وسط تصاعد مشكلة الازدحام المروري في دبي تتزايد الدعوات من أجل البحث عن حلول جذرية للمشكلة. ورغم الجهود الرسمية المتواصلة لمواجهة هذه المشكلة إلا أنها مازالت تطرح نفسها وبقوة. ويعلق البعض الكثير من الآمال على إمكانية مساهمة المواصلات العامة في التخفيف من الإزدحام جراء ما يمكن أن تؤدي إليه من الحد من الاعتماد على السيارات الخاصة الأمر الذي يمكن أن يؤدي في التحليل الأخير إلى تراجع ملموس في أعداد السيارات المستخدمة وبالتالي التخفيف من المشكلة الأساسية وهى الازدحام.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذه الرؤية التي قد تبدو متفائلة هو: إلى أي مدى يمكن أن تسهم المواصلات العامة في دبي بوضعها الحالي في تحقيق هذا الحل؟ وإذا كانت لم تنجح على مدى سنوات فهل تنجح في الفترة الحالية دون اعتماد سياسات خاصة لإنجاحها؟
هذا التحقيق محاولة للغوص في تفاصيل هذه القضية التي باتت تؤرق مختلف سكان دبي والعابرين من خلالها من سكان الإمارات الأخرى في محاولة لوضع النقاط على الحروف من خلال آراء عدد من أطراف القضية.
في رأي المهندس إبراهيم شريف بالسلاح رجل الأعمال والذي تولى مسؤولية المواصلات العامة خلال عمله في بلدية دبي أن المواصلات ترتبط ارتباطا مباشرا بالاقتصاد والتنمية في المجتمع ولها تأثير على الحياة الاجتماعية والصحية والأخلاقية ولا تنفصل عن نشاط أي مدينة في العالم وحياة الأفراد فيها سواء كانت تلك المواصلات تنقل بشر أو سلع، فنحن نتعامل مع أنواع متعددة من المواصلات لنقل البضائع المختلفة وهو ما يؤثر على الإنتاج. وأضاف أنه بالنسبة للأفراد فإن كل فئات المجتمع تتعامل مع المواصلات وبالتالي يجب توفير مواصلات تخدم كل الفئات.
تخطيط شبكة مواصلات
بالنسبة لدبي نجد أن التركيز الأساسي ينصب على استقدام السيارات الخاصة سواء للأفراد أو البضائع وقد أوجد النمو السريع الحادث في الإمارة ضغطاً كبيراً على الشوارع مع زيادة عدد السيارات. ويضيف أن المطلوب هو تخطيط شبكة مواصلات تراعي التوسع العرضي في المدينة لأن الموجود حاليا هو خطوط مواصلات طولية.
ويضيف بالسلاح أن مفهوم المواصلات العامة لا ينحصر فقط في الحافلات فقط وإنما هو إدارة عامة، ويرى أن المواصلات العامة في دبي متمثلة في الحافلات تتوفر فيها أفضل المواصفات العالمية لكن تستلزم أمور أخرى، فمثلا ليست هناك المواقف المناسبة. ولابد من إدارة الحافلات بشكل علمي وإعادة النظر في خطوط المواصلات مرة أخرى، فلو نظرنا للخطوط الحالية نجد أنها صممت للشوارع الرئيسية فقط دون الداخلية.
إضافة إلى ذلك ندرة أماكن المشاة فمثلا لو نظرنا إلى شارع الشيخ زايد نجد أنه لا يتوفر به معبر للمشاة من سيح شعيب إلى المركز التجاري العالمي، وهو ما يعني أن ثقافة المشاة غير متوافرة واستخدام الشوارع للمشي غير متوفر، إذن لابد من تخطيط الشوارع بشكل يشجع على المشي بتوفير أرصفة للمشاة وأماكن للعبور وأماكن مظللة للاستراحة مثل باقي مدن العالم المتقدم.
ويطالب بالسلاح بحل آخر يتمثل في تشجيع استخدام الدراجات الهوائية وتخصيص أماكن للدراجات فهناك مدن عالمية تشجع ذلك وتوفر خطوط واضحة لسير الدراجات فقط وهو ما يوفر استخدام السيارات الخاصة ويقلل من الزحام ويقلل من الحوادث والوفيات ويحافظ على البيئة.
المترو.. جزء من الحل
ما نريده هو تخطيط جيد للمواصلات يخلق طابع المدينة بين الناس يكون له دور اجتماعي وأمني. أما بالنسبة لمترو دبي فهو جزء من المواصلات وليس الحل الشامل وهذا الجزء يجب أن يكون في إطار حل متكامل. التركيز على الحلول البسيطة يمكن أن يساهم في الحل فليس من المعقول أن تظل دبي مدينة «هاي واي» فقط.
وفي إطار استعراضه للحلول يرى بالسلاح أنه يجب تشجيع الناس على استخدام المواصلات العامة بتخصيص مسارات خاصة للمواصلات على الطرقات بالتالي يسهل من حركتها ووصولها إلى أماكنها بسرعة وهو ما يشجع الناس على ارتيادها، كما يمكن الاطلاع على تجارب الدول الأخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية في تحويل السيارات الخاصة إلى وسيلة مساهمة في النقل الجماعي بتخصيص مسارات خاصة سريعة للسيارة التي تقل أربعة أفراد وإعفائها من رسوم العبور على الطرقات. كما لابد من إعادة النظر في إجراءات الحصول السهل على السيارات وبالتالي لابد من إعادة تخطيط الشوارع الحالية، والتخطيط السريع يحتاج إلى إعادة النظر في الخطط بشكل سريع كل ستة أشهر في ظل التطور العمراني الحالي.
ويري أبوسالم موظف متقاعد أن مواعيد حافلات النقل العام تتوفر في الأماكن المخصصة لانتظار الحافلات على مختلف الشوارع والمناطق، موضحا أن الحافلات لديها جدول زمني معين وخط سير وسعة محددة للركاب تلتزم بها، إلا أن هناك بعض الحالات التي يطرأ عليها تغير ما مثل الازدحام المروري الذي يعطل من الوصول إلى المكان المقصود في الوقت المحدد، وذلك ما يحدث غالبا في ساعات الذروة وفي أيام الإجازات في الأماكن التي يزداد فيها أعداد الآسيويين.
إذا كانت هذه رؤى خبير بالقضية كان له دوره في محاولة طرحها موضع التنفيذ، فإن السؤال هو ما هي رؤى الجمهور صاحب الشأن الأساسي والذي تبذل الجهود من أجل راحته. من حصاد جولة عامة قمنا بها يمكن القول أن شريحة كبيرة من الجمهور تعرب عن استعدادها لاستخدام المواصلات العامة في دبي في حال توافر الاحتياجات التي تلبي رغبتها في الانتقال بشكل سريع ومريح إلى مواقع عملها.
تقليل زمن التقاطر
وخلال لقاءاتنا طالب عدد كبير من الجمهور بضرورة توافر شبكة مواصلات تغطي كافة أنحاء الإمارة ومراعاة التطور العمراني والسكاني في دبي بحيث تكون تلك المواصلات على مدار الساعة ولا يكون الفارق بين الحافلة وأخرى كبيرا.
وأوضح الجمهور أن المشكلة تتمثل في أن نسبة كبيرة من العاملين في دبي تقطن الإمارات المجاورة في دبي بالتالي لابد من تخصيص خطوط مواصلات ومواقف للسيارات بحيث يتمكن عدد كبير من الجمهور من الانتقال عبر تلك المواصلات. وقالوا «لابد من توعية الجمهور بخطوط المواصلات وتوفير سبل الراحة فيها ومراعاة ظروف الطقس».
واعترف عدد كبير أنهم لا يعرفون أرقام أو أماكن الحافلات في دبي رغم إقامتهم الطويلة في الإمارة لعدم وجود تشجيع وتحفيز للناس باستخدامها مع الإجراءات والخطوات الأخرى التي تقلل من الاعتماد على المركبات الخاصة.
يقول رامز أبوزيد ـ موظف بإحدى شركات التأمين في دبي ـ لم استخدم المواصلات العامة في دبي سوى مرة واحدة على مدار 15 عاماً، لأن الخطوط العامة لا تصل بشكل سريع إلى مكان العمل إضافة إلى عدم وجود وسائل مساعدة أو جسور لعبور المشاة في المسارات الرئيسية.
خدمة شريحة أكبر
ويضيف «لابد من إعادة التخطيط لشبكة المواصلات العامة في دبي لخدمة أكبر شريحة من السكان وليس في الشوارع الكبيرة فقط وإنما في الشوارع الفرعية أيضاً وألا تنحصر وسيلة المواصلات من نقطة إلى أخرى فقط».
أما يعقوب تهتموني موظف في بريد الإمارات فيرى أن حالة الحافلات العامة جيدة للغاية من ناحية التجهيز لكن المشكلة في الوقت الذي تستغرقه في الرحلة الواحدة، واقترح أن تكون هناك خطوط مباشرة دون توقف في الرحلات الطويلة بعد التوسعات العمرانية في دبي.
لكن المشكلة الأكبر تتمثل في الازدحام المروري على طريق دبي الشارقة وحبذا لو كانت هناك خطط مستقبلية تراعي وجود خطوط مواصلات مؤدية إلى الشارقة، وهو ما يستدعي التنسيق الكامل مع إمارة الشارقة. النقطة الأخرى هي تخصيص خطوط خاصة للعمال.
ويؤكد يعقوب أنه في حالة توفر ناقلات عامة وبمواصفات جيدة وتدار بواسطة نظام مؤسسي فسوف أكون أول من يستخدم تلك المواصلات، فدولة الإمارات دولة متكاملة في كل شيء ومواجهه أي ازدحام لا بد أن يكون متكاملاً.
زيادة محطات الحافلات
أما أحمد دياب ـ موظف علاقات عامة في شركة محاماة ـ فيطالب بوجود محطات حافلات كبيرة في المناطق والميادين الرئيسية يتمكن من خلالها الجمهور من الانتقال بسهولة إلى أماكن أعمالهم بشرط توفير أماكن وساحات انتظار للسيارات بجوار تلك المحطات، وتوضيح خطوط سير تلك المواصلات وأرقامها وتخصيص أماكن للعائلات داخل الحافلات.
أما عادل.... مواطن يعمل في دبي ويسكن في الشارقة فيقول نتمنى أن تكون هناك مواصلات عامة للعائلات وخاصة المواطنة. ويتفق مع باقي الآراء على ضرورة تكامل شبكة المواصلات سواء كانت حافلات أو عبرات عبر الخور. ويرى أنه يجب إجراء استطلاع رأي بين الجمهور وخاصة الموظفين العاملين في المؤسسات الحكومية والمنشآت الكبيرة بشأن استخدام المواصلات العامة وبالتالي توسيع شبكة المواصلات الحالية لخدمة تلك المصالح.
من جهته يوضح محمد أكبر موظف أن الحصول على مقعد في حافلات النقل العام بات أمراً صعباً وبخاصة في الأماكن الحيوية التي تشهد ازدحاماً دائماً مثل منطقة سوق نايف والسبخة وشارع الشيخ زايد عند المركز التجاري، حيث تمر الحافلات وهي مليئة بالركاب، مما يضطرنا إلى المشي لمسافات طويلة للوصول إلى المحطات الأخرى أملاً في الحصول على مقعد.
تحقيق: عادل السنهوري، نادية إبراهيم، خولة محمد، مصطفى الزرعوني
