أثارت فتوى د.علي جمعة مفتي مصر الخاصة بموت جذع المخ ردود فعل متباينة على الساحة الفقهية في العالم الإسلامي، حيث أعلن في فتواه أن موت جذع المخ مسألة خلافية بين مدارس الطب ولكنه يميل إلى اعتباره موتاً حقيقاً، إلا أنه أوضح أن الأمر فيه بعض الغموض، لأن هناك مدرسة طبية لا توافق على موت جذع المخ، مشدداً على أن المحك في هذا الأمر أن المجامع الفقهية الخارجية اعتبرت أن موت جذع المخ يجعل الإنسان ميتاً، والظاهر أن جمهور الأطباء يعتبرونه موتاً حقيقياً إلا أن هناك مدرسة طبية قوية ترى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من النظر.
د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري أيد رأى المفتي بقوله: إن رأي الفقه الإسلامي واضح وصريح في السماح بنقل الأعضاء إلى من يحتاجها إلا أن الكرة الآن في ملعب الأطباء وعليهم وضع تعريف محدد وموحد للموت حتى يمكن نقل الأعضاء من الميت في الوقت المناسب. وأوضح نجد أنه منذ سنوات اختلفت الآراء الطبية والشرعية حول قضية نقل الأعضاء البشرية من ميت إلى حي وحول حقيقة موت جذع المخ، فبينما أكد فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في فتوى سابقة له أن نقل الأعضاء البشرية من إنسان ميت إلى إنسان حي حرام شرعاً محذراً كل من يفعل ذلك بأنه يحلل ما حرمه الله تعالى وعلته في ذلك بأن الجسد البشري ليس ملكا لصاحبه لكنه ملك لخالقه وإلا لجاز للإنسان أن يقتل نفسه دون أن يعد ذلك إثما عظيما.
ولكن د. يوسف القرضاوي أجاز أن يتبرع الإنسان بعضو من أعضائه بعد موته لإنقاذ حياة إنسان آخر، معللاً رأيه بأن الأصل في الإسلام الإباحة طالماً لا يوجد دليل على تحريم نقل الأعضاء من إنسان بعد موته إلى آخر حي، مؤكداً أن جسم الإنسان ملك الله تعالى وليس ملكا للإنسان، فالمال مثلاً يملكه الإنسان لكنه في الأصل ملك الله ونعمة وفضل منه ومع ذلك نزكي ونتصدق منه.
وأضاف: وقد أفتى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق بعد اعتبار موت جذع المخ موتاً طبيعياً أو حقيقياً وتمسك بالتعريف الشرعي للموت المبنى على الكتاب والسنة. وأشار د. محمد رأفت عثمان أستاذ الفقه المقارن إلى أن سبب الجدل المثار حالياً حول هذه القضية يرجع إلى أن الطب لم يستطع حتى الآن التوصل إلى تحقيق أقصى استفادة من أجزاء أو أعضاء الشخص الذي توفى وفاة طبيعية أو وفاة حقيقية، كالتي نراها ويعرفها الأطباء بالموت الطبيعي إلا في عدة صور قليلة هي:
نقل قرنية العيون والجلد وبعض العظام الرقيقة وصمامات القلب وما عدا ذلك فلم يستطع العلم حتى الآن الاستفادة منه بعد الوفاة الطبيعية، لهذا لجأ كثير من الأطباء والجراحين في الغرب وأخيراً في مصر إلى المناداة بأخذ أعضاء من الشخص الذي أصيب بحالة موت جذع المخ، فيتم استئصال عضو من أعضائه كالكلى أو الكبد ليقوم بدور قطعة غيار لمريض آخر يحتاج إلى مثل هذا العضو التالف عنده وحجة الأطباء في ذلك أن المريض في حالة موت جذع المخ لن يعود للحياة مرة أخرى وإنما قطعاً سيموت.
أضاف: أن هذا الكلام لا نأخذ به شرعاً، لأمرين الأول: أن علماء الطب مختلفون في حالة موت جذع المخ هل هي وفاة حقيقية أو فعلية بمعنى أن المريض لن يعود للحياة بعدها مرة أخرى أم أنها حالة مرضية مازال المريض فيها على قيد الحياة حتى ولو كان تحت أجهزة التنفس الصناعي ولا يجوز العبث بحياته، ولوجود ذلك الخلاف لا يجوز شرعاً الإفتاء بأخذ الأعضاء من شخص لم يثبت يقيناً أنه توفى وفارق الحياة لزرعها لمريض آخر، لأن القاعدة الشرعية أن اليقين لا يزول بالشك.
الأمر الثاني كما يرى د. عثمان أنه على فرضية أن هذا الشخص سيموت يقيناً ولن يعود للحياة مرة أخرى، فهو في حالة احتضار وغير المقبول شرعاً أن نقتل إنسانا يحتضر لنأخذ كبده أو كليته أو أي عضو آخر ليكون بمثابة قطعة غيار لشخص آخر فهو في كل الأحوال مازال على قيد الحياة. د.أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق قال: نقل الأعضاء البشرية من مرضى موت جذع المخ يعد قضية شائكة، فهناك من يقول إن موت جذع المخ يعد موتاً وهذا الرأي محل خلاف بين الأطباء والفقهاء، إلا أن الرأي الأرجح أنه لا يعد موتاً حقيقياً أو كاملاً، لأن بعض أجهزة جسم الإنسان في هذه الحالة تمارس وظائفها.
وأضاف: أما إذا ثبت موت الإنسان نهائياً وبطريقة طبيعية بعيداً عن فرضية موت جذع المخ، فإنه يجوز في هذه الحالة نقل عضو من الشخص المتوفى حديثاً إلى شخص آخر مريض لإنقاذ حياته، إلا أن هذا أيضاً لابد فيه من تحقق شرطين قبل إتمام ذلك أولهما، أن يكون المتوفى قد أوصى بالتبرع بأعضائه أو بعضو منها ويحق للورثة أن يجيزوا ذلك وثانيهما، ألا يكون العضو المتبرع به من الأعضاء التناسلية فهذا محرم شرعاً، وقد رفض د. أحمد عمر هاشم سن قانون أو إصدار تشريع يبيح ويجيز عملية نقل الأعضاء البشرية بين الموتى والأحياء، معتبراً أن هذا لا يجوز وسيفتح الباب للتجارة بالبشر.
أما فيما يتعلق بالجانب الطبي، فأكد د.حمدي السيد نقيب الأطباء المصريين أن رأي المفتي يعد خطوة كبيرة وانتصاراً طبياً كان ينتظره غالبية الأطباء، معتبراً أن موت جذع المخ هو موت كامل، لأن الإنسان لا يرجع بعده إلى الحياة مرة أخرى حتى يحتاج إليها لإنقاذ حياته، مؤكداً أن هناك مشروعاً لقانون في مجلس الشعب من المنتظر مناقشته لإجازة نقل الأعضاء البشرية من الموتى مخيا أو إكلينيكيا إلى أشخاص أحياء.
وعن اعتراض عدد كبير من الأطباء، منهم المتخصصون في المخ والأعصاب على اعتبار مرضى جذع المخ أمواتاً، أشار نقيب الأطباء إلى أن أصحاب الرأي المخالف قلة وأن العبرة برأي الأغلبية وأن هذا القانون يتم تطبيقه في عدد من دول العالم.
وعارض د.شريف عزت أستاذ المخ والأعصاب بطب الأزهر اعتبار هؤلاء المرضى أمواتا، مؤكداً أن هناك حالات كثيرة منهم عادوا للحياة بعد فترة، وأكد أن الذين وضعوا شروطاً لموت جذع المخ في الخارج هم أنفسهم الذين عادوا وتساهلوا فيها وأنهم يضحون بالمرضى من أجل نقل الأعضاء.

