العرب وعاء الإسلام الأول وركيزته وحاضنته، والقومية جامعة القوم تاريخا وأرضا ولغة وثقافة شاملة، والعروبة قومية العرب، ولا هوية لشعب بلا قومية فلكل شجرة أصل. ولغة العرب هي لغة القرآن ولسان أهل الجنة، ورسول البشرية وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم عربي.

وليس هذا صدفة، فالله سبحانه وتعالى حكيم عليم اختار العرب لرسالته واختار منهم الصادق الأمين وكرمهم بجعل لغة القرآن ولسان أهل الجنة عربيا، ومن يكره العرب يكره أمر الله ودينه، فلماذا يحاربون العروبة والعرب ويتآمرون عليهم إذن؟!

هناك من يحارب العروبة بالإسلام ويحارب الإسلام بالعروبة، وتتخذ حروبهم أشكالا عدة.. تثير بعض المسلمين على العرب وتثير بعض العرب على الإسلام أو المسلمين، في الوقت الذي لا يوجد فيه أي تضاد أو تناقض بين العروبة والإسلام، بل هما واحد متناغم متوحد الوعاء والمحتوى، المعنى والمبنى، متآلفان لا متنافران، وافتعال أي مدخل للاحتراب هو مصطنع مزعوم لا أرضية له، هدفه إضعاف ثم إفناء هذه الأمة التي يتكالب عليها الأعداء.

وعندما نذكر العروبة والإسلام فإننا نتحدث عن «كل» موحد وليس مفردات مجزأة، بينما يريد البعض (وهم أقلية موجهة ذات مصالح) أن يجعلهما خندقين متضادين مختلفين.

والقوى الخارجية تسعى جاهدة وبشكل مستمر لمحاربة العروبة وإن عجزت عن المجاهرة بعدائها السافر للإسلام، ثم تعود تارة أخرى لتحارب العروبة بإثارة «المتأسلمين» أدعياء الإسلام على قومية العرب والتنظير لذلك بمختلف الوسائل والآراء، حيث وجد الغربيون المتصهينون أن خير وسيلة لإضعاف الإسلام هي البدء بإضعاف العرب في داخلهم لإيقاف تقدمهم وخرق وحدتهم.

الإسلام كدين إيمان وتوحيد وعبادة ورسالة من السماء إلى الأرض، والعروبة انتماء للأرض تاريخا وجغرافيا وتراثا (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، والانتماء القومي للعروبة هو التعريف والنسب والتاريخ والتقاليد لحملة الرسالة الإسلامية ـ العرب ـ ولمحمد النبي العربي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يعارض الإسلام بل على العكس تماما يقويه ويتمسك به وبلغة القرآن.

والعروبة ليست تلك الفكرة الشوفينينية أو العنصرية، بل هي إنسانية حضارية إسلامية والتأكيد على الهوية هو تعريف وليس إنكارا، وضوح لا غموض، ولا بد لكل إنسان أن يعرف بانتمائه وهويته.

وكلمة «الأمة» هي دلالة على الجمع والوحدة وليست عامل إضعاف أو تفرقة. إن العرب أمة اختارها الله سبحانه وتعالى لحمل رسالته وخص رسولها العربي صلى الله عليه وسلم ليقود هذه الأمة إلى دروب الإيمان والنور والقوة. وأينما ترد كلمة «أمة» فهي دالة على الجماعة التي ترتبط بأشياء مشتركة (منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) سورة المائدة ـ 66، (ولما ورد مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون).

وإذا كانت العروبة هي انتماء عظيم، ومن ثم شرفها الله وزادها تشريفا بنزول رسالته إلى كافة الأمم وكتابه عربيا (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) وجعل خاتم الأنبياء والرسل عربيا، فلماذا لا نتمسك بها ونجلها ونردد انتماءنا إليها؟

وهل يعيبنا شيء بعد ذلك أن نحميها ونذود عن اسمها الذي شرفنا الله به! إن كل جماعة متميزة تشكل أمة، حتى الدواب والطيور أمم! (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) سورة الأنعام 38، والعلم أثبت هذا وأن هذه سلالات.

فالأمة انتماء، وانتماء العرب لعروبتهم، وذلك ليس جناية ولا خروجا على الدين الحنيف. بل الانسلاخ من الدين ونكرانه وتسفيهه هو الجناية، والتآمر على لغته وتهميشها هو الجرم بعينه.

والإسلام رسالة احتضنها العرب ودافعوا عنها واستشهدوا أمام وعلى جناحي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثم مع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، والعرب كانوا ولا يزالون إنسانيين بإسلامهم وعروبتهم، ولكل مسلم أرض وانتماء وهوية، وإذا قيل لعربي ما قوميتك فهل يصح إنكارها والانسلاخ منها؟

إنها العروبة لغة القرآن ولغة أهل الجنة وقومية الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل هناك سمو أو فخر أو علو أكرم من ذلك؟ إنه تكريم من الله، وليس كرها أو عدوانية أو عداء للدين.

والعروبة وعاء الإسلام ورسالته ولغة النبي الأكرم وصحابته رضوان الله عليهم وسجل الأنساب التي أوصى نبينا بحفظها، فلو ضاع النسب والحسب لضاع النسل واختلطت الأنساب وتفكك المجتمع وفقد تماسكه.

فمجموع القبائل هو الشعب ومن ثم الأمة، والحضارة المشتركة واللغة والتاريخ والقيم المشتركه تشكل هذه الأمة وتوحدها وتكسبها قوة، وبعد ذلك فإن المتنكر للهوية القومية متنكر للأرض والتاريخ ووصايا الدين والرسول، ومصير ذلك يكون التشرذم والضعف والهوان والتبعية، وهذا ما يريده أعداء أمتنا العربية والطامعون والحاقدون وأبواقهم المسعورة.

إن العروبة قوميتنا، وقوميتنا هي عروبتنا وهي وحدتنا، لأنها قواسمنا المشتركة في الدين واللغة والتاريخ والمصير المشترك.

الإسلام وحد العرب وعزز عروبتهم المسلمة ونقى عاداتهم ورسخ الكثير الطيب منها، كالكرم والشجاعة والغيرة للدخيل وإغاثة الملهوف، ولو لم يكونوا خير امة لما ذكرهم الله في القرآن ووصفهم بأحسن الأوصاف.

وكان جد العرب إبراهيم الخليل عليه السلام «أمة» وهذه هي إرادة الله، أبعد هذا يأتي من يأتي ليكره العرب والعروبة والتي هي جذر الإسلام ووعيه، وأول ما بدأ الإسلام بدأ بالعرب.. وبتقوية مفهوم الأمة.. وصاغ وهذب وعزز مفاهيم بما يتناسب ويرفد هذا الدين العظيم، فنشروا الرسالة ولغتها لغة القرآن والحديث والفقه والسيرة.. ولغة العلوم الأولى..

تميز العرب بوحدة أرضهم في آسيا وإفريقيا.. وأوصلوا الإسلام إلى أوروبا.. فعبروا البحار والقارات إلى أقاصي العالم.. ولولا قوة دينهم ووحدة لغتهم وقيم عروبتهم.. لالتهمتهم الموجات الغازية الطامعة والشعوبية، ولذابوا كما يذوب ويهلك الضعفاء فاقدو الهوية والانتماء..

وما زالت هذه الفلول الحاقدة على العرب ورسالتهم تحاول النيل منهم حتى تحت ستار الدين، ولكن حضارة الإسلام وعروبة العرب، وهي النقية الخالية من الشوفينية، ما زالت سداً منيعاً ضد الهجمات والغزوات الظالمة، لأن العروبة والإسلام إنسانية وإيمان وحضارة، وإذا قلت الحضارة الإسلامية أو العربية فأنت تتكلم عن حال واحد وقيمة واحدة مضيئة وراسخة بلا خلاف واختلاف.

بأخلاق العرب المسلمين انتشر الدين ودخل قلوب الناس، ولهذا يحاول الأعداء جاهدين وبكل ما أوتوا واستطاعوا في خبث ودهاء وحقد تحطيم هذه القيم والأسس الحضارية الإيمانية.. تحطيم تراث العرب والإسلام، فإضعاف العربية هو إضعاف للإسلام وكفر بآيات الله وأوامره ونواهيه.. والله حكيم عليم يعلم أين وضع رسالته وبركاته.. فالأرض العربية هي أرض كل رسالات السماء..

ومهبط وأرض كل أنبيائه ورسله وكتبه.. ولو أمعنا البصر والبصيرة وفكرنا، لن نجد نبيا أو رسولا خارج أرض العرب.. من العراق إلى الجزيرة العربية ومصر وفلسطين وأرض الشام.. فأية عظمة وتكريم لأرض العرب المقدسة ولسانها وأخلاقها.. وهل هناك تكريم أكبر من ذلك في الكون؟!..

فكيف يحاربها بشر؟! كيف يناصبونها العداء؟ ولكن الحقد مرض.. وهؤلاء المرضى إنما يحاربون الله.. أعداء العروبة والإسلام يريدون تحطيم هذا الوعاء وإهراق ما فيه.. طمس حضارتهم. إنهم يكرهون أرض العرب وتراثهم.. نهبوا ما نهبوا منهم فلم يكتفوا ومرت قرون وهم يحاربون رسالة العرب.. ولم ينجحوا، وأطلقوا الآن صفة «الإرهاب» وقبلها التخلف..

ثم تهمة التطرف.. وظلم المرأة «والديمقراطية» ثم مفهوم «الاعتدال».. ولكن الله مع العرب حملة رسالته.. وحملة رايتها.. الرسالة الخالدة لا تموت.. لأنها تكريم من السماء وتحظى بحماية الخالق العظيم.. فالإسلام والعروبة نسيج موحد.. ولو كانت العروبة شوفينية لما خصها الله بالتكريم وبرسول منها (صلى الله عليه وسلم)، ونكران ذلك تنكر للإسلام مهما كانت فلسفة وحجج المدعين من الشعوبيين والشوفينيين..

والدعوة إلى الوحدة العربية تصب في هدف وخير وحدة المسلمين وليس هناك تناقض أبداً.. فوحدة وقوة الإناء مع محتواه حماية لما يحتوي.. ولكل امرئ ما نوى، (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).. صدق الله العظيم.

محمد خليفة الرميثي