أكرم الله تعالى أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعلها خيرَ أمة أخرجت للناس، وأنزل على مصطفاه الكتاب والحكمة، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فهما النبراس لأمته، والنور الهادي لها إلى الصراط المستقيم.

والسنة النبوية وكل توجيهاتها تمثل الحضارة الكاملة التي ينشدها المرء، وهي بكامل تفاصيلها وكل أنواعها قيم حضارية، بل أصبح كثير من أصحاب القوانين يعترفون بحضارة الإسلام وقيمه الراقية في شتى المجالات، وما بينته السنة النبوية من تعاليم لم يصل إليها أيه حضارة أقيمت بتخطيط بشري، أو تنظيمٍ برأيِ أفرادِه المادّيين.

والبشرية في كل عصر، وفي شتى أقطار الأرض، بحاجة إلى هدي السنة النبوية المطهرة، لذا كان من الواجب حتما إبراز قيمة التوجيهات النبوية، وأنها صالحة لكل عصر وفي كل مصر، ويتبع ذلك ضرورة إقامة الندوات والملتقيات والمؤتمرات للتدارس فيما بين المختصين لإيجاد السبل الكفيلة لتعريف المسلمين بهذه القيم الحضارية.

وكشف الستار لغيرهم، لتظهر لهم مكانة هذه السنة النبوية بما اشتملت عليها من تعليمات توجيهية وتربوية وإصلاحية، واشتملت على العلاج الناجح لكل المشاكل، مهما تنوعت مصادرها أو اتجاهاتها، واختلفت ظروفها.

والسنة تتجه نحو حضارة المجتمع ورقيه وتقدمه، وأن القوانين والضوابط والتفصيلات المنظمة التي أرشد إليها النبي الكريم ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ كلها تأخذ بالفرد المسلم نحو الرقي إلى الأفضل والأصلح في نفسه وأسرته ومجتمعه أو المحيطين به، و«الترشيد في الإنفاق» عملية تدعو إليها النفس السليمة السوّية، ويبحث عنها كل من أوتي حظا من المال، فالسنة النبوية توضح كيفية جمع المال وأساليبه المباحة، وتبين طرق الاستهلاك المفيد، فلا اكتناز ليُحرم المحتاجين، ولا إفراط في الإنفاق حتى يبيت خالي اليد.

وأقصد بالترشيد: الاعتدال في إنفاق المال وصرفه في وجوهه المشروعة، بدون تجاوز أو تقصير، كما جاء تفصيله في السنة النبوية المطهرة .

كما قصدت من البحث: إظهار محامد الإسلام، ببيان محاسن التفصيلات المقننة في مجال إنفاق المال، وحسن تخطيطه لكل الجوانب الفردية والاجتماعية، مما يجعل المرء يعيش في ظل القيم الإسلامية الحضارية بكل سِلم وسلام وأمن وأمان.

فالسنة النبوية أباحت جمع المال وحثت على العمل، وفصلت الطرق المباحة ووضحت أنواعها، كما حذرت من أنواع أخرى محرمة تضر بالفرد والمجتمع.

كما أن الاقتصاد في التصرف في المال، مطلب أساسي في كل الحضارات ومهما اختلفت الديانات، والسنة النبوية المطهرة تحث أمة الإسلام عليه، فهي تضع للإنسانية الضوابط والحدود لتعيش بمالها الذي اكتسبته هنيئة مرتاحة البال، والسنة النبوية تتضلع بمعان سامية تدل على قيم راقية فيما يتعلق بالمال والاقتصاد فيه، وعدم التصرف بدون النظر إلى العواقب، لأن الحوادث خاطفة لا علم للبشر بها، فيجب اتخاذ الحيطة والحذر، كما ورد في السنة ذم التبذير الذي يؤيد ويؤكد الاعتدال في الإنفاق من المال.

ونبين في هذه الأوراق مجالات الإنفاق وطرفيه المحمود والمذموم، في ضوء السنة النبوية، فمن القيم الحضارية في السنة النبوية أن حددت الأزمنة والمقدار في الإنفاق الواجب، وتركتهما في الإنفاق المندوب، ليكون تصرف الإنسان حسب المنافع وما فيه مصلحة الأطراف جميعا.

والإنفاق المحمود في الحلال، أي صرفه في مصرفه الذي ليس فيه مؤاخذة عليه في الدنيا والآخرة، ومجالاته متعددة، كالإنفاق على الأسرة، وهي النفقة الواجبة، إذ أوجب الإسلام على المرء رعاية والديه وخاصة في حالة الكبر، والإنفاق عليهما من باب الإحسان.

كما أوجب عليه النفقة على زوجاته وأولاده، وتكون النفقة على قدر استطاعة المرء، بحسب سعته في الرزق، بل يثيبه جزاء موفورا، إذا كان ممتثلاً مطيعاً مراعياً حقوق الآخرين، فإذا ما حصل شيء يعكس الاتجاه، أجازت السنة النبوية وأباحت أن تأخذ المرأة الكفاية بالمعروف.

وسئل رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ جُهْدُ الْمُقِلِّ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول) وسئل مرة فأجاب (وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا من رَجُلٍ يُنْفِقُ على عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ، أو يَنْفَعُهُمْ الله بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ) وقال أيضا (إذا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً على أَهْلِهِ وهو يَحْتَسِبُهَا كانت له صَدَقَة).

ومن حضارة السنة النبوية أن نظمت الإنفاق الواجب من مال الله تعالى الذي وهب المرء، فجعلت فيه حقا واجبا لفئات من المجتمع إذا ملك حدا معينا، وتجاوز وقتا محددا، زائدا بعد الإنفاق في مصاريفه المعيشية الخاصة به وبمن يعولهم، وفي حديث مُعَاذِ بن جَبَلٍ حينما بَعَثَهُ - صلى الله عليه وسلم - إلى الْيَمَنِ (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قد فَرَضَ عليهم صَدَقَةً، تُؤْخَذُ من أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ على فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِم) وقال ابن عُمَرَ - رضي الله عنهما ـ (من اسْتَفَادَ مَالا فلا زَكَاةَ فيه حتى يَحُولَ عليه الْحَوْلُ عِنْدَ رَبِّهِ).

كما وضحت الأوصاف الخاصة بمن تصرف لهم هذه الأموال، وحددت الإنفاق الواجب في كل نوع بحسبه، في النقدين، وفي بهيمة الأنعام، وفي الثمار والركاز، وعروض التجارة، مما يدل على حسن التخطيط وروعة التنظيم، ولو أنعم المتأمل النظر لخرج بنتيجة رائعة، وأن الإسلام له نظرته الدقيقة إلى كل هذه الأصناف، فحدد المقدار الواجب في كل جنس مراعيا المصالح العامة، ولا يستطيع البشر أن يصل إلى أسرار هذه التقسيمات المحكمة بعقله القاصر.

وفي كل ذلك جلاء لرقي أنظمة الإسلام في التصرف في الأموال من حيث الإنفاق الواجب، وتوزيعه على من به حاجة إلى مال لتحسين حال، من مأكل ومشرب وملبس ونحوها.

وكذا إخراج الفطر فيه مواساة للكثير من أفراد المجتمع، وتدريب عملي لمسألة إنفاق المال، يتوصل به المنفق إلى معرفة المحتاجين ممن يعيش معه في بيئته، ويدرك حقيقة هذه العبادة بعد أداء ركن من أركان الإسلام، الذي يغرس في النفوس دروساً إيمانية فيها مصالح للمجتمع، ويدرك قيمة هذه العبادة، وأنها تدل على القيم الحضارية التي تجعل أفراد المجتمع يعيشون حالة فرح، يشتركون في أخذ الراحة والتمتع بمتع الدنيا المباحة.

والسنة النبوية توجه المجتمع إلى التكافل الاجتماعي، فهناك مجموعة من أفراد المجتمع بحاجة إلى رعاية، وآخرون ابتلوا بقلة ذات اليد، وفئة عاطلة عاجزة عن الكسب لعوامل مختلفة، فقد حثت السنة النبوية أصحابَ الأموال بالرفق بهم والتصدق عليهم، ورتبت على ذلك أجراً عظيماً وثواباً كبيراً، وإذا أمعن أولو الأبصار النظر عرف للسنة النبوية قدرها، وللإسلام علوّ الشأن، في كل توجيهاته الموجهة إلى الفرد أو الجماعة في مجال الإنفاق.

ولقد وجد عُمَرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - مَالا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النبي - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرَهُ، فقال له: (إن شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بها، فَتَصَدَّقَ بها في الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذِي الْقُرْبَى وَالضَّيْف).

كما راعت السنة الحالات الطارئة، وظروف المؤلفة قلوبهم، والأرقاء، والغارمين، وحثت على بناء المساجد وحفر الآبار وإنشاء الأوقاف ونحوها، لأن تعليمات الدين الإسلامي كاملة شاملة صالحة لكل زمان ومكان، والإنفاق في هذه المجالات، فيها مراعاة ظروف الناس جميعا، و يعود النفع على معظم أفراد المجتمع.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (من يَحْفِرْ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَحَفَرَهَا عُثْمَانُ، وقال: من جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ).

هذه التعليمات النبوية، تأخذ بأفراد المجتمع نحو الحضارة الحقيقية التي تراعى فيها كل ظروف الإنسان في حالتيه اليسر والعسر، وفيها من المرونة ما يجعلها تتسم بالصلاحية المستمرة مهما تباعدت الأزمان وتناءت الأقطار، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وإذا ما وازن الإنسان وقارن بين تعليمات السنة والقوانين البشرية الموضوعة، يعلم حقيقة سمو هذه التوجيهات النبوية، في موضوع إنفاق المال.

ثم تحدثت عن الإنفاق المحرم المذموم في ضوء السنة النبوية؛ وبعد أن حثت السنة على المباح في الإنفاق - بيّنت لهم ما يضرهم أو يعود عليهم بالشر والضر، وأبرزت حدودا لا يجوز لهم تعديها، مراعاة لنفوسهم وتهذيبا لتوجّهاتهم، وهذا من باب ذكر الضدين ليمتثل المرء بالمباح الحلال، ويبتعد عن الحرام المضر بعد الموازنة والمقابلة والمقارنة.

وقد نهى الله تعالى عباده عن أكل المال بالباطل، وهو ما يخالف الشرع كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا وغير ذلك مما لم يبحه الشرع؛ والإنفاق في الحرام فيه ضرر على المجتمع أحيانا، وعلى بعض أفراده أخرى، ونواحيه كثيرة متجددة على مدى الإعصار، واختلاف الديار، ولقد وضحت السنة النبوية بعض المجالات المحرمة، ليبتعد الإنسان المسلم عنها، كإنفاق المال في الربا، ودفع الرشوة، وشراء الخمر، وحلوان الكاهن، ومعطي مهر البغي، وما يشابهها من أعمال وتصرفات:

ففي الحديث: (لَعَنَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وقال هُمْ سَوَاء) وقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِي) وقد نهى النبي- صلى الله عليه وسلم ـ (عن ثَمَنِ الْكَلْبِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَمَهْرِ الْبَغِي) و(لَعَنَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في الْخَمْرِ عَشْرَةً - وذكر منهم - بَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالْمُشْتَرِي لها، وَالْمُشْتَرَاةُ له).

وإذا تأملنا الأحاديث النبوية نجد صدور الوعيد الشديد والطرد من الرحمة لمن ينفق المال في هذه المجالات، ولا شك بأنها كلها محرمة، ومن ناحية أخرى في كل ما ذكر ضرر على الفرد والمجتمع عاجلا أو آجلا، فوضع الحدود والسياج لعدم التعدي أو الدخول في هذه الأعمال من التعليمات التي تدل على أنها توجيهات حضارية راقية.

وبعد أن بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المباح في الأكل والشرب واللباس والصدقة، ختم البيان بما يدل على رفعة المبادئ الإسلامية، فيقول (من غير إسراف ولا مخيلة) لتكتمل المعيشة في المجتمع، ويأخذ كلٌ حقه بدون ظلم، ولا يطغى جانب على آخر، وتلك حقيقة رقي في المبادئ ورفعة في التعامل.

كما حذرهم من الانجراف نحو السبل المضلة التي تجعل المرء يكون مشابها للشياطين المردة، إذ قال الله تعالى (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) ولا يقبل العاقل المستقيم أن يكون أخا لشيطان رجيم عدو مبين.

د. محب الدين بن عبد السبحان