اتهمت الغالبية الديمقراطية في «الكونغرس» الرئيس الأميركي جورج بوش بالجهل و تمسكت بمطلب الانسحاب من العراق، مؤكدة أن غزو العراق كان من أفدح الأخطاء في التاريخ الأميركي، حيث حول الجنود الأميركيين إلى رهائن في حرب أهلية ، فيما صب تقرير لـ «سي آي إيه» الزيت على النار بتأكيده «المتشائم» لأداء حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.
في وقت هاجم تنظيم «القاعدة» قريتين سنيتين في ديالى وقتل 30 عراقياً. وتوالت تباعاً ردود الأفعال الأميركية على خطاب بوش «المخفف» تجاه حكومة المالكي الذي ألقاه أول من أمس ، إذ وجه عدد من زعماء الحزب «الديمقراطي» الأميركي نقداً شديداً للخطاب، الذي وصفوه بأنه «دفاع عن سياسة الإدارة الأميركية في العراق».
ورد زعيم الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ هاري ريد على «المقارنة الكارثية بين الانسحاب الأميركي من العراق والذي جرى عقب الانسحاب من فيتنام القرن الماضي» بالقول إن «قرار غزو العراق كان من بين أفدح الأخطاء التي ارتكبت في تاريخ الولايات المتحدة».
وأوضح أن «جنودنا رهائن حرب أهلية، ولم تفلح خطة الرئيس حتى الآن في إيجاد حل سياسي ضروري لاستقرار العراق». وأضاف أن «تغيير الاتجاه قد حان موعده منذ مدة»، مؤكداً أن «الكونغرس» سيواصل المعركة خلال الأسابيع المقبلة من أجل هذا التغيير.
كما اعتبر عضو مجلس الشيوخ، منافس بوش على الرئاسة في 2004 جون كيري أن «الخطاب الرئاسي ينم عن الجهل ويفتقر إلى الحس بالمسؤولية». وأضاف «إذا أراد الرئيس أن يستفيد من دروس فيتنام، فعليه أن يغير المسار، والآن». وطالبت المرشحة الديمقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون البرلمان والشعب العراقيين بسحب الثقة من الحكومة العراقية».
ولم يكن «الكونغرس» وحده «المتشائم» من مستقبل جدوى التواجد الأميركي من العراق أو مساندة حكومة المالكي، إذ كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية عن أن وكالات الاستخبارات الأميركية (سي.آي.إيه) وضعت حصيلة «متشائمة» لقدرات المالكي في التوصل إلى مصالحة وطنية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين أن «تقرير الاستخبارات يعرب عن شكوك جدية ويقدم رؤية متشائمة حول قدرات المالكي على تجاوز الخلافات المذهبية وتوحيد العراق». ويقول التقرير الذي يحمل عنوان «آفاق الاستقرار في العراق» إن «التقدم السياسي الذي أحرز حتى الآن ضئيل، ويعكس تشاؤماً كبيراً حيال إمكانية تحقيق تقدم سياسي في المستقبل»،
ومن استنتاجات التقرير أيضاً أن «التعزيزات الأميركية التي نشرت مطلع العام في إطار استراتيجية بوش الجديدة، التي سيصدر تقويم لها يحظى باهتمام كبير في سبتمبر، حققت نجاحاً محدوداً في خفض مستوى العنف في العراق». إلا أنه حذر في المقابل من انسحاب مبكر من العراق معتبراً مثلما أكد بوش أن ذلك «سيقود إلى مزيد من الفوضى».
وحتى حلفاء الولايات المتحدة رأوا في خطاب بوش علامة لليأس، حيث وصف زعيم حزب «الديمقراطيين الأحرار» البريطاني منزيس كامبيل تصريح بوش بأنه «أكثر من مؤشر على اليأس». وقال إن جهود الرئيس الأميركي لاستخلاص الدعم لموقف أميركا في العراق من تجربتها في فيتنام أو اليابان مسألة «خرقاء وفي غير محلها أيضاً».
ورفض كذلك تصريح الجنرال الأميركي المتقاعد جاك كين بأن القوات البريطانية تفك ارتباطها بمدينة البصرة، وقال إن «السبب الذي يقف وراء الصعوبات التي تواجهها بريطانيا في العراق تتعلق بحقيقة أنها كُلفت بمهمة مستحيلة». وأضاف أن «الإحباط الأميركي لا يُقارن بالإحباط الذي شعرت به القوات البريطانية نتيجة الفشل في وضع خطط مناسبة لمرحلة ما بعد الأزمة في العراق والمضاعفات الناجمة عن إساءة إدارة الوضع هناك».
إلا أن صدى خطاب بوش كان مغايراً في العراق، إذ رأى المستوى السياسي العراق المعارض للمالكي «ضوء أخضر» للتغيير، وتمثل ذلك بدعوة أمين عام منظمة «أنصار الدعوة» النائب مازن مكية البرلمان العراقي لعقد جلسة عاجلة لتقييم أداء الحكومة»، مؤكداً على «ضرورة اتخاذ موقف حاسم على ضوء هذا التقييم إما باستمرار دعم البرلمان للحكومة وإما بسحب الثقة منها».
أما نائب الرئيس العراقي عضو «جبهة التوافق» السنية طارق الهاشمي فتوجه إلى تركيا، في خطوة فسرها مراقبون بأنها «بحثاً عن تحالف إقليمي قوي يدعم سنة العراق في مواجهة التحالف الراعي الجديد بين السنة والشيعة».
وقال ناطق باسم الحكومة التركية «تمت دعوة الهاشمي من قبل رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان»، مضيفاً أن «المباحثات ستتركز حول جميع أوجه العلاقات الثنائية وامن الطاقة وإرساء الاستقرار في العراق».
وأثناء تواجد الهاشمي في أنقرة أجرى أردوغان اتصالا هاتفياً مع المالكي تبادلا خلاله الآراء حول القضايا الثنائية والدولية ذات الاهتمام المشترك إضافة إلى تطورات الأوضاع في كردستان العراق».
وفي بغداد، أطلع الرئيس العراقي جلال طالباني وفداً زائراً من مجلس الشيوخ الأميركي على آخر التطورات السياسية والمحاولات الجارية لإيجاد حلول مناسبة للخروج من الأزمة السياسية الحالية في العراق.
وذكر بيان صادر عن الرئاسة العراقية أن «طالباني اطلع الوفد الأميركي الذي ضم رئيس لجنة شؤون المحاربين القدامى في مجلس الشيوخ روبرت فيلنر وعضو المجلس جون بوزمان والسفير الأميركي في بغداد رايان كروكر على آخر تطورات العملية السياسية ونتائج الاجتماعات التي يجريها قادة الكتل السياسية».
ومع تعقد الخريطة السياسية العراقية، كان لا يزال أيضا الوضع الأمني يثبت صحة عدم نجاح «خطة فرض القانون» المنبثقة عن استراتيجية بوش. وذلك مع تواضع نتائج حملتي «السهم الخارق» و«مارن» اللتين دامتا شهوراً في محافظة ديالى، إذ شن العشرات من عناصر تنظيم «القاعدة» هجوما مفاجئا على قريتين سنيتين مرتكبين مجزرة بحق المدنيين الرافضين للتعاون مع التنظيم كان حصيلتها 25 قتيلا وخطف سبعة أطفال وثمانية نساء.
وقال مدير شرطة بعقوبة العميد علي دليان «قوات الشرطة العراقية وبمساندة كتائب (ثورة العشرين) ولاحقاً قوة معززة من الجيش الأميركي تدخلت لطرد وملاحقة المهاجمين وقتلوا عشرة منهم واعتقال 22».
وعزا مصدر سياسي عراقي هذا الهجوم النوعي للتنظيم المتشدد بأنه رسالة تحذير إلى «كل الزعامات السنية التي ترفض الاعتراف بحكومة (دولة العراق الإسلامية) أو المنضوية تحت لواء الجبهة الجديدة التي شكلتها واشنطن من العرب السنة لطرد عناصر (القاعدة) من مناطقهم».
