قال الشيخ: أمثال شباب اليوم الذين يعيشون في عمى وصمم الحب والعشق وأندادهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته هم الذين دعوا إلى الإسلام ونصروه وتحملوا في ذلك المشاق العظيمة والبلاء الكبير، ولكن ماذا يفعل شباب اليوم إذا كان الإعلام يَزن على آذانهم منذ صغرهم داعياً لهم إلى ما يصوره لهم على أنه أشرف العلاقات في الوجود أو مثيراً لغرائزهم وشهواتهم حتى يكاد الواحد منهم كالجمرة المشتعلة، أقل النسمات وأضعفها يزيدها احمراراً وتوهجاً.
يجيب كثيرون من الشباب على تعليقنا هذا: وهل نحن كصحابة رسول الله؟ وهل يعيش بيننا اليوم نبي مرسل؟ فأما السؤال الأول فإجابته: وماذا يضيركم أن تقتدوا بالصحابة حتى لو أتيتم بعشر عزائمهم وهممهم وجهادهم الأصغر والأكبر؟ وأما السؤال الثاني فإجابته: لقد ترك لنا الرسول الأعظم ما إن تمسكنا به لا نضيع أبداً كتاب الله وسنته عليه الصلاة والسلام.
ونحن اليوم لا نعدم من العلماء وورثة الأنبياء من إن عشنا معهم وأخذنا عنهم واقتدينا بهم نجونا كما نجا قوم نوح في سفينته التي حفظتهم من الطوفان، والأمر لا يحتاج منا إلى أكثر من قصد وعزم ثم ييسر لنا الله لليسرى، وبهذا لا نستطيع تبرئة الشباب وذويهم من المسؤولية بكاملها وقد رأينا ونرى شباباً كل يوم يشغلهم سعيهم فيما يرضي الله وفيما يخدم عيال الله عن مرارات العشق وعوالمه الضائعة والمضيعة.
ثم ماذا يفعل الشباب اليوم بعد أن يتجاوزوا الثلاثين أو الأربعين فتنطفئ جذوة العشق بداخلهم ويزهدون بما كانوا مغرمين به ليلهم ونهارهم؟ ستتلاشى المعاني التي كانوا يرونها عظيمة تستحق أن تحتل أكثر مساحات تفكيرهم ومشاعرهم هذا إن لم يفاجئهم الزواج ممن يحبون بإنسانية وواقعية من أحبوه وبتحطم وانهيار تمثال الحب الذي كانوا يمضون أيامهم في عبادته والتسبيح بحمده ـ استغفر الله ـ.
قال الشيخ: تشفق أحياناً على شباب اليوم وكل ما حولهم ينطق باسم الحب ويغرقهم فيما لا يسمن ولا يغني من جوع من حالات العشق وعماه وصممه. وتأخذ عليهم أحياناً أخرى فقدانهم الاحساس والتفكير بما هو أجدى وأنفع لدنياهم ودينهم، وقد أنعم الله علينا وينعم في كل زمان ومكان برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه من شأنهم أن يغنوا حياة الشباب بالمعاني الجليلة والعظيمة، وأنت بين الاشفاق عليهم ولومهم ومؤاخذتهم حائرٌ إلى أية جهة تميل أكثر سيما أن النار قد بدأت تشب بديارنا وأن العدو قد صار في عقر دارنا وأننا أصبحنا مرشحين بامتياز لعصر رق جديد نتحول فيه جميعاً إلى عبيد وإماء لا يملكون حريتهم وكرامتهم.
وقد ذكرت لكم قبل ذلك أنه ما إن وضعت الحرب أوزارها وسقطت بغداد في قبضة المحتل حتى عاد الناس إلى هرجهم ومرجهم، ولغطهم وغلطهم، حتى تكاد تشعر أنك ضيعت الحقيقة فنحن واعلامنا نتصرف تصرف المنتصرين الفرحين ونحن على أعتاب عصر عربي من الذل والهوان، ولكن ماذا تفعل وقد علا صوت المغنين الضائعين والمضيعّين على صوت المعركة وصوت بكاء المهزومين وندبهم على ضحاياهم، ماذا تفعل وقد عاد الاعلام والناس معه إلى مسابقات ملكات الجمال وبرامج المنوعات التي يستضاف فيها الأقزام من نجوم هذا الزمان ممن يتسابق الشباب على الاتصال بهم وسؤالهم عن آخر مشاريعهم الفنية وعن آخر حفلات قاموا بها، والناس من حولهم سكارى لا يستطيعون السيطرة على أجسادهم التي تهتز وتتراقص طرباً وضياعاً.
وإنني لا أستطيع التجاوز عن مسؤولية أولي الأمر فيما سمي بتجفيف منابع الإرهاب حيث أغلق من أبواب الخير أضعاف ما أغلق من أبواب الشر، بل لعلي أزعم أن إغلاق الأبواب الأمامية المشرّعة الواضحة لكل عينين للدعوة والتعليم الشرعي قد كان سبباً في فتح أبوابٍ خلفية للإرهاب وفكره، وأن إبعاد العلماء وتحييدهم وملاحقتهم وسجنهم قد ترك الشباب بدون مرشد ناصح يقيهم من السقوط لقمةً سائغة في فم الإرهاب والتكفير والعنف الذي تجاوز كل الحدود حتى انقسم شباب الأمة إلى ضائعين في دروب الهوى ومكفرين يشهرون سلاح الإرهاب في وجه مجتمعهم معبرين بجنوحهم نحو الإرهاب عن كل إحباطات الدنيا مع غياب العالم الرشيد.
ماهر سقا أميني