يأتي قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بإنشاء لجنة وطنية عليا للتركيبة السكانية، برئاسة سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية، ليضع قضية خلل التركيبة السكانية في موقعها ومكانها الصحيح، باعتبارها أم القضايا الوطنية التي تتبوأ الحيز الأهم والأبرز في سلم الأولويات والاهتمامات الرسمية والشعبية في دولة الإمارات. وقد حظي هذا الموضوع بالكثير من الطروحات والنقاشات على مستويات متعددة، سياسية واقتصادية وإعلامية.. وغيرها، إلا أنه بقي في الإطار النظري ولم يجد طريقه للتنفيذ بالقدر والمستوى المطلوبين.

وحدة الدراسات في «البيان» كانت قد نظمت (في فبراير 2005) ندوة حول تحديات الخلل في التركيبة السكانية، بهدف البحث عن الحلول الممكنة والقابلة للتطبيق الفعلي، بعيداً عن مجرد التشخيص والوصف والتحليل النظري للحالة كما جرت العادة في معظم الأحيان. ومواكبة لهذا القرار التاريخي ولعمل اللجنة الوطنية المنبثقة عنه، نعيد نشر ما طرح في هذه الندوة من آراء وأفكار وما توصلت إليه من مقترحات وتوصيات، مساهمة في الحوار والبحث عن أنجع السبل لمواجهة هذه القضية الوطنية الكبرى وإيجاد الحلول المناسبة لها.

وقد شاركت في الندوة نخبة من أصحاب الرأي والخبرة أمنياً واقتصاديا وأكاديمياً، وافتتحها ظاعن شاهين رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «البيان»، وأدارها د. محمد عبد الله المطوع رئيس وحدة الدراسات. وتالياً الحلقة الرابعة..

أخطار متعددة

* د. محمد عبد الله المطوع: نبدأ الآن المحور الثاني، وهناك بعض النقاط التي وضعناها، ومنها: الحالة الاجتماعية للأسرة المواطنة، والنمو السكاني، والبطالة، والمرأة، والتقاعد والسياسات الاجتماعية، وتطوير وتحديث المناهج التعليمية...الخ، وكل القضايا المتعلقة بالجانب الاجتماعي. أمام كل هذه النقاط، ما هي الحلول التي يمكن أن نقترحها لحل معضلة الوضع الاجتماعي؟

* الفريق ضاحي خلفان: هذه هي الخطة الاستراتيجية التي وضعناها في القيادة العامة لشرطة دبي لحل الخلل في تركيبة السكان. وضعنا المشكلة والأخطار الكامنة، لكن الأخطار الحقيقية أكثر من أن توضع فقط في ثلاثة محاور. نحن وضعناها من حيث الأخطار المتعلقة بالأمن الوطني والأمن السياسي والقومي والاجتماعي والاقتصادي، وحتى المجال الجنائي والمروري والثقافي والصحي والغذائي.

اليوم عندنا، مثلا، مسألة الوجود في البلاد بصورة غير مشروعة وما يسببه من خلل، فهؤلاء لا يتمتعون بالرعاية الصحية لأنهم مخالفون. وكذلك في الأمن الغذائي والديني والإعلامي والتعليمي التربوي... وهكذا.

وضعنا المشكلة ووضعنا خطة استراتيجية تبدأ برؤية كالتي تكلم عنها الدكتور، وعرضناها على مجلس الوزراء وعلى كل المسؤولين. رؤية ورسالة وقيم وسياسة عليا، تشمل العوامل المؤثرة والأهداف الاستراتيجية. يجب أن تكون عندنا أهداف استراتيجية، وإطار زمني للخطة الاستراتيجية، وأن تكون للخطة عناصر وسمات وصفات ومجالات تدور فيها ووسائل تنفذ بها وجهة منفذة وجهة مشرفة على التنفيذ.

هذا كله نحن طالبنا به وعرضناه وقلنا انه إذا أردنا حل المشكلات فالحل يكون بهذه الأساليب. مثلا، أنا أرى الرؤية من أجل أن نكون الأغلبية عددا وبلغتنا العربية والإسلام ديانة، لابد أن نعتمد على النفس ونصلح أخطاء الأمس. هذا شيء ضروري لتحقيق التوازن من خلال تركيبة السكان. هذا كان شعارنا أو رؤيتنا، الرؤية التي نريدها. أما إذا كنا نريد فقط مواطنين فهذه بسيطة، كل منكم مثلا يتزوج عشرين زوجة لكي نصل إلى العدد المطلوب.

أنا لا أزال أقول إننا بالنسبة لوضعنا الاجتماعي، لا خوف على تركيبتنا الاجتماعية من وجود مسلمين وعرب، وحتى أجانب عندهم احترام لمشاعرنا ولتقاليدنا وقيمنا. هناك أجانب موجودون ولكنهم يحترمون هذه القيم ويحافظون عليها. فنحن لا يجب أن نتهم كل الأجانب أو غير العرب أو غير المسلمين بأنهم طرف لا ينبغي التعامل معه أو التعايش معه.

أنا أرى أن الخلل الاجتماعي من الفضائيات ومن البث الذي يأتينا بثقافات غريبة اخطر علينا من أولئك الذين يعملون طوال النهار، مشغولين في أعمال البناء أو في مشروع معين.

فالقضية نحن نبسطها إذا نظرنا إليها فقط من حيث السكان مقارنة بما يأتينا من سموم خارجية. ورغم هذا فنحن إذا حاولنا الحفاظ على مناطقنا السكنية، يجب أن لا يحصل ما حصل ـ مثلا ـ في منطقة الراشدية، فانا ألوم المواطن عندما ينتقل إلى منزل جديد ويؤجر منزله القديم لمجموعة من العزاب ليسكنوا فيه دون اعتبار لجاره السابق المواطن. فانا لا أريد الحصول على أي قرش إذا كان ذلك على حساب مواطن آخر وعلى حساب راحته وخصوصياته المنزلية.

إذن، إذا لم يكن عندك إحساس وشعور بالجماعة فكيف تريد أن تراعي ظروف الناس الاجتماعية؟!

أنا أرى أننا دائما نضع القصور الموجود فينا على الأطراف الأخرى، في حين أننا نحن كمواطنين لدينا جوانب سلبية ينبغي لنا أن نتحرر منها.

* محمد المزروعي: ليس عندي الكثير في الجانب الاجتماعي، ولكنني سأركز على نقطتين. فنحن عندنا فعلا قطاعات حيوية في بعض الإمارات، ويفترض أن يكون عندنا مخزون استراتيجي للقرن الحادي والعشرين.. اليوم نذكر مثلا قطاع النفط، فالمفترض أنه قطاع مهم بالنسبة للدولة.. فمثلا في الأزمات يمكن لجهاز الأمن أو جهاز الشرطة أن يحل محل إدارة المرافق الحيوية، مثل الكهرباء والماء وغيرها من المرافق الأساسية في الدولة، فالمفترض أن تكون عندنا عناصر بشرية مدربة تستطيع أن تحل في أي وقت.

النقطة الثانية مسألة التأهيل والتدريب، فمعظم البرامج الحكومية فيها قصور كبير ولذلك نحن نعاني منها وبالتالي تنعكس على الوضع العام.

مثلا، الجهاز الحكومي الاتحادي كم نسبة الذين يتدربون فيه تدريبا فعليا حقيقيا؟ كمعهد التنمية الإدارية على سبيل المثال! بالفعل لا يوجد تدريب حقيقي. لذلك الموجودون اليوم في القطاع الحكومي بحاجة إلى تدريب. فالعدد الآن وصل إلى حوالي أربعين ألف موظف، ونحن نحتاج فعلا إلى تأهيلهم.

وحتى في التشريعات، فنحن الآن في الجامعة لدينا 6:1نسبة المواطنات إلى المواطنين، أو 4:1، لكن بعد عشر سنوات كيف ستكون النسبة؟ ستزيد النسبة وقد تصل 10:1 وتنعكس على واقع العمل، وبالتالي نحن في حاجة إلى تشريعات تعالج هذه المسألة على صعيد العمل.

نحن اليوم، مثلا، لا نستطيع أن نلزم المرأة التي لديها أطفال أن تداوم من السابعة والنصف إلى الثامنة والنصف. يمكن أن نضع نظام الدوام الجزئي لكنه يكون مدفوع الأجر ويشمل حق التقاعد.

بيانات مقلقة

* د. حسين الحمادي: بالنسبة للناحية الاجتماعية، سأركز على أرقام معينة. عندنا دون مستوى الثانوية من جملة العمالة الآسيوية والعربية 224 ,761، وبالتالي ماذا يمكن أن نتوقع من أصحاب هذا المستوى التعليمي المنخفض سوى المشكلات؟

حسب إحصائيات وزارة التخطيط (الاقتصاد حاليا) فإن نسبة المواليد الآسيويين في ازدياد بشكل كبير منذ منتصف الثمانينات، وبحلول عام 2003 شكل المواليد الآسيويون أكثر من 50% من جملة المواليد غير المواطنين. وهذه مشكلة، إذ إن العديد من هؤلاء امضوا عشرين سنة عندنا في الدولة، من أبناء الأسر المقيمة هنا.

كذلك توجد فجوة كبيرة عندنا بالنسبة لمخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ولا يوجد توافق وتواصل بينهما. والدولة تتحمل تبعات تعليم أغلى وتكاليف صحية ومنشآت مرورية.. وغيرها. علاوة على ذلك، وباختصار شديد، يوجد ثلاثمئة ألف من العمالة غير الشرعية في الدولة، حسب أرقام 2004، من جملة الخمسة ملايين عدد السكان المتوقع. خمسة ملايين، منهم 773 ألفا مواطنون وأربعة ملايين من غير المواطنين لديهم إقامات شرعية، وحوالي 300 ألف غير شرعيين.

* د. أحمد خليل المطوع: في الواقع، أنا أرى أن القضايا كلها أصلا تنبع من الأسرة، فالأسرة هي التي تشكل النواة الأساسية للاقتصاد، وبالتالي أي شيء اجتماعي يؤثر في الأسرة لابد أن يؤثر على الاقتصاد.

ما أريد قوله إن الضغط السكاني، التركيبة السكانية الحالية دفعت بالأجور نحو التدهور إلى مستويات لم تعد تفي بالاحتياجات الأساسية للمواطن، فدخل المواطن اليوم لا يتيح له تطوير نفسه ولا يكفيه ليعلم أولاده ولا لتطوير الجيل الجديد. وبالتالي هذا الضغط من شأنه أن يؤثر ويوجد عندنا عمالة ليست في المستوى المطلوب الذي نأمله في المستقبل.

إن قضية التنمية البشرية بطيئة جدا. فإذا كانت لدي عمالة سيئة فإن إزالتها تحتاج أربعين إلى خمسين سنة لكي أنظف السوق، وبالتالي إذا بدأت اليوم فلن احصد النتيجة بشكل جيد إلا بعد خمسين سنة. فالوقت يسرقنا.

وبالتالي أعتقد انه لابد من دعم من الحكومة لكي يحصل المواطن على الحد الأدنى الذي يساعده على تنمية نفسه وتنمية قدراته وإعداد جيل جيد.

الإخوان تحدثوا عن جوانب كثيرة لها علاقة بالنواحي الاجتماعية، لكن يجب ألا ننسى أن جزءاً مهماً من الأداء في التجارب التنموية لدى العديد من الدول يتعلق بما يسمى رأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي والمقدرة الاجتماعية. ورأس المال الاجتماعي هو عبارة عن الثقافة واللغة والترابط الاجتماعي. واعتقد أن إيجاد هذا الترابط بين 172 جنسية أمر صعب، بل غير ممكن. وبالتالي أرى أن هذه التركيبة الهيكلية السكانية الحالية بدأت تجعل هذا النسيج الاجتماعي أو رأس المال الاجتماعي يهترئ.

الشيء الآخر هو القدرات الاجتماعية فالدراسات التي أجريت في هذا المجال أوضحت أن المجموعات البشرية ذات الأصول أو الجذور المشتركة تنمو التجارة بين أفرادها بشكل اكبر. وبمعاينة القرى الموجودة قرب نهر الفيتكونغ في فيتنام وجدوا أن السكان ذوي الأصول الواحدة استطاعوا تنظيم أنفسهم أكثر من الآخرين الذين تختلف أصولهم. ونحن يجب ألا نتجاهل هذه الأشياء.

* د. محمد عبد الله المطوع: هل هو بسبب اللغة؟

* د. احمد خليل المطوع: بسبب اللغة وبسبب الأصول والعادات والتقاليد، وعوامل أخرى كثيرة.

ضرورة ملحة

* د. أحمد سيف بالحصا: استكمالا للكلام الذي قاله الأخ الدكتور احمد (المطوع) من أن الجنسيات تبني لها داخليا سوقا مشتركة أنا لاحظت هذا شخصيا وخاصة من قبل جنسية واضحة هنا في البلد، وألاحظ، خاصة صباحا وأنا أسير في منطقة الراشدية، كيف تتعامل هذه الجنسيات مع بعضها. حتى في الخدمات لها مواصلاتها الخاصة وكيف تشتغل، حيث إن كل الخدمات يقدمونها لأنفسهم.

أعود إلى موضوعنا، وأقول بخصوص الحالة الاجتماعية أو الحالة الأسرية، أولا إن التفكير في مسألة الزواج من أجنبيات أصبح مسألة مهمة جدا، وبالتالي وضع ضوابط بشكل مشدد أصبح ضرورة ملحة، لأن التأثير، حتى على الشكل، أصبح واضحا جدا، وبدأت العينات تظهر. فهذه العجينة التي تشكل داخل البيوت من قبل هؤلاء الذين يأتون بأجنبيات بدأت تبرز عندنا في المجتمع من خلال المواليد الجدد. هذا يحتاج إلى ضبط وإلى قرارات حاسمة.

أتصور أيضاً أن توفير المزيد من المساكن للمواطنين ضروري جدا، والمبادرات التي قام بها كل من صاحب السمو الشيخ خليفة وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مبادرات جيدة حقيقة، ونحن نشد على أيديهما ونطالبهما بالمزيد وندعو الآخرين أن يحذوا نفس الحذو بالنسبة لتوفير السكن للمواطنين، لأنه لا يمكن لشاب حديث التخرج أن يسكن في شقة أو يبقى متأخرا عن الزواج لأنه لا يمتلك منزلاً وأهل البنت يطالبونه ببيت مستقل بدلاً من إسكانها في بيت أهله وخلق مشكلات، خاصة وان نسبة الطلاق وصلت حوالي 25-26% عندنا حالياً، في دبي بالذات. وهذه ظاهرة خطيرة جداً.

مساعدة الشباب على الزواج. أعني أن صندوق الزواج من المفروض فعلاً أن يدعم ويضاف له بعد أكثر من وضعه الحالي، وعملية الزواج الجماعي عملية جيدة وظاهرة صحية ويجب تدعيمها والمطالبة باستمرارها وتوفير الدعم المادي لها بشكل جيد. ويجب ألا تقدم منحة الزواج إلا لمن يقدم وثيقة عقد قران مع مواطنة مصدقة في المحكمة.

لابد أن تكون هناك ضوابط، وهذا ما أريد التأكيد عليه. أيضاً يجب ضبط عملية المهور والتخلي عن المنافسة بين العائلات، لأن هذه القضية تسبب لنا صداعا ويجب التفكير فيها، كما يجب أن تكون هناك توعية بذلك قبل الضغط القانوني.

بالنسبة للتشغيل، أتصور أنه يجب إلزام القطاعات الاقتصادية والمؤسسات الحكومية بعملية التوظيف، لكن عملية التوظيف هذه بالنسبة للمواطنين لا يمكن أن تتم إذا لم تكن لديك بيانات صحيحة عن الوفرة الموجودة في المجتمع من الكوادر المواطنين. وهذا مطلب قائم منذ مدة طويلة، وأنا شخصيا تكلمت في هذا الموضوع على مدى أكثر من عشرين عاما في عدة محاضرات في الجامعة وغير الجامعة، وتكلمنا مع وزير العمل السابق واللاحق...الخ.

وطالبنا بأن تكون عندهم قاعدة معلومات أو مركز معلومات، عن الخريجين والباحثين عن عمل وعن خريجي المدارس وغيرهم، حتى تكون لدينا البيانات اللازمة لكي نعرف نسبة المواطنين حتى نوظفهم، وهم لديهم هذه البيانات.

التأكيد على عملية التأهيل، سواء بالنسبة للفتيات أو الشباب. وعملية التأهيل مطلب ليس سهلا، والدول التي أخذت بهذا المنهج صرفت الكثير، صرفت المليارات من اجل تأهيل مواطنيها سواء كانوا شبانا أو شابات، واليوم لا فرق عندنا بين الفتاة والشاب وما يهمنا هو الكفاءة، وبالتالي يجب تأهيل المرأة والرجل على حد سواء. سلطنة عمان التي ذكرتها الأخت نسرين وغيرها صرفت مبالغ ورصدت مليارات بالرغم من أن إمكانياتها محدودة في هذا الصدد. فنحن علينا أن نأخذ هذا الموضوع بجدية ونضعه ضمن خطط التنمية..

بالنسبة للتعليم.. تطوير التعليم لا يمكن أن نتركه بهذه الطريقة وكلما جاءنا وزير يفتي بطريقته. يجب أن يكون عندنا عمل مؤسسي، فالمناهج والتعليم والسياسات يجب أن تكون ثابتة ويأتي الوزير ويذهب الوزير وليست عندنا مشكلة، فأي احد يجلس على الكرسي يلتزم بسياسة الدولة وليس بسياسة الوزير.

ومع احترامي للوزير أو المسؤول، لكنه هو يمثل سياسة الدولة وليست سياسته هو. الدولة يجب أن تكون دولة مؤسسات ويجب أن تكون عندنا مناهج واضحة وسياسة دولة، وان تنفذ هذه المناهج. للأسف كلما جاءنا وزير يغير الأمور من أولها ونعود في كل مرة لنبدأ من الصفر.

لابد أيضاً من التركيز على عملية معاهد التدريب والتأهيل لأنها ضرورية. لا يمكن أن نقفز لحملة الدكتوراه والماجستير ونترك الوسط حتى ممن يقل مستواهم التعليمي عن الثانوية وليس هناك مانع من أن تكون عندهم شهادات متوسطة. وليس كل من يدخل الجامعة يعود بشهادة دكتوراه أو غيرها. وحتى الذين لم يكملوا المرحلة الثانوية يجب أن تتاح لهم الفرصة للتدريب.

رفع سن التقاعد

للأسف نحن نلاحظ هذه الظاهرة السيئة عندنا، مع احترامي للجميع وكل السياسات، سواء كان ذلك في الجيش أو في الشرطة أو في الوزارات. شاب ما زال في مقتبل العمر يحال للتقاعد لماذا؟

نحن نحتاج إلى رفع سن التقاعد، وإذا كانت هناك عملية إعادة تأهيل فانا أتصور أن المتقاعدين يجب أن نعيد تأهيلهم وانخراطهم في المجتمع..

* الفريق ضاحي خلفان: ما حصل كان في القوات المسلحة وكانت هناك أسباب منطقية أدت إلى اتخاذ إجراءات صارمة في حق مجموعة من الأشخاص لأمور تتعلق بالسلوك. وهذا شأن عسكري، وفي الأمور العسكرية لابد من الانضباط.

* د. احمد سيف بالحصا: أنا لم اقصد هذه الحالة بذاتها، وإنما أتكلم بشكل عام وأقول إن رفع سن التقاعد سواء في الجيش أو الشرطة أمر نستفيد منه، فنحن نحتاج لكل أصحاب الخبرة.

أخيرا، أنا أطالب بإعادة النظر في العملية التعليمية بشكل كامل، بحيث يجب أن تكون مرتبطة بعملية التنمية. لأنه عندما نطور التعليم يجب أن ننظر لمخرجات التعليم ومدى الفائدة منها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالتعليم يجب أن يكون مسخرا لهذه الغاية، بناء على خطة للتنمية محددة مسبقا ووفقا لاحتياجاتها من مخرجات التعليم، وهذه العملية تحددها عدة عناصر وليس لطرف واحد أن يحددها. لابد أولا أن نحدد ما هي التنمية التي نريدها ونحدد الكفاءات الموجودة عندنا في المجتمع وأين يوجد عندنا نقص، ثم نعمل لاستكمال النقص ونطور العملية التعليمية على هذا الأساس.

تراجع ملحوظ

* د. مطر عبد الله: بالنسبة لتأثير التركيبة السكانية على المحور الاجتماعي، طبعا منذ نهاية السبعينات إلى اليوم ونحن منبهرون بالتنمية الاقتصادية وننسى انعكاس ذلك على المجتمع أو على السكان في دولة الإمارات بشكل عام.

لو لاحظنا الأسرة المواطنة في بداية الدولة الاتحادية نجد أنها جنت كثيرا مما وفرته الدولة من مساكن وخدمات تعليمية وصحية وغيرها، ولكن لم يستمر الوضع بالقدر نفسه. لذلك نجد عندنا الآن حالات محرومة وتناولتها وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة، ولهذا أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة توجيهاته لتنمية المناطق النائية. وهذا كان احد انعكاسات أننا ركزنا تنميتنا على المدن الرئيسية والمراكز التجارية في الدولة وتناسينا المحيط الخارجي، خارج المناطق الحضرية للدولة.

النمو السكاني للمواطنين في تصاعد، لكن نسبيا بالنسبة لمجموع السكان هو في تناقص، فنسبة نمو السكان المواطنين في حدود 2-3% سنويا، في مقابل تدفقات كبيرة للعمالة الوافدة، وبالتالي من المستحيل مع استمرار هذا الوضع أن نصل إلى توازن إذا كانت العملية مقتصرة على النمو الطبيعي للسكان المواطنين. ويمكن أن يكون احد الحلول هو تجنيس بعض أفراد الجاليات العربية التي أمضت فترة طويلة وتقدم خدمات جيدة للمجتمع.

المرأة طبعا كانت مهملة واقتصر توظيفها على بعض الوظائف المحدودة جدا، كالتمريض وما شابه ذلك.. وتصحيح هذا الوضع يحتاج إلى إعادة صياغة التشريعات لتسمح للمرأة بأن تكون اقرب للقطاعات الملائمة لها أكثر مما هو محدد حاليا، خاصة وان نسبة التعليم بين النساء مرتفعة جدا في تزايد.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن نسبة الشباب إلى الفتيات هي 4:1 في جامعة الإمارات فبالتالي هناك مشكلة ستواجهنا في المستقبل إذا لم نضع الخطط المناسبة منذ الآن لاستيعاب المواطنين بشكل عام، ذكورا وإناثا، خلال السنوات الخمس والعشرين أو الثلاثين المقبلة. وإلا فأين يتجه هؤلاء؟ هل إلى القطاع الخاص حيث لا توجد ضوابط لتعيين المواطنين ولا تشريعات تجبر القطاع الخاص على توظيف حصص معينة، كما لا توجد في المقابل وسائل لتشجيع القطاع الخاص على جذب المواطنين؟

والأسوأ من ذلك عدم وجود معاهد تدريبية على مستوى الدولة لإعادة تأهيل خريجي الجامعة، فخريج الجامعة بعد أربع سنوات من الدراسة لا يستطيع أن يواجه سوق العمل، ونحن سبق أن طرحنا من قبل أن تكون هناك سنة تأهيلية بعد السنوات الأربع في الجامعة، وطالبنا أن تحسب للطالب من ضمن سنوات التخرج، (32 ساعة) كل سنة في الصيف، يتدرب ثلاثة أشهر في شركة ويجمع ما يعادل ساعات سنة دراسية كاملة بحيث تكون هذه خبرة متميزة.

وبالتالي عندما يطلبونه في القطاع الخاص تكون لديه هذه الخبرة، خاصة وان الشركات العاملة في الدولة تجلب عمالة أجنبية لا تملك خبرة نهائيا، ولا تتكلم اللغة العربية وإنما تعتبر الانجليزية هي اللغة الرسمية، وعندما يتقدم مواطن لا يمتلك هذه المؤهلات يفرض عليه أن يتكلم اللغة الانجليزية، وبالتالي هناك عدم وضوح في الرؤية وبعض الناس لا يعرف ماذا يريد.

بالنسبة لموضوع أنظمة التقاعد للمواطنين، حصلت ضجة إعلامية قبل فترة حول قانون الوظائف، وهناك دراسة حول مدى تأثير هذا القانون على وضع المرأة وعلى العملية التعليمية، وهذا يحتاج إلى إعادة نظر حيث هناك خلل كبير، وفي المقابل لا توجد كوادر تحل محل المرأة وليست هناك وظائف معتمدة ولا نظام الفرصة الذهبية لعملية الإحلال هذه.

كذلك هناك قوانين تمنع المتقاعد من العمل مرة أخرى في جهات حكومية، واعتقد أن هذا يحتاج إلى إعادة نظر لان عددنا قليل جدا، وبالتالي لابد أن نستفيد من طاقات المتقاعدين.

* محمد المزروعي: عندنا حالة أخرى هي تدني مستوى المساعدات الاجتماعية المقدمة للمواطنين ذوي الحاجات، خاصة مع عدم مراجعة سلم الرعاية الاجتماعية من سنة إلى أخرى لعدم وجود دراسات عن دخل الأسرة..

* د. محمد عبد الله المطوع: كم عدد هؤلاء الذين يحصلون على المساعدات؟ 25% تقريبا من السكان المواطنين؟

* محمد المزروعي: لا توجد عندي أرقام محددة، وهذا نتيجة لغياب البيانات الدقيقة عن مستوى الفقر عندنا.

التأثير الثقافي للعمالة الوافدة، العمالة الثقافية كان لها تأثير كبير على الحياة الاجتماعية، لكن الآن اللغة العربية أصبحت عندنا ضعيفة ولا تستخدم إلا في الدوائر الحكومية والرسمية.. حتى أن لوحات السيارات تغيرت تغيرا كبيرا وصارت تكتب بالحروف الأجنبية، فكيف نحافظ على ثقافتنا وتراثنا من التغيير؟

عوامل مؤثرة

* د. نسرين مراد: أول نقطة بالنسبة للحالة الاجتماعية للأسرة المواطنة وأثرها في التركيبة السكانية، انه يجب أن ننظر هل هذه الأسرة ميسورة أم مستورة، المستوى التعليمي للوالد وطبيعة عمله.. فهذه كلها عوامل تؤثر على النمو السكاني وبالتالي على التركيبة السكانية.

من المفترض أن الدولة تشجع النسل وبالتالي يجب أن توفر للمواطن، كما ذكر الإخوان، المسكن اللائق، وزيادة علاوة الأبناء وكذلك زيادة المعونة الاجتماعية، وهناك أيضاً الضمان الاجتماعي غير الموجود عندنا حاليا. وبالنسبة إلى النمو السكاني للمواطنين وسبل مواجهة تناقص الإنجاب ومشكلة العنوسة، بالإضافة إلى ما ذكر، يجب اتخاذ بعض الإجراءات الخاصة، وهي:

ـ وضع ضوابط للزواج من أجنبيات، لان الأجنبية تساهم في زيادة الخلل السكاني باستجلاب أهلها وأقاربها وقبيلتها...الخ.

ـ إعادة النظر في القانون الخاص بزواج المواطنة من أجنبي وإعطاء الجنسية لأبنائها كما هو الحال بالنسبة للمواطن المتزوج من أجنبية.

ـ إعادة النظر في إعطاء الجنسية للزوجة الأجنبية وتمديد مدة حصولها على الجنسية.

ـ نشر الوعي عن طريق وسائل الإعلام ودور العلم..الخ.

ـ التأكيد على مشاركة المرأة ومحاولة وضع استراتيجية للتغير القيمي حول عمل المرأة.

ـ فتح جميع مجالات العمل أمام المرأة وعدم حبسها في إطار معين من الأعمال كالتطبيب وغيره..

ـ إعادة النظر في القوانين التي صدرت بشأن حصول المرأة على إجازة وضع، وضرورة تمديد هذه الإجازة مع الراتب، للتشجيع على النسل وحتى لا تكون هذه القوانين عائقا أمام الإنجاب.

ـ إعادة النظر في أنظمة التقاعد، حيث تجب الاستفادة من المتقاعدين الذين اكتسبوا خبرة في مجال عملهم، كمستشارين بدلا من استجلاب المستشارين الأجانب الذين ليست لهم دراية بالمجتمع وظروفه وعاداته وتقاليده.

ـ وضع سياسات اجتماعية تراعي التطورات الحاصلة في الدولة والمجتمع والخلل في التركيبة السكانية، من خلال إعطاء المواطنين فرصا اكبر للمشاركة في بحث المشكلة.

ـ معالجة البطالة بشكلها الحقيقي والمقنع، من خلال سياسات التأهيل والتدريب المستمر، وليس الوقوف عند التوظيف الشكلي للمواطنين، مع مراعاة التخصص عند توظيف المواطن، أي وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

ـ إلزام القطاعين الحكومي والخاص، عن طريق سن تشريعات، بتدريب وتأهيل المواطنين، ويجب أن تكون هناك عقوبات للمؤسسات التي تتكاسل أو تتوانى عن ذلك.

ـ تطوير وتحديث المناهج التعليمية بما يتلاءم مع احتياجات التنمية وسوق العمل، دون إلغاء التخصصات الموجودة الآن، وإنما تحديثها وتطويرها.

* د. هند القاسمي: أنا لفت نظري في الجلسة الحالية أن الإخوان الحضور ما بين متفائل ومتشائم، وما بين مجمّل للوضع وواقعي. عموما، كل الحلول التي طرحت صادرة عن أناس وطنيين مخلصين لبلدهم.

هذه المشكلة تعتبر، كما أطلق عليها، أم المشكلات وأم الهواجس، لكن اغلب الحلول التي طرحت، ليس الآن فقط في هذه الجلسة وإنما بشكل عام، لم تأخذ بعين الاعتبار الواقع السكاني للإمارات، والحلول لم تصل إلى جذور المشكلة.

إن حل مشكلة التركيبة السكانية مرتبط بقضايا كثيرة، مثل التوطين والإنجاب والإحلال والتدريب، وإيجاد العدد الكافي من الوظائف للمواطنين المتوقع انضمامهم لسوق العمل، وتطوير مخرجات التعليم.

أي انه إذا لم يكن هناك قرار سياسي وبرامج وخطط واضحة للتدريب والتوظيف واستقطاب المواطن، وخاصة العنصر النسائي الذي يشكل نسبة كبيرة من قوة العمل ومع استمرار تزايد أعداد العمالة الوافدة، فلن نستطيع للأسف تحريك مشكلة الخلل. فلابد من دراسة احتياجات الدولة واحتياجات الإمارات في التخصصات المختلفة.

وهنا يهمني بشكل سريع، اقتراح لفت نظري أرى انه مهم جدا، وهذه ليست وجهة نظري أنا. الاقتراح يقول: «أول خطوة في المعالجة الجذرية تكمن في ضرورة الاعتراف أن دولة الإمارات غير قادرة بعد هذه التجربة التنموية العميقة، أن تحل مشكلة التركيبة من خلال ترحيل الأجانب، لان لهذا الحل تبعات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة بشكل يجعل إمكانية اللجوء له أمرا مستحيلا، وكذلك لا مناص من مواجهة المشكلة بروح جديدة وفكر مستنير.

وذلك من خلال (وهذا هو الاقتراح المقصود) محاولة تحقيق الانصهار والاندماج لمجموعات واسعة من العرب والأجانب في النسيج الاجتماعي المحلي (وأؤكد أن هذا ليس رأيي). ومثل هذا الحل لا يوقف تفاقم المشكلة فحسب، بل يعطي الإمارات فرصة إيجاد حل حضاري لمشكلة التركيبة ضمن شروط مناسبة لمصلحة الإمارات، قبل أن تكون مجبرة على حل قد يتكرس فيه الخلل السكاني كواقع سياسي لا يمكن تجاوزه، أي إعطاء مجموعة من الوافدين حقوق المواطنة ضمن معايير معقولة»...

المشاركون

ـ الفريق ضاحي خلفان: القائد العام لشرطة دبي

ـ د. أحمد سيف بالحصا: رجل أعمال

ـ د. فاطمة الشامسي: الأمين العام لجامعة الإمارات

ـ د. أحمد خليل المطوع: الأمين العام لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية

ـ د. محمد المزروعي: الأمين العام للمجلس الوطني الاتحادي

ـ د. مطر عبدالله: المدير الإقليمي ـ البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة

ـ د. هند القاسمي: رئيسة مجلس إدارة ـ الرسالة للتدريب والاستشارات

ـ د. نسرين مراد: أستاذة علوم سياسية ـ جامعة الإمارات

ـ د. حسين الحمادي: مدير الدراسات والبحوث في وزارة الاقتصاد

أدار الندوة: د. محمد عبدالله المطوع