تسلم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أمس تقرير لجنة التحقيق الخاصة في أحداث سقوط غزة في يد «حماس» والذي أوصى بإجراءات عقابية في حق عدد من كبار قادة أجهزة الأمن وإحالة البعض إلى القضاء العسكري (مثل جبريل الرجوب ورشيد أبوشباك) وكذلك إحالة عدد من كبار قادة حركة فتح (مثل مستشار الأمن القومي المستقيل محمد دحلان) إلى القضاء الحركي.

وقال وزير فلسطيني أمس إن حكومة فياض أسقطت عبارة «المقاومة المسلحة» من برنامجها في خطوة أخرى تباعد الشقة بينها وبين «حماس». فيما أكد أحد مساعدي عباس أن الانتفاضة أصبحت ترمز للفوضى المسلحة.

ورحبت اسرائيل بالخطوة وأرسلت إشادة نادرة لم تحدث منذ زمن بإعلان نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي حاييم رامون عن وجود شريك فلسطيني للسلام يحارب الإرهاب، بينما كشف مصدر إسرائيلي أن إلغاء بند حق عودة اللاجئين الفلسطينيين من المبادرة العربية كان محل بحث بين وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني ونظيريها المصري والأردني.

وبموجب نتائج التحقيق التي وردت في 200 صفحة سيحال دحلان إلى محكمة حركة فتح وكشفت مصادر مطلعة لـ «البيان» أن التقرير يدينه لفشله في القيام بمهمته في قيادة فتح وأجهزة الأمن في غزة، بينما يحال الرجوب إلى القضاء العسكري.

وكشف التحقيق الذي استمر شهراً واستمعت فيه اللجنة إلى شهادات من كبار المسؤولين والقادة والضباط والأفراد، عن وجود اختراقات أمنية خطيرة في هذه الأجهزة من قبل حركة حماس. كما كشف عن وجود سرقات كبيرة في الميزانيات المخصصة لشراء أسلحة وذخائر ومعدات.

وقالت مصادر مقربة من عباس انه سيستغل هذا التقرير من اجل التخلص من قادة الأمن الذين وظفوا أجهزة الأمن لخدمة مصالحهم. وذكر احد أعضاء اللجنة أن الرئيس ابلغهم أنه سيكلفهم في وقت لاحق بإعداد خطة لإعادة بناء أجهزة الأمن الفلسطينية على أساس مهنية جديدة.

وقال عضو اللجنة وزير الإعلام نبيل عمرو في مؤتمر صحافي ان اللجنة توصلت إلى خلاصة مفادها أن أجهزة الأمن أقيمت بصورة ارتجالية وبنيت على التجنيد العشوائي والفصائلي والشخصي والتجنيد من اجل لقمة العيش.

وأضاف أن «بنية الأجهزة الأمنية خاطئة ما سهل حدوث اختراقات جماعية وفردية»، مشيراً إلى نجاح حركة حماس في تجنيد عدد من كبار ضباط تلك الأجهزة لصالحها مكنها من السيطرة على مواقعها.

وفي تعقيب له على التقرير قال الناطق بلسان حركة فتح في الضفة جمال نزال إن «فتح امتلكت النزاهة والشجاعة الكافية لمحاسبة نفسها واستخلاص العبر والدروس»، معرباً عن شكه في أن تقوم حماس «بمحاسبة المجرمين الذين ذبحوا الفلسطينيين باسمها».

في وقت رأت «حماس» أن التقرير يؤكد على دور الأجهزة الأمنية في تفجير الوضع الداخلي، وقال الناطق باسمها سامي أبوزهري إن الحركة «لا تعفي الرئيس محمود عباس من المسؤولية عن هذه الأحداث باعتباره القائد العام للأجهزة الأمنية».

في هذه الاثناء قال أشرف العجرمي وزير شؤون الأسرى الفلسطيني إن حكومة فياض واضحة جداً في برنامجها الجديد فيما يتعلق بضرورة انتهاء المقاومة المسلحة لأنها ليست لها صلة بإقامة الدولة.

وأضاف أنه لم يرد ذكر المقاومة المسلحة والنضال المسلح في البرنامج. وأسقطت حركة فتح التزامها بالنضال المسلح بعد توقيع اتفاقات السلام المؤقتة مع إسرائيل في عام 1993 عندما كان يقودها الرئيس الراحل ياسر عرفات.

وحمل بعض أعضاء فتح السلاح في انتفاضة بعد عام 2000 لكن عباس الزعيم الحالي لفتح التزم بالمفاوضات من أجل السلام. وقال نمر حماد وهو مساعد كبير لعباس إن الانتفاضة أصبحت ترمز بشكل مؤسف للفوضى المسلحة وانه آن الأوان لوقف هذه الفوضى.

وأضاف أن هناك عملية سلام ونضالاً قومياً يمكن أن يكون من خلال وسائل سلمية وليس عبر الصواريخ والفوضى. وبعد قيامه بعزل الحكومة التي كانت تقودها حركة حماس الشهر الماضي تحدث عباس عن حاجة الفلسطينيين لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي بوسائل سلمية ومنحت إسرائيل عشرات من مقاتلي فتح عفواً في مقابل إلقاء السلاح.

وقالت ميري ايسين الناطقة باسم اولمرت رداً على سؤال بشأن التغيير في البرنامج «بإمكاننا بشكل عام أن نرى على الأرض سواء بالكلمات أو في الواقع أجواء جديدة على الجانبين». وأضافت «لا يزال أمامنا قدر كبير من العمل لكن هذا مظهر ايجابي ونحتاج لاحترام بعضنا البعض».

وأكد مصدر في مكتب رئيس الوزراء سلام فياض الذي وضع مسودة الوثيقة السياسية إسقاط الصياغة المتعلقة بالعمل المسلح التي كانت موجودة في برنامج الحكومتين السابقتين اللتين كانت تقودهما حماس. وأقر المصدر أن كلمة «مقاومة» في حد ذاتها تظهر في البرنامج الجديد لكنه قال إنها تشير إلى إجراءات مثل التظاهرات السلمية.

في هذه الأثناء، كشف النائب يحيى موسى القيادى في حركة «حماس» النقاب عن حوارات سياسية مكثفة تجرى مع قيادات سياسية في حركة «فتح» في قطاع غزة والضفة الغربية والخارج من أجل رأب الصدع الحاصل بعد سيطرة «حماس» على القطاع.

وقال موسى إن «حركته على تواصل مستمر مع قيادات كبيرة في فتح». وأضاف أن «(حماس) تتعامل بعقل مفتوح وخصوصاً مع أولئك الذين يريدون خدمة الشعب الفلسطيني والذين يدركون أن وحدة الشعب الفلسطيني شرط لتحقيق أهدافه في الحرية والانعتاق».

ورفض اعتبار استقالة محمد دحلان من منصبه مؤشراً ايجابياً يمكنه أن يساعد على فتح صفحة جديدة بين الحركتين، وقال «أعتقد أن الخطوة التي تأتي أمام الأمر الواقع ليست بالضرورة أن تكون قائمة على حسن النوايا ولكنها تحمل في ثناياها كثيراً من الدلالات لعل أبرزها فشل دحلان في القيام بمهامه».

وتأتي تصريحات موسى بعد أقل من 24 ساعة من تصريحات رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل في العاصمة الروسية موسكو والتي أكد من خلالها استعداد الحركة للوقوف خلف قيادة الرئيس «أبو مازن» للشعب الفلسطيني.

في سياق آخر، قال نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي حاييم رامون إن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت يريد إحياء محادثات السلام المتوقفة منذ وقت طويل. وقال إنه «في الفترة الماضية وخصوصاً منذ أن استولت حماس على قطاع غزة أصبح هناك شخصان ملتزمان بالسلام وملتزمان بمحاربة الإرهاب» في إشارة إلى الرئيس عباس ورئيس وزرائه سلام فياض.

وأضاف رامون في حوار مع «راديو إسرائيل» أن لدى إسرائيل «الآن شريكاً وفي اللحظة التي يظهر فيها هذا الشريك لابد أن نبدأ المفاوضات معه.. أنا لا أعرف إلى متى سيظل هذا الشريك موجوداً ولذا لابد أن يتم ذلك بشكل عاجل».

وقال مشدداً على ضرورة إجراء المفاوضات بشكل عاجل على أساس «مبادئ» اتفاق السلام النهائي «إن الاحتلال يهدد وجودنا نفسه، وشرعيتنا وموقفنا في المجتمع الدولي». وقال إنه وفقاً لاتفاق مثل هذا فإن إسرائيل ستنسحب من معظم الضفة الغربية وستضم المستوطنات الرئيسية من خلال عملية تبادل للأراضي.

إلى ذلك، قال مصدر إسرائيلي رفيع ان اولمرت اشترط لقبول المبادرة العربية تعديل البند الخاص بحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وأشار إلى أن «هذا المطلب الإسرائيلي جاء على لسان وزيرة الخارجية تسيبى ليفني خلال لقائها نظيريها المصري والأردني» الأسبوع الماضي.

وأشار إلى أن الاقتراح الإسرائيلي يقضي باستيعاب اللاجئين في مناطق الدولة الفلسطينية بعد إقامتها.

محمد إبراهيم