الدين الإسلامي دين الرحمة، ويأتي ذلك من واقع ما يأمر به الإسلام أتباعه، ويحضهم عليه. فإنه دائماً يأمر أتباعه بأن يكونوا دائماً على جانب كبير من الرحمة والشفعة والعطف والرعاية لمن يستحق ذلك.
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا مع النبي في بعض غزواته فمر بقوم فقال: من القوم؟ قالوا: نحن المسلمين. وامرأة تحضب ـ توقد ناراً ـ بقدرها، ومعها ابن لها، فإذا ارتفع وهج النار تنحت به فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ـ قالت: أنت رسول الله؟ قال: نعم. قالت: بأبي أنت وأمي، أليس الله أرحم الراحمين؟ قال: بلى. قالت: أليس الله أرحم بعباده من الأم بولدها؟ قال: بلى. قالت: إن الأم لا تلقي ولدها في النار. فأكب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبكي، ثم رفع رأسه إليها فقال: «إن الله لا يعذب من عباده إلا المارد المتمرد، الذي يتمرد على الله، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله».
وجاء في الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وسلم: «إن لله مئة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على ولدها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عبادة يوم القيامة».وكيف لا! ورسول هذه الأمة، قد وصفه سبحانه وتعالى بالرحمة حيث قال: (حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم). وقوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف، والمسخ، والقذف.
وتخرج على يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم رجال الرحمة: صحابته الأبرار، فكانوا خير من رحم، وخير من طبق الرحمة. فقد تعلموا من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». وطبقوا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
ومن صور الرحمة في الإسلام رحمة الفقراء والمساكين والمعوزين فالمسكين المحتاج الذي سدت أبواب العمل في وجهه، وأحوجه الزمان لأن يمد يده للناس يتكففهم ويطلب منهم المعونة أوجب الشارع على المجتمع الإسلامي أن يعطفوا عليه وأن يواسوه ويرحموه ويمدوا إليه يد المعونة والمساعدة فأوجب له حقاً في الزكاة على الغني يقول تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين». فالفقراء والمساكين أول من عنتهم الآية الكريمة فهم أحق الناس بهذا الإحسان وهذا العطاء.
وجعل الإحسان إليهم كفارة عما يرتكبه المخطئ من الآثام، قال تعالى: «لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة).
وقال ـ عليه الصلاة والسلام: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله». بل زيادة في الرحمة به والشفقة عليه، ومدارة لشعوره جعل التصدق خفية ـ إذا لم تكن فرضاً ـ أفضل من التصدق بها علانية، فقد جاء في الحديث «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله».
ومن هؤلاء السبعة «رجل تصدق بصدقة فأخذها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه» حتى لا يتضرر الفقير برؤية الناس له وتحدثهم عنه. وكذلك مدارة لشعوره نهى عن المن في العطية يقول سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى». وقد حذر كل التحذير من انتهار الفقير السائل: (وأما السائل فلا تنهر).
فيكفيه ما هو فيه من الحرمان وإن كان لا بد من عدم إعطائه لسبب أو لآخر فالكلمة الطيبة صدقة، كما جاء ذلك في الحديث فقد يكون السائل صاحب عائلة كبيرة وعليه مسؤوليات ومتطلبات كثيرة فيضطر لمد يديه. وقد أمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعطى السائل ولو كان على فرس، قال: صلى الله عليه وسلم ـ «للسائل حق، وإن جاء على فرس». فقد يكون السائل ليس في حاجة في حقيقة أمره ولكنه في حاجة في هذا الوقت بالذات.
ويوم القيامة يتحسر الأغنياء على تفريطهم وتقصيرهم في حق المسكين، والشيء الملاحظ في هذا الزمان أن كثيراً من الأغنياء ينهرون الفقراء والمساكين ويحتقرونهم ويتذمرون منهم بل قد لا يسلمون من ألسنتهم ويتذرعون بشتى الأعذار فيتهمونه بالاستنكار أو أنهم قادرون على العمل إلى غير ذلك من الإدعاءات لكي يبرروا مواقفهم من عدم إعطاء الفقراء حقوقهم. مع أن هؤلاء ينفقون الملايين في شرب الخمر واللهو واللعب والعبث والتعاسة والشقاء ويستكثرون على هذا المسكين الشيء القليل قد يكون هو وأولاده في أشد الحاجة إليه.
رجاء علي
