يخوض جيل الشباب معركة ضد المجتمعات التي ينتمون إليها شكليا، ويعيشون بمعزل فعلي عنها من خلال لغة غريبة ابتكروها وباتت مضامينها ومفرداتها أسلوب تفاهم لا يدركه سوى أبناء جيلهم، دون الكبار الذين يتعذر عليهم فك طلاسم مفرداتهم.
وهذه «اللغة الدخيلة» ليست حكراً على جنسية دون غيرها، بل إنها تتردد على ألسنة الشباب العربي كل حسب موطنه الأصلي، ففي مصر مثلا، حول الشباب كلمة مرح إلى «روشنة»، أما في الأردن فعكف الكثيرون على استخدام لفظ «طقع» بمعنى رائع، و«خف عقلي» بمعنى قادني إلى الجنون وغيرها من العبارات والمصطلحات المتداولة بين الشباب على اختلاف انتماءاتهم.
هذه الظاهرة وإن جاز إطلاق صفة الظاهرة عليها لتفشيها كوسيلة تفاهم بين الشباب أو «الشلل» الشبابية، أقلقت التربويين وعلماء الاجتماع واللغة، باعتبارها من وجهة نظر متخصصة مؤشرا خطيرا يعكس حالة الفراغ وهشاشة اللغة والتدني الأخلاق والسلوكي في بعض المجتمعات.
وقد أطلق شيوع التحدث بهذه اللغة المليئة بالمفردات والاصطلاحات والعبارات والتركيبات الغريبة والعجيبة، جدلا كبيرا ولغطا واسعا بعد أن طغت بصورة ملفتة على أحاديثهم وباتت تقلد من قبل الصغار وتنتقل بصورة سريعة جداً إلى الأسر، حتى تسللت إلى الأفلام والمسلسلات، كأسلوب يتكئ عليه البعض في التعبير عن مبتغاه وشخصيته.
تدمير اللغة
«الجيل» ألقى الضوء على هذه من خلال عدد من الحوارات مع أصحاب الشأن، إذ يقول عمرو عبد العزيز وهو طالب جامعي من مصر: لا أنكر استخدامي بعض هذه المصطلحات والألفاظ، مؤكدا في الوقت نفسه رفضه لما يشاع بأن هذه اللغة مسؤولة عن تدمير اللغة العربية، وبأن من يتحدثها جيل ضائع وينتمي إلى طبقة اجتماعية دنيا.
مضيفاً أن استخدام هذه الكلمات يندرج على سبيل المداعبة والضحك وخلق أجواء من المتعة والفرح، وليس بقصد تدمير أو إلحاق الضرر بأي شيء.
أما علاء بيومي مصري الجنسية فقد فسر لنا بعض تلك المفردات، وقال: «الحكاية في الامبلايز» أي الأمور سيئة جدا، «واد شامبو» أي فتى طيب و«كوزك لحد منعوزك» يعني لا تتدخل فيما لا يعنيك.
ويضيف إن هذه المفردات وغيرها منتشرة بين الشباب في الجامعات المصرية والمدارس الثانوية بشكل لافت للنظر، ولا يعتبرها احد بأنها ممارسة خاطئة بقدر ما هي «تقليعة» شبابية تواكب صرعات العصر.
مشيراً إلى أن الشباب جيل مظلوم نشأ في ظل ظروف قاهرة، سيطرت عليها ثقافة الاستهلاك والعولمة والفساد والبطالة والواسطة والمخدرات ومستوى تعليمي ومعيشي متدهور، في مقابل تراجع الثقافة الجادة وغياب القدوة.
جيل محبط
وتساءل الشاب محمد بكري: ماذا تنتظرون من جيل محبط ومدمر وغارق في عالم مظلم ومستقبل مجهول، فغالبية الشباب اليوم مكبوت ومحروم من أبسط حقوقه في الحياة، ويعاني الأمرين ضمن مستوى تعليمي سيء أشبه بمحو أمية ومناهج عفا عليها الزمن وتدهور في المعيشة، مشدداً على انه رد الشباب على هذا الواقع حتماً سيكون بطريقة مغايرة، وما هذه الكلمات إلا لغة احتجاجية على الأوضاع المزرية ومحاولة يائسة للتفريغ والترويح عن النفس.
فيما قال محمد السوسي من المغرب إن عدداً كبيراً من الشباب العربي على وجه العموم والشباب المغربي خاصة، يحلم بالهجرة خارج الوطن، مشيراً إلى أنه غير راضٍ عن مستوى المعيشة في بلده، كما إنه غير مطمئن على مستقبله، فالاختباء وراء هذه اللغة والمفردات ليس إلا أسلوباً للهروب والهجرة خارج أسوار المجتمع.
اتهامات وتضخيم
وأضاف الشاب حسن بالهول أنه لا يبرر سبب إطلاق الاتهامات على الشباب في كل اتجاه، أو تضخيم بعض ما يتعلق في ممارساتهم اليومية الاعتيادية، متسائلا: لماذا كل هذا اللوم والمحاكمات التي تعقد بحق الشباب وكأنهم نبت شيطاني، ومؤكداً أن الأمر لا يتعدى كونه مجرد ترفيه لا أكثر ولا اقل، حتى أن ألفاظ الشباب تلك بات يرددها الكبار على سبيل المزاح والخروج عن الروتين وطابع الحياة الممل والمتسارع.
وقال الشاب محمد مشاقبة إن استخدام هذه الألفاظ لا يقلل من قيمة صاحبها، وما هي إلا أسلوب للتنفيس والترويج عن النفس، ومنها كلمة «فايع» أي الشخص الذي يعيش حياة صاخبة، أما «النهفة» فتعني شابا خفيف الظل.
وفيما أوضح زميله محمد المصري أن كلمات الشباب مجردة من تلك التفسيرات والتحليلات التي دأب الاختصاصيون التربويون والنفسيون على إطلاقها، معتبراً الأمر مجرد دعابة.
ألفاظ الإنجليزية
أما حسام محمد فأكد أن هناك ألفاظاً تستخدم بالإنجليزية، مثل «كول» و«مان» وغيرها من الجمل والعبارات، مشيراً إلى أن الشباب لا يبقون أو يتمسكون بنفس المصطلحات، إذ أنهم يخترعون كلمات جديدة على الدوام، بحيث تتواءم مع التطورات والمجريات التي تجتاح المنطقة مثل «شاب ديجتال عالآخر»، معتبراً أن الانترنت و«الشات» تحديداً والرسائل النصية، كلها متغيرات ساهمت بصورة كبيرة في انتشار هذه الظاهرة.
ولفت تامر أبو عايش إلى أن «شلته» تقوم بابتكار كلمات غريبة لنشرها بين مجتمع الشباب مثل كلمة «كاجو» التي تعني تمام، و«مشرش» أي الشخصية ذات الخبرة، و«لوز» أي فتاة جميلة، و«كرزة» أيضا فتاه جميله لكنها سهلة.
واعتبر الشاب عبد الله الزرعوني أن لغة الشباب ما هي إلا «تقليعة» تنسجم وتسير مع العصر الرقمي المغرق بالاختصارات والترميز، رافضاً احتسابها تحدياً صارخاً لجيل الآباء والأجداد.
تدهور اللغة
ويقول الدكتور فؤاد مصطفى المتخصص في اللغة العربية والمشرف التربوي في مدرسة الشعلة الخاصة بالشارقة، إن اللغة العربية تعيش حالة تدهور كبير جراء التعدي المتواصل عليها من قبل الشباب، مؤكداً أن ما يبتكره الشباب ليس إلا لغة تافهة ركيكة تعبر عن حالة الضياع الاجتماعي التي تعيشها هذا الفئة في المجتمعات العربية.
وتعبر أيضاً عن حالة الانقسام بين جيل الآباء والأبناء. وعزا أسباب توجه الشباب لمثل هذه اللغة إلى السيل الهابط من الأغنيات والأفلام التي يتلقاها الشاب يوميا، وسيطرة اللهجة العامية وحالة الانسلاخ الذي يعيشه الشاب العربي، حتى عمد إلى اشتقاق لغة غريبة غير مفهومة وإقحامها في السياق اللغوي، مؤكداً أنها تحمل تداعيات تهدد مستقبل الأمة، ومستقبل جيل الشباب.
مرحلة متردية
وأوضح مصطفى أن اللهجة السائدة بين الشباب ما هي إلا انعكاساً للمرحلة المتردية التي تعيشها المنطقة العربية من تغريب وتقليد وتأثر بالنموذج الغربي في مختلف أنماط الحياة، منوهاً إلى أن هذه «الصيحات» تندرج كلها تحت تقليد ما يجري في الغرب ومحاولة محاكاة النموذج الآخر القوي، خصوصاً وأن الشباب يفتقدون عنصر التفاعل مع ثقافاتهم ومجتمعاتهم وواقعهم، فأصبحوا فريسة سهلة للآخرين.
وأضاف أن الظروف التي يمر بها الشباب العربي وتلقيهم لرسائل إعلامية وترفيهية ترتكز على لغة هابطة، وارتفاع معدلات البطالة، كل هذه معطيات تصنع جيلا محبطا متمردا على القيود والوصايا والنصائح، كما أن الإنسان في هذه المرحلة العمرية بالذات يسعى جاهداً إلى لفت الأنظار من خلال خلق أجواء من المرح وخفة الظل والتهكم والسخرية والابتكار.
«دم» اللغة العربية
وبحكم الخصوصية التي تحظى بها دولة الإمارات من خلال احتضانها لعشرات الجنسيات، فقد غزت هذه الظاهرة المدارس والجامعات والمراكز التجارية ومختلف الميادين، وعكف بعض التربويين ووسائل الإعلام المختلفة وأصحاب الشأن، على استنكار هذه اللغة الهجين.
ووصف من يستخدمها بالضائع، وعلى الجانب الآخر اعتبر البعض أن هذا حق من حقوق الشباب الذين يرزحون تحت ظروف خاصة، ويتعرضون للعديد من المؤثرات التي كانت غير متوفرة لدى الأجيال السابقة كالانترنت والمحطات الفضائية والسماء المفتوحة والعولمة، لافتين إلى الشباب أبرياء من «دم» اللغة العربية التي تعاني الانهيار والزحف الغربي عليها إضافة إلى شيوع العامية.
وأشار الدكتور فؤاد مصطفى إلى أن الأهالي باتوا يعيشون في غربة نتيجة لما يصطدمون به من تعابير ومفردات تخرج من أفواه أبنائهم، دون أن يستطيعوا فك رموزها أو فهم دلالاتها المستجدة، مشيراً إلى أن الشباب هم الأقدر على تطويع اللغة وتسهيل استخدامها وصولاً إلى تحويرها والعبث بها بالاستخدام المطرد لخليط من الكلمات والتعابير الوافدة في التخاطب اليومي.
استطلاع: نورا الأمير
