جاءت كلمة الميزان في كتاب الله العظيم في الآيات الكريمة بصور متعددة ومعاني مختلفة وأول هذه الآيات التي أشارت إلى الميزان النفسي ما جاء في سورة القارعة الآيات 6و 7و 8و 9 (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية. وأما من خفت موازينه فأمه هاوية) صدق الله العظيم.

فهنا الموازين تشير إلى الأعمال التي يعملها الإنسان في دنياه سواء كان حاكماًَ أو محكوماً فإذا كانت أعماله المسجلة من الرقيب العتيد أعمال خير بدءاً من تنفيذ قواعد الإسلام الخمسة مع العمل الصالح ثم قام بتنفيذ تعليمات السنة الشريفة مع البشر ثم استأنس برأي الأئمة الأربعة فسيكون بمشيئة الله تعالى في عيشة راضية وأما من كانت أعماله المسجلة من الرقيب العتيد أعمال شر ورجحت كفة أعمال الشر على أعمال الخير وابتغى غير الإسلام ديناً فقد خسر الدنيا والآخرة وهو ما أشارت إليه الآية 85 في سورة آل عمران (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) صدق الله العظيم. وكما جاء ذكر الميزان في سورة الأعراف آية 8و 9 (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) صدق الله العظيم.

وتشير هذه الآيات الكريمة إلى أن الأعمال على نوعين العمل الصالح يثقل الميزان وفي الكفة الأخرى العمل الطالح الذي يسحب من وزن العمل الصالح ولا هروب لأي شخص من أعماله لأن سمعهم وأبصارهم وجلودهم ستشهد عليهم وهو ما أشارت إليه الآية 20 من سورة فصلت (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون) صدق الله العظيم. هذه الآيات السابق ذكرها أشارت إلى ميزان الحياة مع الناس فالحساب قائم من لحظة بلوغ سن الرشد حيث يعتبر عقل الإنسان هو يد الميزان التي توزن وتفرق به بين الخير والشر ثم أن كتاب الله العظيم وهو القرآن الكريم كتاب هداية واهتداء وما علينا إلا أن نتدبر ونتفهم ما جاء فيه من آيات بينات أشارت إلى الميزان النفسي.

أما الميزان العلمي فإن كل ما يدور داخل المجموعة الشمسية يتم بميزان علمي وإلا تصادمت الكواكب مع الأقمار وتصادم الجميع مع الشمس وهذا ما لا يحدث إلا عند قيام الساعة, فالقانون الشامل داخل مجرة درب التبانة بل داخل الكون العظيم هو ما جاء في أكثر من آية (كل في فلك يسبحون) صدق الله العظيم، وهذه الأفلاك التي تدور فيها كل المخلوقات الكونية محكمها الموازين أي القوانين الإلهية المسخرة والمستمرة إلى يوم القيامة ويقوم علماء اليوم من الكفار بدراسة هذه الموازين الكونية لعلهم يؤمنوا بالله الصبور.

المكيال والميزان

يا الله يا كريم يا عدل يا قيوم لم تترك كبيرة ولا صغيرة إلا جاءت في كتابك العظيم إنه هو القرآن الكريم جاء لنهتدي به في ظلمات البر والبحر والجو, فقد زادت شرور الناس وأصبح الظلم هو الصفة الغالبة على كثير من الناس ولكن الله لهم بالمرصاد فليطمئن المستضعفون في الأرض بأن الله الكبير المتعال كفيل بهم وكفيل بما هو دون الذرة وكفيل بما هو أكبر من المجرة فهو الكفيل بكل شيء داخل وخارج هذا الكون العظيم لأن الله هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.

وأشارت أكثر من آية كريمة للتحذير من خسران المكيال والميزان وأول هذه الآيات ما جاء في سورة المطففين الآيات 1و 2و 3 (ويل للمطففين. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) صدق الله العظيم. وكذلك ما جاء في سورة الرحمن آية 9 (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) صدق الله العظيم. ويعتبر تسخير الميزان نوعاً من أنواع السرقة المختفية داخل الميزان, ولما كانت السرقة حداً من حدود الله فإن الخسران في المكيال يكون حسابه عسيراً, ولقد كان أهل مدين ينقصون المكيال والميزان ولا يعطون الناس حقهم وهو ما أشارت إليه الآية 84 في سورة هود (ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير واني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) صدق الله العظيم.

وهكذا نرى الخسران في المكيال والميزان رذيلة تمس نظافة القلب واليد، كما أنها تمس الشرف والأمانة، ولم تكن علة أهل مدين هي خسران الميزان فقط، بل كانوا كفاراً يقطعون السبيل ويعبدون الأيكة (وهي شجرة من الأيك)، فلما جاءهم سيدنا شعيب بالحق وان عليهم بعبادة الله وحده ولكن أهل مدين سخروا واستهزءوا بما جاءهم به نبي الله ورحوا يطالبونه بأن يسقط عليهم كسفاً من السماء إن كان من الصادقين عن عذاب الله، أين هو؟ وأين عذابه؟ وأوحى الله إلى سيدنا شعيب أن يخرج بالمؤمنين وجاء أمره تعالى بنص الآية 94 من سورة هود » وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ « صدق الله العظيم.

إنما ما هي إلا صيحة واحدة جاءتهم من غمامة أظلتهم وفرحوا بما تصوروا أنها تحمل إليهم المطر ولكنهم فوجئوا بأنهم أمام عذاب عظيم. وانتهى أمر أهل مدين فقد أدركتهم صيحة جبارة جعلت كل واحد فيهم يجثم على وجهه في مكانه الذي فيه في داره فصعقت الصيحة كل مخلوق حي ولم يستطع أن يتحرك أو يجري أو يختبئ مجثم في مكانه مصروعاً بالصيحة، وكانت هذه هي الصيحة الثانية، حيث كانت الصيحة الأولى في قوم ثمود والتي صعقتهم جميعاً إلا الذين آمنوا مع سيدنا صالح.

وهكذا نرى أن القرآن الكريم لم يترك شيئاً قط إلا جاء ذكره. تعرف الصلاة بأنها الصلة الرئيسية بين العبد والخالق عز وجل وأن الصلاة عماد الدين وأن من أقام الصلاة في أوقاتها فقد أقام الدين كله، ففي الصلاة نجد الشهادتين تتلوها أكثر من مرة (وهي الركن الأول) ثم أنك بالصلاة تصلي وهي الركن الثاني ثم أنك صائم أثناء الصلاة، فأنت لا تأكل ولا تشرب ولا تتكلم في غير آيات الله وهي الركن الثالث، وإنك تزكي بوقت الراحة لتقيم الصلاة وهي الركن الرابع، ثم إنك تتجه في صلاتك إلى القبلة وكأنك روحياً مع الحجيج، وهو الركن الخامس باتجاهك شطر المسجد الحرام في صلاتك.

وقد حدد علماء الفلك أن اليوم داخله ميزان شمسي وهو الفترة ما بين شروق الشمس والظهر إلى فترة ما بين الظهر وغروب الشمس وتكون نقطة الميزان هنا الظهر، حيث يجب أن تتساوى الفترتين بكل دقة ويطلق على هذا النهار بالنهار الظاهري.

ثم يوجد الميزان الضوئي وهو الفترة ما بين الشفق الفلكي الصباحي وذلك بوجود الشمس الظاهرية أسفل الأفق من جهة الشرق بمقدار 18 درجة وهذا الخط يعرف باسم الفجر الصادق، وهو يعتبر الطرف الأول للنهار, أما الطرف الأخير من النهار فهو الغسق والذي تقام عنده صلاة العشاء، وذلك حينما تكون الشمس الظاهرية عند الشفق الفلكي المسائي بوجود الشمس الظاهرية أسفل الأفق من جهة الغرب بمقدار 18 درجة ويطلق على هذا النهار اسم النهار الفلكي وتقع داخله الصلوات الخمس وهو ما أشارت إليه الآية 114 في سورة هود: »وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ« صدق الله العظيم

وقد اختار علماء المسلمين في تحديد الصلاة الوسطى نبراساً لما جاء في سورة البقرة آية 238 »حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى« صدق الله العظيم

فالصلاة الوسطى هي ميزان الصلوات وقد أفاد بعض الفقهاء بأن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى، وذلك باعتبار أن اليوم الشمسي يبدأ من منتصف الليل، حيث تكون الصلاة الأولى هي صلاة الفجر، والثانية هي صلاة الظهر، وبالتالي تكون صلاة العصر هي الصلاة الوسطى بين الخمس صلوات، ولكن أفاد آخرون بأنها صلاة الفجر، معززاً في ذلك بآيتين الآية الأولى قسم من الله عما جاء في سورة الفجر في الآية الأولى »وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ« صدق الله العظيم

وفي سورة الإسراء آية 78 »إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا« صدق الله العظيم

وحيث أن الأصل في بداية اليوم الغروبي وهو اليوم عند العرب الأوائل هو غروب الشمس، فتكون الصلاة الأولى هي صلاة المغرب والثانية هي صلاة العشاء ثم تكون الوسطى هي صلاة الفجر. السماء الدنيا جزء لا يتجزأ من الأرض وهو ما أشارت إليه الآية 30 من سورة الأنبياء »أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما...« صدق الله العظيم.

وقد فسر العالم أبن كثير هذه الآية الكريمة (بأن الجميع كان متصلاً بعضه ببعض متلاصقاً متراكماً بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر ففتق هذه فجعل السماوات سبعاً والأرض سبعاً وفصل بين السماء والأرض بالهواء).

وهذا التفسير حقيقة علمية يعلمه علماء الفضاء اليوم إذ أن كوكب الأرض يتكون من جزأين حيث الجزء الأول هو السماء الدنيا نرى على صفحتها النجوم والكواكب والشمس والقمر والنيازك والمذنبات وجميع المخلوقات الكونية أما الجزء الثاني فهو صلب وهو الأرض ولكن هذه الصلابة فقط على سطحها الخارجي أما في داخلها فهي مملوءة بالمعادن المنصهرة ونراها حينما تقذفها البراكين كالحمم فهي معادن سائلة تبلغ حرارتها ما يزيد على 2000 درجة ولقد وضع الله العلي القدير ما بين السماء مرفوعة دون أن تسقط علينا أو تطير في الفضاء الخارجي.

وهذا الميزان ما هو إلا ملايين القوانين الكونية المسخرة لتحتفظ بمكانها وارتفاعها فوق سطح الأرض وفوق سطح البحر ولننتبه إلى ما جاء في سورة الرحمن (والسماء رفعها ووضع الميزان) صدق الله العظيم. وهكذا خلق الله الخالق العظيم الميزان الذي يرفع السماء ان الله العالم الخبير فهو يعلم انه بانتهاء السماء سواء انشقت أو كشطت أو فرجت فإنها انتهاء الحياة لجميع الخلائق على كوكب الأرض وهذا الأمر يعرفه جميع علماء الفلك والفضاء والفيزياء لأن السماء الدنيا هي السقف المحفوظ الذي يحفظ بخار الماء من التسرب خارج السماء حتى يعود إلينا كماء عذب تشربه جميع الخلائق إذ أن قانون الحياة هو ما جاء في آية 30 سورة الأنبياء ».. وجعلنا من الماء كل شيء حي...« صدق الله العظيم.

وبالتالي بدون الماء تنتهي جميع أنواع الحياة على كوكب الأرض سواء في ذلك عالم الإنسان أو عالم الحيوان أو عالم النبات أو عالم البحار كلها تخضع لقانون واحد وهو وجود الماء وقد اكتشف العلماء حديثاً أن السماء الدنيا تمسك بواسطة أعمدة مغناطيسية قوية فإذا ضعفت قوتي المغناطيسية فإنها ستكون الكارثة الكونية وستكون نهاية الحياة على كوكب الأرض قد ذكر الله العلي العليم رمزاً لهذه الأعمدة في آيتين حيث جاء في سورة الرعد الآية 2 »الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها...« صدق الله العظيم.

قاسم لاشين