كثر في الآونة الأخيرة استخدام المناظير الطبية في عدد من المستشفيات والمراكز الصحية في الدولة بصفة عامة بما بدت معه وكأنها البديل الوحيد لطرق التشخيص أو العلاج أو إجراء العمليات الجراحية وقد نجم عن هذا التركيز على المناظير بعض التجاوزات والممارسات الخاطئة والتي أصبحت تشكل خطورة على المريض.
يأتي ذلك وسط تطورات علمية عالمية أدت إلى تسابق الشركات الطبية على تصنيع المناظير الطبية والأجهزة العلاجية الأخرى، مستغلة اجتذاب المرضى لما تتمتع به المناظير من العديد من المميزات التي لا تتوافر في الجراحة المفتوحة مثل سرعة التماثل للشفاء وقصر المكوث في المستشفى والعودة السريعة للعمل مما يؤدي إلى توفير في التكاليف وطاقة العمل، فضلا عن أنها توفر تجنب اللجوء إلى الجروح وما يترتب على ذلك من تكلفة العناية بها، حيث لعبت عدة عوامل أخرى دوراً بارزاً في انتشار هذه الجراحة بصورة ملفتة، ومن هذه العوامل ما يلزم لهذه الجراحة من الأجهزة الخاصة كالتلفزة والكاميرات والآلات الجراحية وأجهزة دفع الغاز.
ورغم المزايا السابقة إلا أن استخدام المناظير ليس محل إجماع حيث يتعرض لبعض الانتقادات ومن ذلك أن دراسة ألمانية أشارت إلى أن معهد الصحة الوقائية في كولون انتقد الإسراف غير المبرر في استخدام المناظير في المستشفيات والعيادات، وخرج مدير المعهد البروفيسور كونراد بوتزنهارت بنتائج مذهلة من هذه الاستخدامات، اتضح من خلالها أن هذه المناظير قد تكون سبباً في نقل العدوى من مريض إلى آخر.
وقد تكون هذه الأمراض خطيرة تمتد من التهاب المعدة والايدز إلى السل. وفي ذلك أشار البروفيسور بوتزنهارت الى أن 60% من عمليات المنظار ثبت أنها ملوثة وأنها تنقل شتى أنواع المرض من مريض لآخر. في هذا التحقيق نسلط الضوء على هذه الظاهرة محاولين تحديد ما للمناظير من مزايا وعيوب في محاولة للوصول إلى رؤية متكاملة بشأن الحل الأمثل للتعامل معها.
في المنطقة الشرقية .. تعرضت المواطنة أم خميس إلى قطع في أحد شرايين المعدة إثر خطأ طبي نشأ في عملية المنظار في احد المستشفيات الحكومية في الدولة ما دفع إلى حالة استنفار للأطباء لعلاج الخلل غير المتوقع لتتحول إلى جراحة مفتوحة.
وقد أكد أحد أشقاء المريضة أن حالتها مستقرة على الرغم من الضرر النفسي والمضاعفات القوية التي لحقت بها جراء صدمتها لما آلت إليه نتائج العملية لافتا إلى أنه لم يكن من الضروري منذ البداية استخدام المنظار، مشيرا إلى أن عمليات المناظير في الدولة أصبحت عملية تجارية (بيزنس) أكثر من كونها علاجا وذلك يتضح جلياً من عدم الفحص الدقيق لحالة المريض واعتماده مباشرة على المنظار بالإضافة إلى عدم خبرة بعض الأطباء لاستخدامه.
حالة أخرى تشير إلى بعض العيوب التي ترافق استخدام المنظار فقد أصيب المواطن (م،خ،ع) بتمزق شديد في البلعوم وجرح في الرئة نتج عنهما مضاعفات شديدة في التنفس ونزيف من الفم، أثناء إجراء عملية له بالمنظار الطبي في احد المستشفيات في دبي ما أثر على وضعه الصحي الذي عطل حصوله على العمل المناسب لمدة تصل إلى خمس سنوات.
رقابة شديدة
في محاولة للحصول على الرأى العلمي بشأن هذه القضية أشار الدكتور عبدالغفار محمد عبدالغفور الوكيل المساعد لشؤون الطب العلاجي بوزارة الصحة الى أن هناك مراقبة شديدة على أجهزة المناظير الطبية قبل إدخالها لمؤسسات وزارة الصحة، حيث يتم اختيار أفضلها وأدقها، فالشركات الطبية المختلفة تقوم بتصنيع الأجهزة الحديثة والدقيقة، كما أن محاولة إنتاج الأفضل منها مهم جدا، فالتطوير طال هذه الأجهزة والتغيرات الكثيرة التي تجري عليها، من خلال ما تشمله من تصغير مكوناتها وجعلها أكثر مرونة في الدخول إلى أجزاء الجسم مع تركيب كاميرات صغيرة في نهايتها بأوضاع مختلفة.
وأشار إلى أن هناك عدة احتياجات تجعل الطبيب يلجأ إلى استخدام المنظار وتتمثل بالحاجة الفعلية للعلاج بعد محاولة علاج المريض حسب شكواه والأعراض الظاهرة عليه، وفي حالة احتياجه يجب التأكد من الحالة 100%. مبينا أن استخدام المناظير الحالية سهلة جداً ولا يحتاج مستلزمات كثيرة.
لافتا إلى أن الطبيب هو من يقرر احتياج المريض إلى استخدام المنظار، ويعتبر ذلك أحد الطرق المعتمدة في تشخيص الحالة مثل إجراء الأشعة أو طلب التحاليل المخبرية. وفي الإطار ذاته أوضح الدكتور عبدالغفار محمد أن المناظير الطبية أفضل وسيلة للتشخيص الدقيق وخاصة في حالات السرطان خصوصا في الجزء العلوي من المريء والمعدة.
كما يعتبر استخدامها وسيلة ناجحة لعلاج حالات عسر الهضم حيث يتردد المريض كثيرا على المستشفيات بدون تشخيص ومن ثم فإن المنظار يعد الطريقة المثلى التي تكشف إصابة المعدة ببكتريا الهيليباكتار Helibactar Bacteria، كما له دوره في إزالة الأجسام الغريبة والمواد العالقة في أجزاء الجهاز الهضمي إلى جانب أخذ عينة مباشرة من المعدة أو الأورام، كما يستخدم كذلك لوقف النزيف داخل المريء وخاصة في حالات النزيف الداخلي المتعلقة بتشمع الكبد.
غش وخداع
وفي نفس السياق أشارت الدكتورة سوزان البدري إلى أن المناظير تعتبر تقنية جديدة ومذهلة، فهناك عدة أنواع لهذه المناظير سواء تشخيصية أو علاجية أو جراحية، حيث تطورت بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يبدو من خلال الحاجة الحقيقية لهذه العمليات ومفاهيمها وأدواتها وأجهزتها.
غير أنها تشير إلى ضرورة وضع الضوابط التي تساعد على تفادي الأخطاء الطبية الواردة وغير المتوقعة. كما أكدت الدكتورة سوزان على ضرورة التوعية من قبل الطبيب للمريض الذي يسلم نفسه له ويجهل في الوقت نفسه الخيارات المناسبة لعلاجه، مشيرة إلى وجود عدة بدائل عوضا عن عمليات أو علاج المناظير الطبية، فهناك خيار المنظار عن طريق الكبسولة الذي بدأ ينتشر في الإمارات والدول الأخرى إلى جانب خيارات أخرى متاحة ومناسبة لكلا الطرفين الطبيب والمريض.
وبينت في الوقت ذاته أن كل ذلك يعتمد على ضمير الطبيب وشعوره بالمسؤولية أمام الله ومن ثم المريض إضافة إلى المؤسسة الذي يتبعها، لافتة إلى وجود نوع من النصب والاحتيال بغرض الحصول على المال، موضحة أن المجال الطبي مثله في ذلك مثل بقية المجالات الأخرى التي قد تعتمد على التجارة والغش.
وذكرت الدكتورة البدري بحادثة استخدمت فيها المناظير بطريقة غير شرعية، وكان هدفها الأول التجارة فقط وذلك عندما جاءتها مريضة للعلاج، لتخبرها عن قيام طبيب بخداعها عن طريق إيهامها بإجراء عملية بالمنظار إلا أن ذلك لم يحدث نظرا إلى أن أعراض المرض مازالت موجودة .
حيث ذهبت إلى طبيب آخر أخبرها بعدم وجود عملية نظرا لعدم وجود فتحات في الموضع الذي أخبرته عنه، ليتضح نصب الدكتور عن طريق تخديرها والحصول على مبلغ 3000 درهم دون فائدة، والغريب في الأمر إجراء العملية في نفس غرفة المعاينة.
وأكد خبير طبي أن هناك توجها كبيرا في الفترة الأخيرة تحرص عليه العديد من العيادات والمستشفيات والدوائر والجهات الصحية لاقتناء كل أجهزة ومستلزمات المناظير الجديدة، إلى درجة إقامة أقسام مستقلة ودورات خاصة بهذا المجال.
وذكر الدكتور إبراهيم هلال الزعابي بمستشفى الجيمي في العين أنه يجد عمليات المناظير أفضل من العمليات المفتوحة، وذلك بما تتميز به من جوانب جيدة تساعد المريض على سرعة الشفاء وقلة الجروح، فمعظم الجروح الناتجة من عمليات المناظير تكون أصغر من جروح العمليات المفتوحة، لافتا إلى أن الندوب تكون أصغر.
وهذا الشيء جيد ومهم عند بعض المرضى وبصفة خاصة النساء، كما أن المضاعفات المحتملة من عملية المناظير تكون أقل، مشيرا إلى أن معظم المرضى يفضلون عمليات المناظير، التي تشهد حركة توسع وتطور مذهل في الآونة الأخيرة سواء على مستوى الإمارات أو في الدول الأخرى.
وأضاف الزعابي بناءً على خبرته في هذا المجال أن هناك نوعا من الإسراف في استخدام المناظير، ويتضح ذلك جليا في عمليات استئصال الزائدة الدودية التي تحتاج إلى جرح يصل طوله من 2 إلى 3 سم تقريبا، والذي يعتبر صغيرا مقارنة بالعمليات الأخرى، كما أن العملية تستغرق وقتا أقل يصل إلى نصف ساعة تقريبا.
موضحا أن هناك عددا من الأطباء يلجأون إلى تلك العمليات مما قد يتطلب منهم ثلاث فتحات تقريبا بمعنى جرح أطول من 2 سم إضافة إلى استغراقهم وقتا أكبرا، مبينا أنه في بعض الأحيان يفشل الأطباء في استئصال الزائدة بالمنظار، حيث يضطرون إلى تحويل العملية إلى الجراحة المفتوحة بهدف التدرب والتعود على عمليات المناظير دون النظر إلى مصلحة المريض، لافتا إلى كثرة استخدامه بشكل خاص عند الأطباء المبتدئين في عمليات المناظير.
أفضل من الجراحة
وأوضح الدكتور مهدي حبيب العبودي بمستشفى القاسمي في الشارقة أن المنظار الطبي عبارة عن إجراء طبي ذي تدخل بسيط ومحدود ما يعني عدم إجراء أي جروح لفتح الجسد، ويتم هنا بإدخال أنبوب أو أنابيب تحتوي أو قد لا تحتوي على كاميرا فيديو إلى الجسم، وذلك يكون إما بإجراء فتحة صغيرة إذا كان المراد منه عضو البطن أو القفص الصدري، أو دون إجراء أية فتحات وذلك عن طريق الفم أو مداخل أخرى، ويهدف هذا الإجراء إلى إلقاء نظرة على الأعضاء الداخلية وأخذ خزعة للعلاج سواء تحت تأثير التخدير الموضعي أو التخدير الكامل ويتوقف ذلك حسب نوع الإجراء.
كما ذكر الدكتور العبودي إيجابيات المناظير كالإجراءات السريعة ونسبة حدوث الالتهابات وآلام العملية تكون قليلة مقارنة بالعمليات العادية، لافتا إلى أن وضع المناظير في الإمارات جيد بناء على توجيهات رشيدة ورعاية كبيرة من حكام الدولة حفظهم الله، فالدولة وفرت أجهزة مناظير متطورة وحديثة في المستشفيات وخاصة المراكز المتخصصة منها حيث تتم في هذه المستشفيات إجراءات معقدة كانت غير متوفرة في الماضي التي كانوا يضطرون فيها إلى إرسال المرضى للخارج.
أما عن نسبة حدوث الأخطاء فهي تتراوح ما بين 3, 0% إلى 5% حسب الإجراء وحسب خبرة الطبيب، لافتا إلى سلبيات المناظير التي تتلخص مخاطرها في العدوى والالتهابات مع إلحاق الضرر بالأعضاء الداخلية إضافة إلى مخاطر التخدير نفسه التي اعتبرها قليلة مقارنة بالعمليات المفتوحة.
الفجيرة ـ ناهد مبارك

