قال الشيخ: ورد في المأثور أن الرجل لا يدخل الجنة بعملهِ أبداً وإنما يدخلها برحمة من الله وفضل، وهو معنى كثيراً ما أسيء فهمه حتى دفع كثيرين إلى اليأس والقنوط من رحمة الله ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
والناس يتراوحون بين من يحسنون الظن بالله دون إحسان عمل، ويطمعون في رحمة الله وكرمه بعد أن غرهم في الله صفات جماله ووده ولطفه.
وهؤلاء لم يقدروا الله حق قدره، ولم يتأدبوا بأدب الطاعة والقرب، فهم يخوضون في الكبائر والصغائر بإصرار من لا يراعي حرمة لله، فإذا نُصحوا قالوا: إن الله غفور رحيم، وبين من فهموا المأثور على أن العمل الصالح لا يجدي، وأفعال التقرب لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النجاة يوم القيامة أمر موكول إلى رحمة الله وكرمه ولا يختلف في هذا المؤمن الصالح عن المعرض الطالح.
وآيات القرآن العظيم وأحاديث الرسول الكريم واضحة صريحة لا لبس فيها ولا إبهام، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، والإنسان في خسرٍ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه وعن ماله من أين أتى به وأين أنفقه. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ما سبب سوء الفهم الذي يعيشه القانطون من روح الله حتى يئسوا من أعمالهم وظنوا أنها لا تنقذهم من الجحيم مهما جلت واتسمت بالإخلاص وحسن التوجه.
أول ما يقال في الإجابة عن هذا السؤال أن المعنى الذي يقرر أن الرجل لا يدخل الجنة بعمله أبداً قصد به وصف مقيم الجنة والخلود فيها وما فيها مما لا يخطر على قلب بشر.
فهذا المآل العظيم والخلود فيه وهو من مظاهر كرم الله وعطائه الذي لا يحد، لا يمكن أن يكون ثواب عامل مهما عمل، ذلك أن عقل الإنسان اعتاد على أن يكون الثواب على قدر العمل، والله أعد للمؤمنين العاملين ثواباً أكبر وأعظم وأجل من أعمالهم مهما بلغت.
وإلا فقل لي بربك هل يستحق الإنسان مهما كان صالحاً أن يرى وجه ربه الكريم في جنات عرضها السموات والأرض وأن يكون بجوار الرفيق الأعلى في خلود لا يزول ولا ينقضي، مقابل صلاح في سنوات محدودة هي عمر الإنسان.
إن المؤمن الذي عرف قدر ربه يشعر بقرارة نفسه أنه مهما ملأ حياته بالأعمال الصالحة لا يستحق كل هذا الكرم الإلهي الذي وعد به.
وهذا لا يتعارض مع حقيقة أن الله قد كتب على نفسه أن يكافئ الصالح على صلاحه وأن يعاقب الطالح على طلاحه وأن توزن أعمال ابن آدم بميزان - مثقال ذرة - ليتقرر مصيره إلى الجنة أو إلى النار.
وثاني ما يقال في هذه المسألة أن الحق أراد لنا أن نتأدب معه ومع عباده فلا نقرر - نحن بحدودنا البشرية - مصير إنسان ما لم يجاهر بكفره، فكل ابن آدم خطاء، والحق جل وعلا هو من يكافئ ويثيب ويعاقب ويبطش، والله أعلم بالسرائر وبما تتسم به من إخلاص أو رياء، فأمر الناس كل الناس موكول إلى الله حتى لا يسارع الإنسان فيحكم على أخيه الإنسان ويقرر مصيره، وهو باب من أبواب الأدب مع الله وسنة لازمة لاستمرار دفع الناس بعضهم ببعض بالحسنى دون تطاول على الخالق الحسيب وخلقه.
وثالث ما يقال إن المؤمن العارف الذي ينشغل بنفسه وصلاحها عن إطلاق الأحكام على الآخرين، والذي يطيل النظر في أفعاله ومقاصدها وأحوال نفسه الباطنة والظاهرة مع تقديره الله حق قدره، كثيراً ما يرى نفسه مقصراً بحق الله وعبيده مما يكون حافزاً له لمزيد من العمل والعبادة، فالمؤمن الحق يسير على قدمين هما الخوف والرجاء، ورجاء المؤمن لا يشعره بأنه في مأمن إذ كثيراً ما يعادل رجاءه خوفه ويرى نفسه بإنسانيته الضيقة العاجزة أقل من أن ينال رضا الله بعمل مهما صلح واستقام.
ماهر سقا أميني