان وصيدها وأكلها وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان إليهم شرعاً إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهبت السبت، ذهبن فلم يروا حوتاً صغيراً ولا كبيراً، حتى إذا كان يوم السبت أتين سراً، حتى إذا ذهب السبت ذهبن فكانوا كذلك حتى طال عليهم الأمد.
فعمد رجل منهم فأخذ حوتاً سراً يوم السبت فحزمه بخيط ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتداً في الساحل فأوثقه ثم تركه حتى إذا كان الغد جاء فأخذه، فانطلق فأكله، حتى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنع ذلك الرجل، قال: ففعلوا كما فعل، وصنعوا سراً زماناً طويلاً فلم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق.
قال ابن عباس: فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم اتقوا الله، ونهوهم عما كانوا يصنعون، وقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا ( لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ) بسخطنا أعمالهم ( ولعلهم يتقون ) فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم ففقدوا الناس فلم يروهم.
فالطائفة الآمرة قد بنت جداراً ليحجز بينهم وبين العصاة. قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس شأناً، فانظروا ما هو ؟ فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، وقد دخلوها ليلاً فغلقوها على أنفسهم كما يغلق الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد.
قال الإمام القرطبي: فجعل القرد يأتي قريبه، فيشم ثيابه ويبكى فيقول: ألم أنهك. فيقول: برأسه بلى. معنى هذا أنهم كانوا في أجساد القرود بعقول البشر وفي هذا حقاً عذاب بئيس. قال الإمام الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها، أثقلها خزياً في الدنيا، وأطولها عذاباً في الآخرة.
فكم من أكلة أفسدت دنيا العبد وأوبقت أخراه، ورحم الله القائل: ابن آدم إنما بطنك شبر في شبر فلم تدخلك النار؟ قال ابن كثير: فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله إلى صورة القردة وهي أشبه بالأناسي في الشكل الظاهري، وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم. ومكثوا ثلاثة أيام على حالتهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون، ثم أماتهم الله تعالى وأبادهم ( وقد خاب من حمل ظلماً)،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يجعل لمسخ نسلاً ولا عقباً، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك» وقال ابن عباس: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل، وكذلك يفعل الله بمن يشاء كما يشاء ويحوله كما يشاء.
رجاء علي