عدد لا بأس به من أولياء الأمور هجروا المدارس الحكومية إلى الخاصة بحثاً عن «اللغة الانجليزية»، باعتبارها لغة العلوم والدراسة الجامعية التي يشكو من صعوبتها على الدوام كثير من خريجي الثانوية العامة ممن يدرسون مناهج وزارة التربية والتعليم الاعتيادية، إذ أن ضعفهم اللغوي ظل عائقاً في مشوارهم التعليمي،أما المدارس النموذجية في أبوظبي فقد نجحت في جعل العديد من أولياء الأمور يغيرون اتجاه بوصلتهم إليها عوضاً عن المدارس الخاصة، وهي ظاهرة غير مسبوقة منذ سنوات، والسبب مشروع تدريس العلوم والرياضيات باللغة الانجليزية كونه منهاجاً أجنبياً مطوراً مماثلاً لما تقدمه المدارس الأجنبية، مع ضمان بيئة تربوية تدعم الجوانب الوطنية والأخلاقية التي يؤرق الأهل إهمالها في المدارس الخاصة.

أمل الاستمرارية... أم غريسة ولية أمر أمنيتها أن يستمر تدريس مادتي العلوم والرياضيات باللغة الانجليزية في المدارس النموذجية حتى الثانوية، نظرا للمستوى العالي الذي تمتاز به المناهج المطروحة، منوهة إلى أنها تتعلم من ابنتها الكثير من الجمل والمصطلحات رغم صعوبتها، لكنها تجد ابنتها قادرة على الدراسة والاستيعاب والأهم أن المدارس النموذجية لن تسمح بأن تطغى اللغة الانجليزية على العربية. وأضافت أن لديها تجربة مع أبناء لها كانوا يدرسون في المدارس الخاصة، وأنها اضطرت لنقلهم عندما بلغوا المرحلة الثانوية إلى مدارس حكومية بسبب ما يمس الجانب الأخلاقي لديهم، وإبعادهم عن الأفكار التي لا تتناسب مع قيمنا وثقافة مجتمعنا، ولكن ابنتها الصغرى محظوظة لوجود فرصة دراسة الانجليزية في مواد العلوم بهذا الأسلوب وبهذه البيئة الدراسية النوعية.

وأوضحت أمل بوشلاخ معلمة لغة عربية في مدرسة الآفاق وولية أمر، أنها تابعت مشروع العلوم والرياضيات في مدرستها، ولمست المستوى الجيد والمفيد بالنسبة للطالبات، فنقلت ولديها من مدارس خاصة بمناهج أجنبية إلى أخرى نموذجية، ليدرسوا ضمن مشروع العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية، وهو نفس المنهاج الأجنبي المطبق في المدارس الخاصة، لكنه يطبق في النموذجيات في بيئة تربوية محافظة.

مشيرة إلى أن شخصية ابنها تغيرت من ناحية أسلوبه وطريقة الحديث المهذبة والجريئة، وكذلك من الناحية الوطنية من خلال ارتدائه «الكندورة»، ومشاركته الفعاليات التي تدعم تلك النواحي، إضافة إلى القيم الدينية، وذلك كله إلى جانب المستوى الأكاديمي المتميز بعد تدريسه المواد العلمية الأساسية باللغة الانجليزية.

المعلمة الأجنبية

وأشارت إلى أن كفاءة المعلمات المواطنات أو من الجنسيات العربية كبيرة، وأنها تدحض فكرة الاستعانة بمعلمين أجانب، لأن الجانب التربوي الأصيل من ناحية الأساليب التربوية والإدارة الصفية وتوجيه الطالب موضوع مهم بالنسبة لولي الأمر، مطالبة بتطوير مناهج اللغة الإنجليزية كونها تلمس ضعف تفاعل ابنها مع حصة اللغة الانجليزية، رغم أن معلماته أجنبيات ولكن مستوى ما يقدم له أقل من إمكاناته.

أم محمد ولية أمر اعتبرت أن المشكلة التي تواجه المعلم والطالب بداية التحاقه بالمشروع تكمن في أن الطفل يأتي من روضة حكومية وهي رياض لا تقدم للطالب تهيئة مناسبة في الحروف والكلمات العربية والأجنبية، فيتطلب ذلك من المعلم بذل جهد كبير لتعليم الطالب في الصف الأول.

مشيرة إلى أن كفاءة المعلمين في المشروع عالية، وهي كولية أمر لا تعارض المناهج إن احتوت بعض الصعوبات، فالطالب لا بد أن يتعلم، إذ أن جهود المعلمين الفردية في تنفيذ قواميس ومشاريع وملازم لتحفيز الطلبة وترسيخ المعلومات لديهم تبدو كبيرة وذات جدوى.

قوائم الانتظار

محمد بالحمر رئيس قسم البرامج والمناهج ومشرف مشروع تدريس العلوم والرياضيات في منطقة أبوظبي التعليمية، أكد أن النجاح الكبير الذي وصل إليه المشروع يترجم ويبدو جلياً في جانبي مستويات الطلبة وإقبال أولياء الأمور والضغط المتواصل من أجل التسجيل وقوائم انتظار الطويلة، مشيراً إلى أن التقارير والنتائج تظهر حجم التطور الأكاديمي لدى الطلبة.

حيث يتم تدريسهم مادتي العلوم والرياضيات بأساليب متطورة من خلال مناهج حديثة تؤهلهم للإلمام بالمصطلحات العلمية وإن كانت باللغة الانجليزية، وهو ما يعد خطوة أساسية في علاج المشكلة التي يشكو منها خريجي التعليم العام عند التحاقهم بالجامعات والتي تكمن في عدم أهليتهم العلمية واللغوية للسير في الدراسة الجامعية.

وأضاف أن المشروع في مدرسة الآفاق وصل للصف الرابع كونها أولى المدارس المطبقة له، وأن أولياء أمور طالبوا بدراسة تطبيق المشروع على مرحلتي الخامس والسادس، وفتح باب التسجيل فيهما للطلبة المتميزين طبقاً لاختبارات خاصة بهدف إفساح المجال لمن لم يتمكنوا من الدراسة ضمن المشروع.

موضحا أن الإمكانات المادية متوفرة للمشروع ولكن العقبة الكبرى تكمن في توفير الكوادر التدريسية المؤهلة لأن معايير اختيارهم تعتمد على كفاءات معينة، لا تتوافر بسهولة في الميدان، لذا فإنه لا يبدو أي تسرع في توسيع دائرة تطبيق المشروع.

فجوة الإنجليزية

سلامة الخاطري معلمة علوم ورياضيات في مدرسة الآفاق، قالت إن المشروع ناجح في إطار منهاج قوي وكوادر ذات كفاءة تخضع للتدريب والتطوير المستمر، والأهم إيمان إدارة المدرسة بالفكرة وهذا من أبرز عوامل نجاحه في تلك المدرسة، مشيرة إلى مستوى الطالبات فوق الرائع، وأن ابنها التحق بإحدى النموذجيات بسبب المشروع.

وطالبت الخاطري بضرورة معالجة الفجوة بين منهاج العلوم والرياضيات من جهة ومنهاج الإنجليزية من جهة أخرى، إذ أصبح المعلم ضمن المشروع هو من يدعم مادة اللغة الإنجليزية، وليس العكس بالتالي هم بحاجة ماسة لمنهاج إنجليزي مساند وقوي.

وتحدثت عن المواد الإثرائية ووسائل التعلم التي ينفذنها للطالبات لدعم أدائهن في المشروع عن طريق الملازم ومواقع الانترنت، إضافة إلى تبادل الخبرات مع المدارس النموذجية الأخرى، مع الاستعانة بمشاريع المدرسة مثل «آفاقنا تسمو» و«ريف الآفاق» التي تحول المناهج إلى واقع ملموس ومعاش، مع الحرص على الحديث مع الطالبات باللغة الإنجليزية حتى خارج الغرفة الصفية.

الصور والملموس

حاتم درويش منسق العلوم والرياضيات في مدرسة المستقبل النموذجية ذكر أن مناهج المشروع ارتقت بمستوى الطلبة العلمي واللغوي، معتبراً أن تدرجها في الصعوبة ضمن مصطلحاتها العلمية الدقيقة أمر في غاية الأهمية في تدعيم وترسيخ العملية التعليمية، لكن الطلبة وفي سنهم الصغيرة يستوعبون أكثر في ظل استخدام أساليب تعليمية جاذبة.

وقال إنه لا يسمح بالتحدث باللغة العربية خلال الحصة حتى مع طلبة الصف الأول التأسيسي، الذين يكون اعتمادهم الأقوى في التعلم على الشيء الملموس والصور وتعبيرات الجسد والمؤثرات الصوتية والألعاب، نظرا لطبيعة هذه المرحلة.

إضافة إلى التعاون مع معلمي الأنشطة كل في مجاله لدعم مهارات الطلبة العلمية والحسابية مثل تأليف أغاني مرتبطة بالمنهاج تساعد في حفظ المصطلحات، لأن مشكلة ضعف منهاج اللغة الانجليزية في المدرسة إحدى المعوقات في تدريس العلوم والرياضيات، فالواقع أن منهاج الانجليزية بدءا من الصف الثالث ينكشف وتظهر فجوة كبيرة ويصبح مشروع العلوم والرياضيات هو الأقوى، وهذا خلل يتطلب دراسة وتطوير لتتواكب المواد الثلاث معاً.

ركن الهدايا

أما أشرف القطان معلم العلوم والرياضيات فتطرق إلى جهود المعلمين في خلق وتوفير وسائل داعمة تنفذ لضمان استيعاب الطلبة للمواد والمصطلحات ضمن المشروع خاصة وأن هناك فروقا فردية لابد من أن تراعى، وذلك من خلال استثمار مهارات الطالب في تطوير أدائه الأكاديمي.

وأضاف أن معلمي العلوم والرياضيات يتعاونون في إعداد أفكار وبرامج إثرائية داعمة، ومنها مشاريع تحفيزية مثل كأس التميز والمسابقات، وبرامج لتبسيط المنهاج مثل القاموس المصور والناطق وبرنامج القارئ الماهر والمنهاج المغنى وتحويل المناهج إلى الكترونية، بحيث تكون على ويمكن للطالب أخذه إلى البيت بدلا من حمل الكتاب في حقيبة ثقيلة.

وأشار القطان إلى أن طلبة المرحلة الابتدائية تجذبهم الهدايا والألعاب لذا فقد ابتكر فكرة «ركن الهدايا» وهي عبارة عن زاوية في الصف مليئة بالهدايا ولكل هدية قيمة معينة تحسب بعدد من النقاط، فكلما أنجز الطالب عملاً أو واجباً حصل على نقاط أكثر ويبدأ الطلبة في جمع النقاط للوصول لهدية محددة يودونها، موضحا أن ذلك نمى لديهم مهارات حسابية إلى جانب الاجتهاد في الدراسة والمذاكرة.

دور التوجيه

سعيد حمودة من قسم التوجيه في المنطقة التعليمية والمشرف على تطبيق المشروع، ذكر أن المشروع يشمل نحو ألفي طالب وطالبة من الصفوف الأول وحتى الرابع، وأن تطبيقه بدأ العام الدراسي 2002/ 2003.

وتم اعتماد منهاجين مطورين في العلوم والرياضيات، ففي العلوم اعتمدت سلسلة بفْكُُِّّْ الأميركية، وفي الرياضيات اعتمدت سلسلة ئُْمٍَّفَ البريطانية، وهما سلسلتان عالميتان على مستوى عال، وتنميان كثيرا من مهارات التعلم والتفكير والاستنتاج والتحليل لدى الطالب، مضيفاً أن عملية اختيار الكفاءات من الكوادر التدريسية تعد واحدة من أهم عوامل نجاح تطبيق المشروع.

وذكر أن التوجيه لعب دورا في اختيار المناهج والمعلمين، إضافة إلى جانب التدريب، فالتوجيه أعد خطة بالتنسيق مع جامعة زايد، حيث تنفذ ورش تدريبية في طرائق التدريس الحديثة والإدارة الصفية وتوظيف التقنيات في العملية التعليمية مع الاهتمام بالحاجات التدريبية طبقا للواقع الميداني.

مشيراً إلى أن المعلمين يطالبون على الدوام بتطوير منهاج اللغة الانجليزية ليتناسب مع مشروع العلوم والرياضيات، ولأن يضاف منهاج مطور إلى جانب المنهاج الموجود مع مضاعفة عدد حصص الانجليزية فهي قرابة الست حصص، مقابل أن للعلوم والرياضيات نحو 12 حصة أسبوعيا.

قوائم انتظار وقابلية للتعلم

صفية حسن مديرة مدرسة الآفاق النموذجية أشارت إلى أنها سجلت هذا العام 80 طالبة 60 منهن قدمن من المدارس الخاصة، ليصبح العدد الإجمالي لطالبات المدرسة 582 طالبة وهناك قائمة انتظار تضم 150 طالبة، وأنه لم تعد لدى المدرسة أماكن تستغل للتدريس، فتم تحويل عدد من المدرجات إلى فصول، لذلك وضعت إدارة المدرسة خطة توسع ستنفذ خلال العام بعد المقبل، سيتم بموجبها إضافة 15 فصلا جديدا.

مشيرة إلى عدم تأييدها فكرة التوسع في مشروع تدريس مادتي العلوم والرياضيات لمستويات عليا لمن لم يدرسه من البداية، وذلك يعد نوعا من المجازفة والمخاطرة، فالتدرج في تطبيقه أفضل لأن القفزات قد لا تعطي النتائج المطلوبة.

وتطرقت إلى أهمية تطوير مرحلة رياض الأطفال بحيث يأتي الطفل مهيئاً للانخراط في المشروع مباشرة، لأن طلبة الرياض الحكومية يأتون دون أن يملكوا أبسط البدايات.

مما يكلف المدرسة إضاعة أسابيع في إعادة تأهيلهم، لافتة إلى أن عملية اختيار الطلبة للالتحاق بمدرسة الآفاق تعتمد على مدى القابلية للتعلم بنسبة لا تقل ذلك عن 80 في المئة وهذا الأمر لا يتفهمه كثير من أولياء الأمور، فيقفون أمام رفض المدرسة لبناتهم.

حل مؤقت

تعليقاً على ضعف منهاج اللغة الإنجليزية مقارنة بمناهج المشروع ذكر محمد بالحمر أنه يبحث المشكلة مع المختصين في جامعة زايد باعتبارها من الجهات الأكاديمية التي تدعم تطبيق المشروع، وأن هناك عدة مقترحات منها التفكير في توحيد المناهج الثلاثة من الانجليزية والعلوم والرياضيات، لتكون مرتبطة معا بآلية واحدة.

وأن يكون الطالب في نفس المستوى، لأن تدريس العلوم والرياضيات يحتاج إلى دعم الطلبة بمهارات اللغة مثل الكتابة والقراءة والخطابة، كما أنه يمكن حاليا معالجة تلك الفجوة من خلال تفعيل غرف المصادر والبرامج الالكترونية بشكل كبير وتقديم مواد إثرائية للطلبة لحين توفير الحل الجذري.

إضاءة

اقترح سعيد حمودة موجه العلوم بمنطقة أبوظبي التعليمية حلاً لعلاج مشكلة نقص الكفاءات التدريسية للمشروع، بأن تتبنى المنطقة تشكيل لجنة ذات خبرة استقطاب معلمين من دول الوطن العربي طبقا لمعايير وشروط محددة تراها مناسبة.

أبوظبي ـ لبنى أنور