قال الشيخ: ماذا يفعل شبابنا اليوم وقد أسأنا في تربيتهم وتنشئتهم وفضلنا أن نعيش لأنفسنا بدل أن نعيش لهم، وسارعنا في رفاهيتنا ومتعنا على حساب جعلهم رجالاً حقيقيين أو نساءً حقيقيات، وقد اختلط في عقولنا وأفكارنا الحابل بالنابل والحق بالباطل فنشئوا وشبّوا في ظل ضياع الأولويات وتشويش الأفكار،

وفي ظل أنانية الآباء والأمهات ممن شُغلوا بأنفسهم أكثر مما شُغلوا بأولادهم، وفي ظل إعلامٍ ليس من شأنه أن يفرخ أكثر من ممسوخين وممسوخات لا دين لهم ولا غاية لسعيهم، فهم لا يزنون أكثر من مثقال قشة على سطح بحر تتلاعب بهم الأمواج بشرقيها وغربيها وما من يد تمتد إليهم لتنشلهم من حالة الضياع هذه ولتضعهم على بداية طريق قويم يكفل لهم فوز الدارين الدنيا والآخرة.

وإذا تأملنا في حياة الشباب اليوم وجدنا أن أكثرهم نما وترعرع في غياب شبه كامل للأبوين، فالأب يكدح نهاره وقسطاً من ليله من أجل إطعام الأفواه الجائعة، فإن كان ممن بسط الله لهم في الرزق شغل نفسه بالترف ومفرداته واضعاً أولاده وتربيتهم في آخر سلم أولوياته، وهو أصلاً يتصور أنه ليس ذا دور في تربية أبنائه وأن كل ما عليه ينتهي عند حدود جلب المال وإشباع الحاجات الفيزيولوجية.

والأم خرجت من بيتها إما لعملٍ تعين به زوجها على تحصيل رزقٍ، أو تحقق به ذاتها المسترجلة حتى كأن تربية أولادها ورعاية زوجها لا يكفيان لملء حياتها بالمعاني العظيمة وبالان! جاز المشبع، أو أنها تقضي أكثر وقتها في صداقاتٍ نسائية يفسد اللسان فيها دينها ودنياها وفي الإعداد لجلسات الصديقات ليظهر كرمها الطائي أو في جولات تسوقية يهدر فيها المال دون حساب أو عد.

شباب اليوم مربّوهم الحقيقيون هم الخدم والمربيات والتلفزيون، مع مدرسين في المدارس يبذلون أقل ما يستطيعون من جهدٍ بعد أن شعروا أن ما يأتيهم من تدريسهم وتربيتهم يكاد لا يكفي لإطعامهم خبزاً بمفرده.

ومن آخر ترهات الغرب والناقلين عنه أنهم راحوا يطالبون بأجر للمرأة تتقاضاه من زوجها نظير رعايتها له ولأولادها، ولا أعرف من أي طينة جبلت تلك المرأة التي تطلب أجراً مقابل إرضاعها لوليدها وحنوها على أطفالها، وهل ستحاسب نساؤنا في رعايتهن لرجالهن وأولادهن حسب ساعات عملهن في اليوم أو بأجر مقطوع في الشهر، وهل سينلن مكافآتٍ وحوافز على ساعات العمل الزائدة (الاوفرتايم) وهل سيكون من حقهن المطالبة بيومٍ في الأسبوع كإجازة أو بشهرٍ في السنة يتحررن فيه من أعبائهن ويكون مدفوع الأجر.

شباب اليوم تلقوا تربيتهم عندما كانوا صغاراً في عوالم والت ديزني وباربي، وعندما كبروا قليلاً أصبح المربي زوروا أو الباتمان، وعندما كبروا أكثر أخذوا تربيتهم عن رفقاء الشارع ومعظمهم رفقاء سوء وعن مسلسلات وأفلام تلفزيونية خلعت برقع الحياء مع الكبار فكيف مع الصغار أو المراهقين، وفي ظل غياب المربين الحقيقيين لم يجد هؤلاء الشباب قدوات حسنة يسيرون في هديها فاتخذوا من أقزام من يدعون بالنجوم قدوة ينقلون عنهم حركاتهم وطريقتهم في الكلام وملابسهم وتصريحاتهم القميئة.

أريد لنا أن نحيّد دور المساجد ورجالها في التربية وانحصرت البرامج الدينية في التلفزيون مع فظاظتها وغلظتها وتنفيرها في ساعة أو ساعتين، وعاش أطفال الأمس وشباب اليوم في ألعاب العالم الافتراضي بما فيها من عنفٍ وتشويه لفطرهم، وظنوا أن الحياة التي تستحق أن تعاش هي حياة الشباب الضائع !

والمضيّع في الغرب فلبسوا الممزق وأكلوا الملوث والمصنع وعاشوا حياتهم غرباء عن دينهم وذويهم بعد أن علمتهم التربية الحديثة أن احترام الكبار ضعف وأن توقيرهم خنوع وأن تجاوزهم والقفز فوق نصائحهم هو من قبيل الديمقراطية وقوة الشخصية.

وقد قرأت أحبتي في صحيفة يومية خبراً عن المدارس الثانوية في أميركا واحتجاجها على مغنية بلغت ذروة من قلة الحياء وسوء الأدب في أغنياتها المصورة وقد لمست هذه المدارس تأثر البنات المراهقات بالمذكورة وقدرت خطر ذلك على مستقبل الفتيات،

وأنا لا أذيع سراً إن قلت أن صورة هذه المغنية بعريها الذي تجاوز الحدود تملأ غرف أبنائنا أو تطبع على ملابسهم وهي قبل هذه وتلك تعيش في أذهانهم ومخيلتهم وأحلامهم، والموضوع بما قل ودل انه لما غاب الآباء والأمهات وحيّد دور المساجد تحت عنوان تجفيف منابع الإرهاب وأرهق المدرسون بجهود كبيرة ودريهمات قليلة تحولت حياة أطفالنا وشبابنا إلى مزرعة غاب حاميها فدخل عليها حراميها.

ماهر سقا أميني