في صحيح البخاري باب بعنوان (باب العلم قبل القول والعمل) ... فإذا علمنا أن النميمة محرمة بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت على تحريمها الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وأنها كبيرة من كبائر الذنوب.
فيجب إذا رأى الإنسان من نفسه إيذاء لأخيه المسلم أو أخته المسلمة بالغيبة أو بالسبّ أو بالكذب أو غير هذا، فليعرف أن في إيمانه نقصاً و في أخلاقه ضعفاً، وأن قلبه قد داخله مرض. من آثار النميمة التَّفرقة بين الناس، وقلق القلب، وعارٌ للناقل والسامع، وهي حاملة على التجسُّس لمعرفة أخبار الناس، حاملة على القتل، وعلى قَطْع أرْزَاق النَّاس. وبالرغم من أن التكفير عن ذنبها ليس بالأمر السهل إلا أنه لا رادع لوقفها؛ فقد اختلفت العلماء في توبة الغيّاب والقاذف في حق الآخرين؛ فاشترط بعضهم لكي تصبح توبته أن يعلم صاحب الحق بما ارتكبه في حقه ويطلب صفحه عنه.
وقال بعضهم: إنه يجب عليه أن يعلمه بكل ما قذف به في حقه ويطلب عفوه، وقال آخرون: بل يخبره بغير تعيين لما قاله ضده أو تفصيل كأن يقول له: سامحني فيما اغتبتك فيه أو سببتك به. وقال علماء غيرهم: إن إعلام المقذوف في حقه لا يحقق أي مصلحة؛ لأن علمه بما أوذي به لن يزيده إلا أذى وحنقاً وغماً، وقد كان مستريحاً من كل ذلك من قبل، وربما كان ما يعرفه عن ذلك سبباً للعداوة بينه وبين من اقترفه ضده فلا يصفو له.
ولذلك فقد يكون الأفضل إلى حفظ الحرمات هو انتهاء المرء عما فعل، على أن ينتهز الفرصة لطلب الصفح ممن قذف في حقه دون تحديد لما سبق أن آذاه فيه.
وترجع هذه النقيصة لمفهوم الثقافة الفرعية والتي تتمثل باللغة الدارجة في (قاعدة المسطبة) أو الشلة أو التجمعات في النوادي ، فيتم في هذه الجلسات النبش في أسرار الناس، وللأسف هذه العادة غير مرتبطة بالوجود في مكان معين أو الانتماء إلى طبقة معينة.وإنما ترجع لبيئة الفرد نفسه، فقد سلك هذا السلوك كنوع من التسلية، وإن كان جانب كبير منه سلوكاً مكتسباً أو من منطلق أن الآخر يعرف فلابد أن أظهر معرفتي بأشياء جديدة.
وقد تُكتسب هذه العادة من الأصدقاء أو الجيران أو من نطاق العمل أي ليست الأسرة شرطاً في توريدها، وبالطبع هي ظاهرة لها مخاطرها التي لا يُستهان بها؛ فمعروف أن الفتنة أشد من القتل، فهي تشوّه العلاقات بين الناس وتسبب العداوة والمشاجرات.
وعلى الجانب الآخر قد يعرف الشخص أو يستشعر ما يُقال عنه بشكل أو بآخر مما يسبب له الأذى، فتزيد العداوة.
قال أحد الحكماء أتدرون من أذل من اليتيم؟ قالوا: من؟ قال: النمّام إذا بان أمره بين الناس، وفضح حاله أذلّ من اليتيم ، فالنّمام يكره التحابّ، ويشعل الفتن، وينقل الميكروبات ويترجم عن هذا الفساد النفسي بما ينقله من علل وتخاذل. ويقول تعالى:(يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) الشعراء:88-89
والأمر الذي يبدو أكثر خطورة هو أن هذه العادة أكثر انتشاراً بين السيدات اللاتي هن أمهات يحملن أمانة التربية الصالحة، وبالتالي سوف تكون النميمة من الأمراض الوراثية التي تنتقل من الآباء إلى الأبناء.
إن النمام يتصف بإحدى صفات المنافقين، والمنافق شخصية ملتوية غير سويّة، لا يستقيم لك على أمر، ولذا فهو يقوم بعملية تعويض ذاتي، مما أسميه أنا »الانتفاخ الذاتي« أي المبالغة في الأمور، والنفخ في الأمور من أجل الدفاع عن النفس ـــ أثناء لحظة الافتضاح ـــ أو في وقت الإفساد بين الناس بالنميمة، لذا يقول الله تعالى في سورة القلم:(وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) [القلم:10-11]. ولنلاحظ كلمات (حلاف ـــ هماز ـــ مشاء) وكلها من ألفاظ المبالغة التي تدل على كثرة الإتيان بتلك الأفعال.
أحمد عبد المجيد