إن الإسلام دين اجتماعي، يحرص كل الحرص على مصلحة الفرد والجماعة ويدعو إلى التآلف والتآزر والتكاتف ويرى أن صالح الفرد في الجماعة، وصالح الجماعة مرتبط بصالح الفرد لذا يحرم ما من شأنه أن يورث العداوة والبغضاء والتفكك في المجتمع .
وقد ورد في الحديث أن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الشخص الذي ينطوي على نفسه ولا ينفع الناس ولا ينتفع بهم .
قال - عليه الصلاة والسلام - المؤمن الذي يخالط الناس، ويصير على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم. إلا إذا خشي على نفسه الفتنة فإنه يعتزلهم.
قال العلامة مفلح المقدسي - رحمه الله - قال أبو زكريا النوواي - رحمه الله : مذهب الشافعي وأكثر العلماء على أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن وقطع به في موضع آخر عن الإمام أحمد .
فالمجلس الذي يضم المسلمين يجب أن تسوده الألفة والإخاء والرحمة والتقيد بما أمر به الشارع ونهى عنه .
على المسلم أن يختار من يجالسه فلا يكون جلساؤه ممن لا خلاق لهم، لأن الجليس له تأثير كبير ودور فعال في تغيير طباع جليسه وممشاه .
وقد وضح - عليه الصلاة والسلام - ما للجليس الصالح، والصالح من تأثير في جليسه بقوله : مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك : إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير : إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة .
فهذا التمثيل تمثيل رائع وكلام بليغ في غاية الوضوح . فالجليس مع مرور الأيام يؤثر في جليسه مهما كانت الظروف والأسباب .
فإما أن يكتسب منه الصلاح إن كان صالحاً وإما أن يكتسب منه الطلاح إن كان طالحاً.
وكذلك على المسلم إذا حضر المجلس سلم وجلس، حيث ينتهي به المجلس ولا يقيمن أحداً من مكانه مهما كانت شخصيته ومهما كان مقامه فالمسلمون سواسية لا فرق بينهم .
وما يفعله البعض في هذا الزمان من تقديم ذوي الجاه والثروة وابعاد غيرهم من الفقراء والمساكين ومتوسطي الحال فليس ذلك من الإسلام في شيء .
ومن ذلك أيضاً ما تراه اليوم من الموظفين ورؤساء الدوائر ، حيث إنهم يستقبلون ذوي الجاه والمال ويجلسون معهم الساعات الطويلة يتحدثون في شئونهم الخاصة ويتركون الكثرة من المراجعين ينتظرون.
ومن الآداب أيضاً: التوسعة في المجلس لئلا يضيق البعض من البعض الآخر فيترك المجلس، يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فأفسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل لكم انشزوا فانشزوا).
ومعني تفسحوا : أي وسعوا لبعضكم البعض في المجلس ولا تتضايقوا فيه .
قال القرطبي - رحمه الله - الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر سواء كان مجلس حرب أو ذكر أو يوم جمعة وأن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه ويؤيد هذا الحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما فقد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقيم الرجل من مجلسة ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا أو توسعوا» .
فعلى المسلم إذا جلس ، جلس وعليه الأدب والوقار، وعليه أن ينصت لكلام الآخرين، ولا يقاطعهم في الكلام وأن يكون طليق الوجه .
وإذا تحدث بلطف لقوله تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين)
وإذا تكلم أوضح في كلامه فقد صح أنه - عليه الصلاة والسلام - كان «إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا، حتى تفهم عنه وإذا مر على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا» .
وألا يترفع على الجالسين، أو يحاول أن يجعل الكلام كله له، وألا يفعل أفعالاً تنفر الجالسين، أو تضايقهم لقوله - عليه الصلاة والسلام: «استنصت الناس» وعليه أن يتثبت مما يقوله فلا يتكلم قبل التفكير فيما سيقوله وإلا ستكون النتيجة أن يندم على كلامه يقول تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم).
ومن آداب الجلوس أيضاً ألا يتحدث اثنان ومعهما ثالث بغير إذنه إلا لحاجة ماسة، كأن الأمر الذي يتحدثان فيه أمراً سرياً لا يحبان أن يطلع عليه أحد أو تقتضي المصلحة إخفاءه .
ويشبه ذلك كلام اثنين بلغة لا يفهمها ثالث في ذلك من إحراج له، فيظن أنهما يتكلمان عنه، يقول تعالى: (إنما النجوي من الشيطان ).
وقال: عليه الصلاة والسلام : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث .
والتناجى هو خفض الصوت بين اثنين بحيث لا يسمعه الثالث.
وعلى المسلم أيضاً تشميث العاطس عندما يعطس الإنسان فإن ذلك يشعر بأن هناك جسماً غريباً قد دخل في أنفه لذا كان من حكمة الشرع أن يقول الحاضرون له: «يرحمك الله» أي يرحمك من هذا الجسم الغريب الداخل فيرد العاطس «يهديكم الله ويصلح بالكم ويغفر الله لنا ولكم» .
ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحكم، وحمد الله كان حقاً على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فيرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان».
فمعنى حب الله للعطاس هو أنه شيء نافع للإنسان لطرده الجسم الغريب الذي يضر بصحته . فأما إذا عكس أكثر من ثلاث مرات فإنه حينئذ يصبح مريضاً وهو مرض الزكام فيقال له عندئذ : شفاكم الله .
هذا من الناحية الصحية أما من الناحية الاجتماعية فتشميث العاطس وجواب العاطس للمشمت يدل على أن المسلمين يهتم بعضهم ببعض ويرأف بعضهم بحال بعض فبذلك تتوثق عرى الصداقة وتقوى الروابط الأخوية وتزداد المحبة والألفة فيما بينهم.
وأما الجلوس في الطرقات فقد جاء النهي الشديد عن ذلك إلا لمن يتقيد بما يأمر به الشارع حفاظاً على أعراض الناس ومراعاة لشعورهم فيقول - عليه الصلاة والسلام - «إياكم والجلوس على الطرقات فقالوا: ما لنا بد وإنما هى مجالسنا نتحدث فيها قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر».
رجاء علي