تفاقمت الأزمة السياسية في العراق بتصاعد حدة التراشق بين جبهة التوافق ورئيس الوزراء نوري المالكي الذي حمل تقرير إنساني حكومته الفشل في توفير ضرورات الحياة لثلث الشعب العراقي الرازح في أتون أزمة إنسانية كارثية تضعهم تحت الحاجة إلى مساعدات طوارئ عاجلة كما جاء في التقرير.
كما حمل تقرير ثان حكومة المالكي مسؤولية الفشل في إعمار البلاد. وشبه الفساد في الحكومة بأنه التمرد الثاني في العراق بعد التمرد المسلح. وقرر مجلس النواب العراقي أمس أخذ إجازته رغم المعارضة الأميركية. وفي هزة أولى بعد الأفراح والاحتفالات التي شهدتها البلاد عقب فوز العراق بكأس آسيا لكرة القدم حملت «جبهة التوافق العراقية» اكبر كتلة نيابية للعرب السنة رئيس الوزراء نوري المالكي مسؤولية المضي في خطتها بالانسحاب من الحكومة ومجلس النواب بسبب «تجاهله لمطالبها».
وأوضح بيان أن «الجبهة تقرأ رد الحكومة باعتباره يمثل موقف رئيس الوزراء (فقط) وليس الحكومة وهذه إضافة جديدة إلى سجله في تجاهل حتى الذين يعنيهم الأمر وتهميشهم وعدم استشارتهم في مسائل حساسة». وأضاف أن «رد رئيس الوزراء متشنج سلبي كالعادة ويبدو انه غير معني بالتحفظات والمظالم والملاحظات التي أشار إليها بيان» الجبهة.
وأكدت جبهة التوافق في بيان الأمس أن «رئيس الوزراء لا نية له لمعالجة الموقف وتحمل مسؤوليته بشجاعة لتدارك الوضع، ببساطة يغلق أبواب الإصلاح». وأضافت أن «جبهة التوافق ستكون معذورة في المضي بخطتها للانسحاب من الحكومة في الموعد الذي حددته بعد أن منحت رئيس الوزراء فرصة مواتية». لكنها أكدت في الوقت نفسها أنها «سوف لن تغلق الباب أمام العقلاء الحريصين على استقرار العراق وهي تنتظر منهم التدخل والتعاطي بجدية مع مطالب وهموم مشروعة تضمنها بيان الجبهة».
وكانت الجبهة (44 مقعدا) هددت بالانسحاب من الحكومة ومجلس النواب في حال عدم الاستجابة لجملة من المطالب في مقدمتها إعطاء صلاحيات اكبر في القرار وإطلاق سراح المعتقلين. وأمهلت المالكي أسبوعا لتلبية مطالبها. لكن بياناً صادراً عن رئيس الحكومة قال «سياسة التهديد والضغوط والابتزاز» التي اتهم الجبهة باتباعها «غير مجدية»، مؤكدا أن «تعطيل عمل الحكومة ومجلس النواب والعملية السياسية لن يعيد العراق إلى زمن الدكتاتورية والعبودية». وأوضح أن «البعض يريد تجميد العملية السياسية بانتظار تطورات إقليمية أو دولية معينة لكننا لا نسمح بتجميد العملية لأن الجمود يعني تفسخ العملية السياسية وانتهاءها».
ولان المصائب لا تأتي فرادى فقد قالت منظمة أوكسفام الخيرية البريطانية في تقرير لها صدر أمس إن ثمة «أزمة إنسانية» تتكشف في العراق حيث يحتاج ثلث الشعب هناك إلى مساعدات طوارئ عاجلة. وأضاف التقرير الذي أعدته المنظمة مع منظمات عراقية غير حكومية ان الحكومة العراقية فشلت في توفير الضروريات الأساسية مثل المياه والطعام والمأوى والخدمات الصحية العامة لنحو ثمانية ملايين شخص.
وحذرت المنظمة من أن العنف المستمر يخفي وراءه أزمة إنسانية زادت سوءاً منذ غزو العراق في عام 2003. وقال التقرير إن أعمال العنف اجتثت جذور أربعة ملايين عراقي حيث نزح أكثر من مليوني شخص داخل البلاد بينما فر مليونان آخران إلى الدول المجاورة.
واعترف التقرير أن الصراع المسلح هو أكبر مشكلة يواجهها العراقيون لكنه وجد أيضا أن «الأمراض وسوء التغذية تهدد العراقيين بشكل متزايد». وأشار التقرير إلى أن 70% من الشعب العراقي البالغ عدده 5,26 مليون نسمة يعيشون بدون موارد مياه كافية مقارنة بنسبة 50% قبل الغزو بينما بوسع 20% فقط الحصول على خدمات الصحة العامة.
ويعانى حوالي 30% من الأطفال في العراق من سوء التغذية بزيادة كبيرة عن الوضع قبل أربع سنوات. ولا تتمكن نسبة 15% تقريبا من العراقيين من تناول الطعام بانتظام.
غير أن هذا التقرير الصارخ لم يحرك شيئا في أوساط السياسيين والنواب. لا بل أعلن مجلس النواب عن بدء عطلته اليوم الثلاثاء على الرغم من الضغوطات الأميركية على النواب بمواصلة العمل من اجل سن القوانين المهمة والمضي في مشروع المصالحة الوطنية. وصوت 150 نائبا حضر جلسة أمس من أصل 275 على قرار بدء العطلة التي ستستمر حتى الرابع من سبتمبر المقبل، أي قبل أيام قليلة فقط من تسليم السفير الأميركي وقائد القوات في العراق تقريرا إلى الكونغرس لتقييم التقدم في البلاد.
