قال الشيخ: تحت عنوان عريض امتد على مساحة صفحتين من مجلة خليجية ذكرنا أن القائمين على إعدادها يعملون على جعلها مناسبة لكل بيت، ولكل شاب وشابة، ولكل مراهق ومراهقة (العنوان: صداقة الرجال... تدمرها امرأة) بدأت معدة التحقيق لتحاور الشباب والشابات عن تجاربهم وآرائهم ثم لتلجأ إلى أولي الاختصاص لتستنير بآرائهم حول قضية خطيرة كهذه!!.
التجربة الأولى التي عرضتها المجلة والتي يرويها أحد الشباب تتحدث عن صداقة تجاوزت كل الحدود بينه وبين رفيق عمره »فكانا توأمين في الجوهر« وقد استمرت هذه الصداقة عبر مراحل الدراسة كلها إلى أن حدثت الطامّة وأفسدت ما بينهما امرأة.
يقول الشاب الراوي لقصته المأساوية: »ودخلت الجامعة.. وتعرفنا إلى مجموعة من الأصدقاء من الجنسين مشكلين وإياهم ثلة رائعة لا تعرف غير الضحك والمرح...« انتبهوا إلى خطوات الشيطان. ثم يتابع »إلى أن راح صديقي ينسحب من مجموعتنا تدريجياً لينفرد بالفتاة التي أحبها بعيداً عنا« ويقول بعدها »وهنا كانت الخيانة تنسج خيوطها لتوقع الصديقين في شباكها« إلى أن طلبت الفتاة موضوع الخلاف أن ترتب مع صاحبنا لقاءً تطرح عليه بعض الأسئلة بخصوص صديقه. يقول الشاب: »حسمت حريتي وترددي والتقيتها لأنني أردت أن أقطع الشك باليقين، فتأكدت للأسف من حقيقة نواياها الخبيثة إزائي وأنها إنما كانت تحاول الإيقاع بي... فتركتها وقصدت صديقي لأخبره بصراحة ما جرى بيننا«...
وحدث ما لم يحسب صاحبنا حسابه فثار صديقه وغضب متهماً إياه بالكذب كي يحرمه من حبيبته، يقول: »فانتظرت بضعة أيام كي يهدأ ثم قصدته... فأخبرني أنه بعدما واجهها اضطرت لكشف حقيقتي أمامه زاعمة أنني أنا الذي اتصلت بها لا هي وهكذا أصبحت أنا المجرم في نظر صديقي بعدما ذابت كل حبال الثقة بيننا بفضل امرأة عرفت كيف تدمّر صداقة رجلين بمكرها وعبثها وما هي سوى أيام قليلة حتى تمت خطبتهما لأتنحى بذلك جانباً ولأتخذ موقف المتفرج العاجز عن فتح عيني صديق أمام الحقيقة الصارخة«...
أيها الأحباب قد قصدت أن أنقل التجربة كما رواها صاحبها كلمة كلمة، وحرفاً بحرف، وكما عرضت في المجلة المذكورة بعد تركيزها وحذف بعض استطالاتها، لأعلّق عليها بما ييسره لي الله, ملقياً الضوء على ما أعتبره نقصاً وعيباً واضحاً في تفكير الشباب وفي تفكير من يتصدى لمناقشتهم ومساعدتهم.
فأول ما يُلمس في هذه التجربة أنها جاءت على نسق الروايات والقصص التراجيدية والميلودرامية مما يشير إلى تأثر الشباب بالإعلام المنحرف ولغته المبالغ فيها والذي لا يجول ويصول إلا في ميادين الحب والهوى، كأن الحياة قد خلت من الآلام والآمال إلا فيما يتصل بالعشق بين الرجل والمرأة، وهذه الضوضاء الإعلامية والأدبية والفنية حول موضوع واحد هو الحب والهوى قد ألقت صبغتها على حياة الشباب وتفكيرهم حتى أصبح جلّ فكرهم وتفكيرهم محصوراً في موضوعٍ واحد ومبالغاته وتطرفاته.
فإذا أخذ بعين الاعتبار مجموع الإحاطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها هؤلاء الشباب حرتَ في تفسير استغراقهم في موضوع واحد وحيد، هل هو تنفيس عما يعانون أم أنها الغريزة وقد اختبأت وراء قناعٍ يجملها أم أنه مجرد استجابة لرسائل إعلامية يروج لها المروجون.
لقد غابت القضايا الكبرى وضاعت المشاريع العظيمة التي يمكن أن يعيش الشباب من أجلها، ولم يعد مما يمكن أن يولي الشاب وجهه نحوه إلا »الانتصار« و»الإنجاز« في قصص الحب ومغامراته. لم يعد حب الله ورسوله أو حب الأمة والوطن مما يشغل الشباب اليوم، في حين أن الإعلام يقدم كل يوم وجبات غنية من أصداء عواء العشاقِ ألماً أو ضحكاً وتراقصهم فرحاً وسعادة، وقد خلع هذا الإعلام عن وجهه قناع الحياء فجاهرَ بالغريزة والفجور.
وصدقوني لو أنكم أخذتم شريحة عشوائية من شباب الأمة اليوم لوجدتم نسبة عالية من الشاردين المشردين في حواري الحب والغرام، ولوجدتم أن أعظم المصاب عندهم هو بعدهم عمن يعشقون، وأن كلاً منهم يسعى لتقمص دور مجنون من مجانين الهوى، يدعمه في ذلك ويدفعه إليه ضجيجٌ إعلامي هائل يكاد يعمي ويُصم. ويحزن المرء عندما يرى عواطف الشباب وقواهم وجهودهم تستنفد في مراهقة مديدة متأخرة ولكن ماذا يفعلون إذا كان العالم من حولهم كله يراهق.
أحبتي: أعتقد أننا بدأنا نتلمس مشكلات الشباب وأول مشكلة هي تضخم عظيم ومبالغ فيه ومأساوي في كثير من الأحيان لما يسمونه حباً وعشقاً.
ماهر سقا أميني