قبل أن تنهي دراستها الثانوية تقدم إليها الكثير من الشباب طالبين يدها إلاّ أنها أصرّت على إكمال دراستها الجامعية باعتبار أن الشهادة الجامعية سلاحاً يمكن الاحتماء به من غدر الأيام، كانت هوايتها الصحافة لذا التحقت بكلية الإعلام وتخصصت في إعداد البرامج التلفزيونية.

بداية الطريق

عندما انضمت إلى إحدى المحطات التلفزيونية لم تنتظر طويلاً خلف مكتبها، حيث اقترح عليها بعض الزملاء أن تقوم هي بتقديم البرنامج الذي تعده، فقد كان لديها حضور واضح، أما وجهها على الشاشة فقد كان جميلاً للغاية، حيث تقبلها المشاهد وجميع العاملين معها في المحطة، هكذا كانت بداية (ج) التي استمرت في تقديم برنامجها إضافة إلى برامج أخرى ومذيعة ربط لفترة تزيد على خمس سنوات، في هذه الأثناء تقدم لها الكثير من الشباب لطلب يدها، وكان معظمهم من أقاربها، إلا أنها كانت ترفض ذلك بحجة أنها تريد تأمين مستقبلها أولاً، وبعد ذلك تفكر في الزواج.

في أحد الأيام جاءت خالتها لزيارتها ولم تعد الخالة إلى بيتها حتى أخذت وعداً من أختها (والدة ج) بأن (ج) ستتزوج ابن خالتها (ر)، تحت الموافقة المبدئية، وبعد مضي خمسة أشهر تم الزواج بين (ر) و(ج) وذهبت (ج) لتعيش في بيت خالتها، بدأت الحياة هادئة بين الزوجين، لكن المشكلات بدأت تظهر عندما طلب (ر) من زوجته أن تترك عملها في التلفزيون بحجة أنه يغار عليها من زملائها،

ورغم رفض (ج) للفكرة إلاّ أنها وافقت على ذلك بعد أن تبين لها بأنها حامل، لذا قبلت على مضض ترك التلفزيون، والجلوس في البيت، بعد أن تركت العمل تفرغت (ج) لابنتها التي رُزقت بها، كانت الطفلة جميلة كأمها، وكان تعلق (ج) و(ر) بابنتهما تعلقاً فوق العادة،

فقد أنسَت (ج) حياتها في التلفزيون وكان والدها يعود مسرعاً من عمله ليراها ويضمها إلى صدره. أصبحت حياة الأسرة أكثر سعادة بعد أن رُزِقت (ج) وزوجها طفلاً ثانياً ملأ عليهما هو واخته حياتهما وأصبحت الأسرة تعيش في سعادة يحسدها عليها الكثير من الناس.

العودة إلى العمل

بعد أن كبر ابن وبنت (ج) فكرت بالعودة إلى التلفزيون وإلى المحطة نفسها التي استقبلتها بكل ترحاب، حيث أوكلت إليها مهام عدة من بينها إعداد برنامج اقتصادي مُميز، تألقت فيه (ج) كنجمة تلفزيونية، أما زوجها فقد ترقى هو الآخر في عمله حتى أصبح نائب مدير البنك الذي يعمل فيه ورئيس قسم العلاقات الخارجية للمجموعة المالية التي يديرها البنك، كانت الأسرة تعيش في ظروف مالية ممتازة،

خاصة وأن أسرتي الزوجين غنيتان جداً، لذا فإن المسائل المادية لم تكن ذات حساب عندهما، وهذا ما جعل الزوج كثير الأسفار وفي كثير من الأحيان كان يسافر من دون زوجته، وذلك بحجة العمل أو الاستجمام أو غير ذلك، كانت (ج) على وفاق تام مع زوجها حتى المشاكل الصغيرة والبسيطة لم تكن موجودة، فكل واحد منهما يحترم الآخر ويقدره، وكل واحد يعرف الحدود التي يجب أن يقف عندها ولا يتخطاها.

حادث مروع

في أحد الأيام كانت (ج) ذاهبة مع أختها إلى مدينة مجاورة، وفي أثناء قيادة الأخت للسيارة وإذ بجمل يظهر فجأة في الطريق، حاولت أخت (ج) التي كانت تقود السيارة أن تتفادى الجمل، مما تسبب في انحراف السيارة وانقلابها أكثر من مرة، تم نقل (ج) واختها إلى المستشفى حيث كانت الأخت تعاني من جروح كثيرة استدعت نقل دم إليها لتعويض ما خسرته، أما (ج) فقد كانت حالتها مستقرة إلاَّ من بعض الكدمات البسيطة،

لذا عندما تم نقل (ج) وأختها إلى المستشفى وعرفت (ج) أن أختها بحاجة إلى نقل دم أخبرت الطبيب الذي كان يعالج أختها بأن فصيلة دمها (O+) وهي بذلك تستطيع أن تنقل الدم إلى أختها، وجد الطبيب أن هذه فرصة جيدة وطلب من الممرضة أخذ عينة من دم (ج) لفحصها والتأكد من أنها (O+) وهل هي صالحة أم لا، بعد عملية فحص الدم قالت الممرضة للطبيب إن (ج) مصابة بالإيدز،

أصيب الطبيب بصدمة، خشية أن يكون أحد قد لامس دم (ج) في أثناء نقلها إلى المستشفى، ومع ذلك طلب من الممرضة أن تقوم بفحص الدم مرة ثانية وأن تتأكد من النتيجة، وذلك لخطورة الأمر، في الوقت الذي أمر فيه الطبيب بعزل (ج) في غرفة خاصة، وطلب من وحدة الدم في المستشفى تزويد أخت (ج) بالدماء اللازمة من خلال المخزون الموجود فيها.

كانت (ج) تحت المراقبة الصارمة من دون أن تدري، وبقيت كذلك حتى تعافت من آثار الحادث. في هذا الوقت كان المستشفى يجري لها فحوصاً للدم بشكل شبه يومي، حيث أشارت تلك الفحوصات إلى نتيجة واحدة وهي إصابتها بفيروس الإيدز، هنا قرر الطبيب أن يفاتح زوج (ج) بالحقيقة، وذلك حتى لا يتم أي اتصال بينهما، كانت الخطة إعلام زوج (ج) بهذا الخبر المفزع، وبعد ذلك يقوم هو بإخبارها وإخبار بقية أفراد أسرتها.

(ر) يتنكر لزوجته

بعد مقدمة طويلة قام الطبيب بإخبار (ر) بالحالة الصحية لزوجته وأنها مصابة بمرض الإيدز إلاّ أن (ر) رفض أن يصدق فهو يعرف عن زوجته أنها سيدة مستقيمة ولا يمكن أن تنزلق في علاقة خاطئة تقودها إلى الإيدز، كما أنه لم يسبق لها أن اضطرت للدخول إلى المستشفى كي يُنقل لها دم قد يكون هو السبب في إصابتها بهذا المرض اللعين،

ثار (ر) في وجه الطبيب وهدد برفع قضية على المستشفى لتشهيره بزوجته، لكن الطبيب أكد له صدق التحاليل المخبرية قائلاً له بأنه لا داعي للانفعال، وبدلاً من ذلك يجب معالجة القضية بهدوء وتروى، اقترح (ر) على الطبيب إبقاء (ج) في المستشفى أطول فترة ممكنة كي يتدبر الأمر ويصارح أهلها بالموضوع، ذهب (ر) إلى بيته لا يدري كيف يتعامل مع هذه المصيبة التي حطت على رأسه.

فكر (ر) كثيراً وأخيراً استقر به الأمر على أن يصارح أهل زوجته والأهم من ذلك أن يبعد ابنه وابنته عن أمهما خوفاً عليهما من العدوى، أخبر (ر) والدة زوجته بالأمر، لكنها لم تصدق وعندما أكد لها ذلك سقطت على الأرض من هول الصدمة، حيث ذهبت إلى المستشفى لتستفسر بنفسها من الطبيب،

هناك أكد لها الطبيب هذه الحقيقة المرة التي جعلتها تفقد كل معنى للحياة، فكرت الأم في نقل ابنتها إلى لندن للعلاج، لذا طلبت من الطبيب أن يرتب لها مستشفى خاصاً قادراً على علاج ابنتها، إلاّ أن الطبيب اقترح عليها السفر إلى (مايو كلنك) في الولايات المتحدة الأميركية،

فهو يعرف طبيباً جيداً هناك، بدأت والدة (ج) في إجراءات السفر، وعندما انتهت من ذلك أخبرت ابنتها أن تستعد للسفر لإجراء بعض الفحوصات عليها إثر الحادث الذي تعرضت له، لكن (ج) رفضت ذلك بحجة أنها لا تشعر بأي ألم أو أية مضاعفات،

كما انها وكما قالت لا تستطيع أن تترك جمهورها وزوجها وولديها، لكن الأم كانت حادة وقاسية ومتصلبة في رأيها، وأخبرت (ج) بأن مسألة السفر أصبحت محسومة وأن الطبيب المعالج أوصى بذلك، أحست (ج) بخوف على حياتها معتقدة بأنها قد تكون مصابة بارتجاج في المخ وأن والدتها تخشى عليها من الصدمة إن هي أخبرتها بذلك،

لكن مخاوف (ج) تبددت عندما قام أحد الأطباء في المستشفى بإجراء فحص (رنيني) على دماغها وتبين أن كل شيء سليم، كما أنها لا تشعر بأي زغللة في عينيها أو أي صداع في رأسها، ورغم أنها أخبرت أمها بنتائج التحاليل بقيت الأم مصرة على رأيها بعد (72) ساعة كانت (ج) ووالدتها تجلسان أمام الطبيب في «مايو كلينك» وهناك عرفت (ج) بأنها مصابة بمرض الإيدز، بدأت إجراءات التحاليل بسرعة،

حيث أكدت تلك التحاليل الإصابة، مما جعل (ج) تنهار من قوة الصدمة، لكن الأطباء حاولوا اقناعها بأن الحالة النفسية الجيدة مهمة جداً، بل انها قد تكن أهم من العلاج نفسه، بدأت (ج) رحلة العلاج الكيميائي، ورغم أنها تجلس في عيادة الطبيب للعلاج، إلا أنها لا تزال غير مصدقة ما يحدث لها، خاصة وأنها في تلك اللحظة لا تشعر بأي ألم، بدأت آثار العلاج الكيميائي تظهر عليها،

حيث تساقط شعرها وذهب بريق وجهها وبدأ جسمها يميل نحو الهزال، وكأن الطبيب أيقظ الحالة المرضية عندها، بعد ستة أشهر من العلاج بدأت الحالة النفسية ل(ج) تسوء، خاصة وأنها لم تر ابنها وابنتها طوال تلك المدة، أما زوجها فقد كان لا يتصل بها إلاَّ قليلاً، كانت (ج) تعرف أن زوجها غاضب عليها لإصابتها بالمرض، لكن الأمر ليس في يدها،

حتى أنها في إحدى المرات عندما اتصلت لتطمئن على ولديها وكلمت (ر) أقسمت له بأغلظ الإيمان بأنها لم تخنه، وأنها لا تعرف كيف وصل المرض إليها، لكن (ر) بقي جامداً في ردوده عليها وحديثه معها، مما زاد من آلامها النفسية،

فهي كانت وما زالت الزوجة المخلصة رغم كل المغريات التي كانت حولها، فكيف لزوجها أن يشك بها، لكن أكثر ما كان يؤلمها هو خوفها من أن يقول (ر) بعض الكلام غير اللائق عنها أمام ابنها وابنتها فيفقدان ثقتهما بها، لذا كانت كل مرة تكلمه فيها ترجوه ألا يقول لهما أي شيء عن مرضها حتى تعود وتكلمهما وجهاً لوجه.

في إحدى الليالي بعد عودة (ج) ووالدتها من «مايو كلينك» ذهبتا لتناول العشاء في الفندق الذي تقيمان فيه، وهناك طلبت الأم من ابنتها أن تصارحها بالحقيقة، فهي تريد أن تعرف من أين جاء لها هذا المرض، وضعت الأم أمام ابنتها بعض الاحتمالات،

وذلك لتسهيل الأمر عليها قائلة لها «اسمعيني جيداً يا (ج) أنا أمك وأكثر إنسان يمكن أن يخاف عليك في هذه الدنيا وأنت تعرفين كم أنفقت في هذه الرحلة وأنا مستعدة أن أُنفق عليك آخر فلس أمتلكه، بل إن كان هناك مجال لتغيير دمك بدم جديد فأنا على استعداد لدفع الملايين من الدولارات مقابل ذلك،

ولكن أريدك أن تخبريني كيف وصل الإيدز إليك، فإما أنه وصل إليك نتيجة لعلاقة عاطفية أو انك تتعاطين المخدرات، فأرجوك أن تقولي لي الحقيقة وأعدك بأن هذا الأمر سيبقى سراً بيننا»، عندما أكملت الأم حديثها لم تجد (ج) كلاماً تقوله، لكنها تركت دموعها تقول لأمها بأنها لم تقم علاقة عاطفية مع أي رجل،

كما انها لا تعرف المخدرات ولا كيف يتناولونها، وأضافت ان أردت أن أقسم لك بأي شيء فأنا مستعدة لذلك،.. هنا أحصت الأم بصدق ابنتها فقالت لها لا عليك أتركي الأمر لي. بدأت صحة (ج) تتحسن نوعاً ما وأخيراً قررت العودة إلى بيتها،

في المطار استقبلها زوجها وابنها وابنتها وأختها، كان استقبال زوجها لها استقبالاً فاتراً، ومع ذلك حاولت (ج) أن تتحامل على نفسها وتجامله ببعض الكلمات، بدل أن تذهب (ج) إلى بيت زوجها أخذتها أمها إلى بيتها، استغربت (ج) هذا الجفاء من زوجها، لكن قالت لها إنه خائف من أن ينتقل المرض إليه، وهذا مبرر كاف يجعله يبتعد.

بلاغ إلى الشرطة

في اليوم الثاني من وصولها ذهبت والدة (ج) إلى مركز الشرطة وهناك قدمت بلاغاً ضد زوج ابنتها تتهمه فيه بأنه قتل ابنتها، عندما سمع الضابط المناوب بهذه التهمة وقف طالباً الانتقال إلى مكان الجريمة، لكن الأم بدلاً من ذلك قدمت له مستندات تفيد بأن ابنتها مصابة بالإيدز، قائلة ان زوج ابنتها هو الذي نقل لها المرض. عندما سألها الضابط هل لديك دليل على ذلك قالت ليس هناك دليل بعد،

ولكني أطلب الكشف عليه للتأكد من أنه مصاب بالإيدز أم لا، أخذت القضية أبعاداً أخرى وتم تحويل الملف إلى المحكمة، حيث طلبت المحكمة من (ر) أن يقوم بفحص دمه للتأكد من أنه مصاب بالأيدز أم لا، لكن (ر) رفض هذا الطلب معللاً رفضه بأن صحته سليمة ومتهماً زوجته بالخيانة الزوجية،

وأنها على علاقة بأحد الشباب، وقد يكون هو من نقل إليها الفيروس، هنا قررت المحكمة إجبار (ر) والشخص الذي اتهمه بأن له علاقة مع زوجته على إجراء فحص الدم، حيث جاءت النتيجة مذهلة وهي أن (ر) مصاب بالإيدز، وأن الشخص الآخر سليم،

بدأت الأم ملاحقاتها القضائية ضد (ر) بتهمة نقل مرض مميت إلى ابنتها، حيث اعترف أمام المحكمة بأنه كان يشك بأنه مصاب بالإيدز وأن المرض قد يكون انتقل إليه أثناء مغامراته النسائية في لندن، لكنه فضل عدم إجراء فحوصات حتى لا ينصدم بالواقع ويعرف أنه مصاب بالإيدز، عرفت المؤسسة المالية التي يعمل فيها (ر) بخبر إصابته بالإيدز فقامت بإنهاء خدماته،

أما (ج) فقد أحجمت عن الكلام ورفضت استقبال أي أحد بعدما عرفت أن زوجها هو السبب في موتها البطيء هذا، أما أصدقاؤها وصديقاتها وزملاؤها في التلفزيون فلم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عنها بالهاتف، فما يكاد أحدهم يعرف أنها مصابة بالإيدز حتى يهرب منها خوفاً وذعراً، هذه الأمور المتلاحقة جعلت (ج) تشعر بالأسى والحزن،

خاصة وأنها لم تعد قادرة حتى على احتضان ابنها وابنتها رغم أنها تعرف أن ذلك لن ينقل المرض إليهما، ولكن خوفها عليهما جعلها حتى لا تقترب منهما، بدأت حالة (ج) الصحية تتدهور بشكل كلي وسريع وفي الزيارة الأخيرة إلى «مايو كلينك» أخبرها الأطباء أنه لا أمل.

إعداد: أحمد سلطان