أكد الباحث ياسر السيد المرسي بجامعة الأزهر أن اللغة العربية هي مفتاح الدين الإسلامي، ومن ثم فالعلم بها من الأدوات اللازمة للتبصر به، والتفقه فيه فلا سبيل إلى التفقه في الدين وفهم خطاب القرآن الكريم والسنة المطهرة دون التفقه في هذه اللغة، ومعرفة معهود العرب في خطابهم، فالعربية هي الوعاء الذي حمل تعاليم الإسلام ومبادئه القويمة.

وأشار في أطروحته التي نال عنها من كلية اللغة العربية بالزقازيق درجة الدكتوراه إلى أن تاريخ الإعلام من علماء الدين الإسلامي، ليثبت أنهم بلا استثناء كانوا ذوي دراية واسعة باللغة، وقد اشتهر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله بسعة الإطلاع وعمق الثقافة العربية اللغوية وعرف بين معاصريه بذلك، ووقر في نفوسهم أنه كما وصف المتنبي سيف الدولة الحمداني بعليم أسرار الديانات واللغة، ومن ثم فأقبلوا عليه بشغف يقرأون ويستمعون وأنه نال لديهم الخطوة والمكانة.

وأشار المرسي في رسالته التي جاءت بعنوان «الخطاب الديني عند الشيخ محمد الغزالي دراسة لغوية تحليلية» إلى أن من الأسباب التي دفعته إلى البحث في هذا الموضوع سعيه وراء استظهار مدى إفادة الشيخ الغزالي من اللغة ومسائلها في خطابه الديني وكيفية توظيفها لإقناع المخاطبين، حيث إن خطابه الديني يتميز بالخصوبة اللغوية الدالة إلى ثروة دلالية، وكذلك دفعه إلى دراسة هذا الموضوع ما للحظة من إحكام لغوي عند الغزالي، وما يشير إليه ذلك من إلمام واسع بخصائص اللغة وأسرارها، وفي ذات الوقت إغفال الباحثين لجانب مهم من جوانب عبقرية هذا المجدد، وهو الجانب اللغوي.

وقال: وربما يكون ما دفعني لاختيار هذه الإشكالية الرغبة في تكريم هذا الداعية، الذي أمضى حياته في الجد والتحصيل والدفاع عن الشريعة الإسلامية واللغة العربية ضد مطاعن المبطلين من المستشرقين وغيرهم، وقد اتبعت في بحثي المنهج الوصفي التحليلي، الذي يقوم على ملاحظة الظاهرة اللغوية في الخطاب الديني عند الشيخ محمد الغزالي وجمع نصوصها في مكان واحد ومناقشتها والتعليق عليها في ضوء ما تيسر من كتب اللغة وغيرها من كتب فن الخطابة.

وأضاف: حرصت في بحثي على تخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والآثار والأشعار والأمثال وضبط الكلمات الغريبة وشرحها والترجمة لبعض الأعلام وتوثيق نقول الشيخ الغزالي ما أمكن على كثرة مصادره ومراجعه، واختلاف أنواعها إذ لم يكن يعني كثيراً بهذه الناحية وهذه هي إحدى أهم الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث.

وشدد المرسي على أن ما يبدو جلياً في خطاب الغزالي من اختيار دقيق للصيغ يوافق سياقاتها ويناسب تراكيبها وأن إيمان هذا الشيخ الجليل بالدور الكبير للغة يبدو في ضرورة ترابط أبنائها وتجمعهم، ومن ثم فهو بذلك من أنصار المدرسة اللغوية الاجتماعية، مشيراً إلى أن اللغة العربية لغة اشتقاقية يتغير فيها المعني بتغير الحركة عادة فلا يناسبها الرسم بحروف لغة كاللغة اللاتينية التي لا يتغير فيها المعني بتغير الحركة غالباً.

وأوضح الباحث في رسالته الجامعية أن تطابق النص تماماً في اللغتين المترجم عنها والمترجم إليها أمر لا يمكن تحقيقه لأن كل لغة نظامها في بناء جملها، وأخيلتها وصورها، ومن ثم كانت ترجمة القرآن الكريم ترجمة لفظية إلى لغة أخري غير العربية أمراً غير ممكن ولا جائزاً شرعاً، بخلاف ترجمة معناه ومحتواه.

جاءت الرسالة في ثلاثة أبواب قدم لها الباحث بكلمات أوضح فيها ضرورة دراسته ومدى إمكانية الدعاة منها، والباب الأول خصصه الباحث للتعريف بالشيخ الغزالي وخطابه الديني واحتوى على ثلاثة فصول وهي بسيرة الشيخ الغزالي والخطاب الديني تاريخ وتطور، وسمات خطابه الديني.

وجاء الباب الثاني بعنوان «من قضايا اللغة ومشكلات العربية وتكون من سبعة فصول وهي: اللغة الإنسانية طبيعتها وظيفتها ونشأتها، والكتابة العربية أو الخط العربي وفي جمع القرآن الكريم والرسم العثماني، وقضية الفصحى والعامية، والتصحيح اللغوي وتعريب التعليم الجامعي، وأخيراً النهوض باللغة العربية وتعليمها لغير الناطقين بها.

أما الباب الثالث من الرسالة فخصصها الباحث ياسر المرسي لدراسة المستويات اللغوية في الخطاب الديني عند الشيخ الغزالي، وتحدث في الفصل الأول عما ورد فيه من قضايا صوتية كانتقال الصوت اللغوي وإدراكه وصوتي القاف والجيم بين الفصحى واللهجات، وكسر أوائل اللفظ، والدلالات الصوتية لبعض الأصوات، وطول الصوت اللغوي والأداء القرآني، وفي الفصل الثاني تناول القضايا البذيئة وأخيراً ناقش في الفصل الثالث القضايا اللغوية الدلالية.

جديراً بالذكر أن هذه الدراسة أنجزها الباحث بإشراف كل من د.إبراهيم أبو سكين ود.محمد رياض السيد كريم، وناقشه فيها كل من د.يحيى محمود على الجندي ود.محمد متولي منصور وجميعهم أساتذة لأصول اللغة بجامعة الأزهر الشريف، وأنه بعد مناقشة علنية استمرت عدة ساعات تم منح الباحث درجة الدكتوراه في أصول اللغة بمرتبة الشرف الأولى، والتوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة وتداولها مع الجامعات الأخرى.

القاهرة ـ رمضان أبو إسماعيل