يأتي قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بإنشاء لجنة وطنية عليا للتركيبة السكانية، برئاسة الرفيق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية، ليضع قضية خلل التركيبة السكانية في موقعها ومكانها الصحيح.

باعتبارها «أم القضايا الوطنية» التي تتبوأ الحيز الأهم والأبرز في سلم الأولويات والاهتمامات الرسمية والشعبية في دولة الإمارات. وقد حظي هذا الموضوع بالكثير من الطروحات والنقاشات على مستويات متعددة، سياسية واقتصادية وإعلامية.. وغيرها، إلا أنه بقي في الإطار النظري ولم يجد طريقه للتنفيذ بالقدر والمستوى المطلوبين.

وحدة الدراسات في «البيان» كانت قد نظمت (في فبراير 2005) ندوة حول تحديات الخلل في التركيبة السكانية، بهدف البحث عن الحلول الممكنة والقابلة للتطبيق الفعلي، بعيداً عن مجرد التشخيص والوصف والتحليل النظري للحالة كما جرت العادة في معظم الأحيان. ومواكبة لهذا القرار التاريخي ولعمل اللجنة الوطنية المنبثقة عنه، نعيد نشر ما طرح في هذه الندوة من آراء وأفكار وما توصلت إليه من مقترحات وتوصيات، مساهمة في الحوار والبحث عن أنجع السبل لمواجهة هذه القضية الوطنية الكبرى وإيجاد الحلول المناسبة لها.

وقد شاركت في الندوة نخبة من أصحاب الرأي والخبرة أمنياً واقتصاديا وأكاديمياً، وافتتحها ظاعن شاهين رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «البيان» حيث رحب، باسم مؤسسة «البيان» للصحافة والطباعة والنشر ووحدة الدراسات، «بهذا الحضور الطيب من الفعاليات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في دولة الإمارات العربية المتحدة».

أدار الندوة د. محمد عبد الله المطوع رئيس وحدة الدراسات، مشيرا إلى أهمية المواضيع المطروحة للنقاش حول القضية السكانية من جميع جوانبها وأبعادها وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتأثيراتها على علاقات الدولة الخارجية، إقليميا ودوليا.

بعد ذلك تناول الحديث الدكتور أحمد خليل المطوع حيث أشار إلى التغيير في هيكل الاقتصاد الذي بات قائماً على «العرض» ثم البحث عن الطلب. وأشار إلى أن السنوات الأخيرة تسجل قيادة القطاع الخاص لتطورات التركيبة السكانية، وتوقف عند عدم وجود أي مؤسسة في الإمارات لخدمة الطبقة العاملة المواطنة.

أما الفريق ضاحي خلفان فدعا فعاليات القطاع الخاص وغيرها من الشرائح الوطنية لمطالبة نفسها بالمساهمة في تعديل الهيكل السكاني قبل مطالبة الحكومة، وأكد أنه من الممكن وضع «كوتا» كمدخل لتحقيق التوازن السكاني. الدكتور مطر أحمد عبد الله رأى أن المدخل لتحقيق التوازن السكاني يكون في التوقف عن الإصدار العشوائي للرخص التجارية.

ورأى د. محمد المزروعي أن أساس المسألة دستوري، بينما أشارت الدكتورة فاطمة الشامسي إلى ضعف التوطين في الحكومات المحلية، حيث تبلغ نسبة المواطنين فيها 21% فقط. ودعا الدكتور أحمد سيف بالحصا إلى إنشاء مجلس أعلى للسكان، وطالبت الدكتورة نسرين مراد بخطة مدروسة للإحلال التدريجي في الوظائف الحكومية.

وفي حين شدد الدكتور حسين الحمادي على وحدة الرؤية والموقف بين جميع الجهات المحلية والاتحادية ذات الصلة، داعيا إلى عدم إهمال البعد الدولي وتأثيراته المحتملة على القضية السكانية، أكدت الدكتورة هند القاسمي ان حل هذه المشكلة حلا جذريا يتطلب قرارا سياسيا وخططا واضحة لتدريب وتوظيف المواطنين.

البحث عن حلول

* د. محمد عبد الله المطوع: قضية التركيبة السكانية مهمة جدا بالنسبة لنا في مجتمع الإمارات. ويعتقد الكثير من الإخوان أن هذا الموضوع أشبع نقاشا ومؤتمرات ودراسات. لذا فإن هدفنا الرئيسي في هذه الندوة هو في أن لا نكتفي بوصف الظاهرة فقط.

إنما أن نعمل من خلال مناقشة المحاور الثلاثة المطروحة على وضع مقترحات لحلول استراتيجية، حلول قد تكون قريبة أو بعيدة المدى. وأنا أفضل أن نبدأ مثلا بالمحور الاقتصادي، ثم ننتقل للمحور الاجتماعي فالمحور السياسي.

*د. أحمد خليل المطوع: في الواقع مشكلة التركيبة السكانية بدأت تكبل الحياة الاقتصادية في دولة الإمارات. ونحن الآن نحاول أن نتعرض لها بحثا عن حلول، نسميها «تناتيف» يعني ترقيعات، وهي بصراحة ليست حلولا حقيقية تحل مشكلة التركيبة السكانية والعمالة الوافدة والتي هي في هيكل الاقتصاد.

إن هيكل الاقتصاد قد تغير لكننا لا نعترف بذلك. الاقتصاد الإماراتي اليوم مثل الماكينة التي تشتغل فتطلق شرارة ونحن نحاول باستمرار أن نطفئ الشرارة، لكن في يوم من الأيام يمكن للشرارة أن تحرق الماكينة نفسها.

يجب أن ننظر لقضية العمالة الوافدة والتركيبة السكانية نظرة هيكلية أكثر لأن هذه في صلب الاقتصاد. واسمح لي أن أعطي تسلسلاً تاريخياً بسيطاً بشكل سريع، كيف تغيرت وما ترتب عليها؟

مع الطفرة النفطية طبعا بدأت الحكومة الاتحادية تنمو، والطلب على العمالة كان أساسا من الحكومة الاتحادية التي تريد أن تنمو وتبني البنية التحتية، وبدأ تدفق العمالة بمعدلات تاريخية 15% و20%. وبعد ذلك، من سنة 1982ـ 1988 حصل كساد بترولي، فبدأت الحكومة الاتحادية تنكمش على نفسها وتقلل الطلب على العمالة.

إن من ينظر في تدفق العمالة خلال هذه الفترة يجد أن المعدلات وصلت إلى 2%. لم يكن هنالك حاجة قوية للعمالة الوافدة. بعد سنة 1988، بدأت الحكومات المحلية تقوى وتنظر للداخل وبدأت الحكومات المحلية تؤسس نفسها وأصبح الطلب بمعظمه لبناء الحكومات المحلية، في حين الحكومات الاتحادية بدأت تصيبها حالة من الركود.

تغير هيكلي

ما الذي حصل بعد 1988؟ بدأ الاهتمام بالقطاع الخاص وبدأ القطاع الخاص يلعب دورا. فالطلب على العمالة القائم الآن يلبي في الواقع طلب القطاع الخاص. فلا الحكومات المحلية ولا الحكومة الاتحادية هي التي تطلب العمالة، ماذا يعني ذلك؟ تغير هيكل الاقتصاد من ثلاث نواح: تغير من حيث المؤسسات، تغير من حيث تركيبة سوق العمل وتغير من حيث الطلب الكلي.

الطلب الكلي Aggregate Demand الموجود في الاقتصاد اليوم يحركه القطاع الخاص، لكن للأسف الطلب الموجود في دولة الإمارات اليوم ليس حقيقيا؟ اليوم الاقتصاد الإماراتي يسمونهSupply-side Economics (اقتصاد العرض)، أي أن العرض يخلق الطلب، وهذا ما تكلم عنه ريغان مع ان القول أصلا لاقتصادي فرنسي مشهور اسمه Say.

إن كل عرض يخلق الطلب الخاص به، وما يجري عندنا اليوم قائم على العرض بمعنى أنه ليس مدفوعا بطلب حقيقي كما كان في السبعينات وأوائل الثمانينات. إذا نظرنا إلى سوق العمل في الواقع، نجد أن تدفقات العمل لم تعد تخدم شيئا اسمه تنمية في ضوء سياسة عامة. أصبحت الآن تستهدف وتخدم فقط القطاع الخاص وحاجاته.

وإذا نظرنا إلى المؤسسات، فإن المؤسسات التي تقام اليوم كلها للأسف تخدم القطاع الخاص، ولا توجد مؤسسة في دولة الإمارات اليوم تخدم شيئاً اسمه الطبقة المواطنة العاملة. يمكن القول إن المؤسسة الوحيدة التي برزت أخيراً هي «هيئة تنمية».

وأنا لاحظت أن هناك من تحدث عن وجود جهة متخصصة. لماذا جهة متخصصة؟ وما هدف وزارة العمل إذاً؟ وزارة العمل التي هدفها أن ترعى الموارد البشرية المواطنة منشغلة في ختم فيز (تأشيرات) للعمالة الوافدة. في الواقع «تنمية» أنشئت عن طريق وزارة العمل، لكن الوزارة لم تكن ترغب أن تكون قضية القوى البشرية المواطنة لديها فحولتها إلى هيئة أخرى. طبعا أنا، في الواقع، بالعكس اشكرهم على هذه العملية، على الأقل أصبحت هناك مؤسسة واحدة.

إن ما يسير قضية التركيبة السكانية اليوم مصالح القطاع الخاص. غرف التجارة ودوائر التنمية الاقتصادية يعني قطاع رجال الأعمال أو قطاع الأعمال تمثله الكثير من المؤسسات، لكن ما يسمى الطبقة العاملة المواطنة ما من احد يمثلها والدولة رفعت يدها عنها من ناحية التعليم والصحة ومن نواح أخرى، ولم يعد أحد يرعى مصالحها.

نحن اقتصاد مفتوح، وفي كل الاقتصادات المفتوحة يوجد Unemployment Compensation تعويضات بطالة، ونحن ليس لدينا تعويض بطالة. في كل المؤسسات الأخرى يوجد ما يسمونه wage indexation (مؤشر أجور) الذي يعني أنه: إذا ازداد Inflation (التضخم) ترتفع الأجور.

نحن ليس لدينا أمر كهذا. من يقتل هذه المبادرات؟ القطاع الخاص لأن رجال الأعمال ليس لديهم رغبة في هذا الأمر، وهم أيضا الذين يبقون (سياسة) فتح الباب التي نشهدها. من دون غلق هذا الباب ومن دون تقنينه لا يمكن صراحة حل قضية التركيبة السكانية. وهذه العملية لا يمكن أن تصلح إلا إذا وجدت مؤسسات تقيم توازنا بين مصالح طبقة رجال الأعمال والطبقة العاملة المواطنة.

* د. فاطمة الشامسي: طبعا أنا اتفق مع د. احمد فيما طرحه والصورة التي بيّن فيها كيف يعمل الاقتصاد، وأيضاً اتفق معه في أن القطاع الخاص لم يلعب دوره الوطني في خدمة العمالة الوطنية. «هيئة تنمية» كهيئة منبثقة عن وزارة العمل، تحاول أن توجد صيغة من أجل مساعدة العمالة المواطنة.

لكن دعونا نرجع إلى قرارات مجلس الوزراء التي صدرت فيما يتعلق بالعمالة المواطنة، وطبعا قرارات مجلس الوزراء هذه أقرت. ظهرت هناك حاجة لجانب قانوني أو تنظيمي، فصدر القرار رقم 10 في 1998 بخصوص التوظيف في قطاع المصارف والقرار رقم 203 في 2003 بخصوص التوظيف في قطاع التأمين.

رغما عن ذلك، وبالرغم من وجوب وضع نسب سنوية مثلا بحدود 5% في قطاع التأمين و4% في قطاع المصارف، هذه القرارات لم تنفذ أو لم تصل إلى المستوى الذي يجب أن تصل إليه. لم يكن هناك أي عملية إلزام لتنفيذ هذه القرارات، إذ بالرغم من أنه وجدت القوانين وأقرت، لكن كان هناك قصور في جانب التنفيذ أو تجاه إلزامية هذه القوانين.

ضرورة الإلزام

صحيح أن هذه القرارات ساعدت، مثلا في قطاع المصارف ارتفع عدد المواطنين إلى 11% أو 12% قبل نظام الحصص الذي فرضته الحكومة ووصل إلى 26%، وهذه طبعا يمكن النظر إليها على أنها مكاسب ايجابية، لكن فقط قلة محدودة من هذه البنوك التزمت بعملية التوطين.

ولو حصل الالتزام الذي اقره مجلس الوزراء لوصلت نسبة التوطين إلى حوالي 32%. ما حصل هو أن مجموعة أو بعض البنوك أو نسبة قليلة من البنوك هي التي التزمت، أما النسبة الأكبر فلم تلتزم، بل تركت الموضوع لحسن النية.

ما حصل أيضاً أن البنوك بدأت تتلاعب في هذا الجانب وتعلن توظيف أو توظف في نهاية العام ثم بعد ذلك تستغني عن الموظفين، لأنها تقدر ان تفعل ذلك. ما نشهده اليوم، كما ذكر د. أحمد، هو عدم وجود تخطيط شامل والتزام جاد بقضية التوطين. لا توجد مؤسسات غير مؤسسة تنمية، وأيضاً مؤسسة تنمية هي محدودة بقضية الموارد المخصصة لها.

ألا يكون هناك إلزامية في القرارات، يعني أن «تنمية» لا تملك أن تلزم. وهنا دائما تظهر عوامل أخرى للمعارضة من قبل الحكومات المحلية. وهناك نقطة أخرى، صحيح أن الحكومة الاتحادية التزمت بقضية التوظيف ووظفت 60% من قوة العمالة الموجودة المواطنة.

لكن المفارقة العجيبة أن الحكومات المحلية بالرغم من التوسع الذي حصل في الفترة الأخيرة بالنسبة لقضية التوظيف والتي فاقت حتى عملية التوظيف في القطاع الحكومي، إلا أن توظيفها للمواطنين (كان محدودا) لم يشكل هؤلاء إلا 21% فقط من وظائف الحكومات المحلية.

إذاً هناك مفارقة عجيبة. فعلى الرغم من التوسع الذي حصل لكن العمالة اغلبها عمالة وافدة في الحكومات المحلية. التساؤل هنا لماذا؟ نحن نقول إن القطاع الخاص يجب أن يلعب دورا وضروري أن يلعب دورا بالنسبة لعملية التوطين، لكن في الوقت نفسه، أيضاً الحكومات المحلية يجب أن تبادر وتكون هي الـ model (النموذج) للقطاع الخاص. إنها (أي الحكومات المحلية) بالعكس تدعم القطاع الخاص وتوقف قرارات الحكومة الاتحادية فيما يتعلق بتنفيذ القرارات المتعلقة بقضية التوطين.

غياب الرؤية

* د. أحمد سيف بالحصا: في البداية، أقدم شكري لمؤسسة «البيان» وأبارك إنشاء وحدة الدراسات فيها وأتمنى إن شاء الله أن تساهم في تطوير هذا المجتمع. في الحقيقة، تعلمنا الحياة سواء في القطاع الخاص أو في العمل المؤسساتي الذي نشارك فيه أنه لا بد أن تكون هناك رؤية للمجتمع. ما نريده في الأساس؟

عندما نتفق على ما نريد، نوجد الخطة وننشئ المؤسسات التي تنفذ هذه الخطة ونضع البرامج، ومن ثم نراقبها ونتابعها. نحن في الحقيقة، بكل أسف، نفتقد للرؤية الواضحة. والرؤية يمكن أن تظهر كمبادرات من أطراف سواء رسمية أو غير رسمية في أماكن مختلفة وفي أوقات محددة وتنتهي بانتهاء مفعولها مثل الاسبيرين، دون إيجاد علاج فعلي للقضية.

إذا أردنا أن نفكر في الموضوع بشكل جدي، يجب أن تكون هناك رؤية واضحة لدى الدولة ولدى المسؤولين مشتركة مع كل الأطراف لوصول الأفكار والمقترحات. إذا اتفقنا على الرؤية نتفق على كيفية تخطيطها. نحن في دولة الإمارات حاليا لا نملك أي خطة تنموية. لمرة واحدة في عمر هذه الدولة وجدت خطة تنموية سنة 1985 كانت خمسية ويتيمة.

نحن نعلم انه لا يمكن أن نعالج المشكلة السكانية دون أن نعالج المشكلة الاقتصادية، وإذا عالجنا المشكلة الاقتصادية علينا أن نربطها بالتطور السكاني. فالقضية هنا هي أن ننمي الاقتصاد للمجتمع وللسكان، أي أن نرفع من مستوى دخل الإنسان ونوفر له وسائل الحياة. هذه هي التنمية، وطبعا لها جوانب أخرى في التعليم وفي الصحة وفي أمور كثيرة، لكن نحن نقول انه يجب أن تكون هناك خطة متوازنة ما بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية.

والتنمية الاجتماعية لها الكثير من الفروع مثل التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والعمل وغيرها... وهذه كلها موجودة. لكن أين الخطة التي وضعت من قبل المسؤولين في هذه الدولة وفي أي من الوزارات وفي أي مكان آخر، لكي يلتزم بها الناس. لماذا نحن نجامل وننتقد في الخارج؟ لنتكلم في هذه الحجرة ونضع النقاط فوق الحروف.

لنضع خطة اتحادية وتلتزم الأطراف الأخرى بتنفيذها كل في حدود صلاحياته ويكون هنالك تنمية اقتصادية وتنمية اجتماعية بحيث لا تكون هذه على حساب الأخرى. وإلا لماذا ننمي بلدنا اقتصاديا؟ هذه العملية بكل أسف مغيبة، وهناك مبادرات شخصية قمنا بها وأوصلنا المعلومات وأعطينا هيكلا تنظيميا بالأفكار للمسؤولين، وموجود عندي بعض الأوراق.

هناك أيضاً غياب كبير جدا في التنمية السكانية واهتمام كبير في التنمية الاقتصادية. ولا يمكن معالجة هذه المشكلة بعيدا عن الأخرى. أنا في رأيي، هناك عدة مقترحات مثلا أن نقيم مؤسسات مختلطة. أولا أن تكون هناك رؤية ثم يكون هناك تخطيط ثم يوجد عمل مؤسسي ولا يبقى مبادرات شخصية. مثلا نلاحظ ان هناك دولاً مثل الهند وباكستان ومصر فيها مجلس أعلى للسكان. المشكلة ان النمو السكاني لديهم أعلى من النمو الاقتصادي وهم يعانون من هذه المشكلة ويعالجونها.

نحن عندنا المشكلة معكوسة. نحن نود أن ننمي الجانب السكاني وليس أن نحد منه. كيف نفعل ذلك؟ في اعتقادي اننا نحتاج إلى أن يكون هناك مجلس للتنمية، يتفرع عنه مجلسان للتنمية الاقتصادية وللتنمية السكانية، ولكل منهما مجموعة من المجالس التخصصية.

هذه المجالس تكون في إطار يشارك فيه القطاع الخاص في حدود مسؤولياته، ويكون في العمل مسؤولون رسميون يلتزمون ويشاركون، ويكون العمل في إطار واحد يوحد الأنشطة هذه بحيث تكون هناك خطة تنموية. ونحن مهما تكلمنا وقلنا ان دولة الإمارات متطورة وعندها كذا وكذا، فالآخرون يعرفون ما لدينا بالضبط.

نحن وفي كثير من الحالات نخفي هذه المعلومات عن بلدنا ونستقي معلوماتنا من غيرنا. لنعترف بالقصور الموجود، ولنثني ونشكر ونشيد بالنتائج الجيدة بشكل ما له حدود، ولا نظلم أحداً ولا نقصر مع أحد، لكن الجوانب التي فيها نقص طالما وجدنا فيها أوجه قصور، علينا ان نطرحها ونحاول ان نقدم أفكارا لمعالجتها.

مكمن الخلل

* الفريق ضاحي خلفان: أشكركم على دعوتنا للمشاركة في هذه الندوة ونبارك لكم الخطوات الحثيثة التي أديتموها من أجل إعادة بناء هذه المؤسسة، وإن شاء الله نرى «البيان» في زي جديد زاهٍ. الحق يا إخوان، على الرغم من أن الموضوع اقتصادي، الحديث لم يتطرق إلى الاقتصاد في شيء اللهم إلا في جزئيات بسيطة.

حين نتكلم عن الخلل في التركيبة السكانية، هل نعتبر إخواننا العرب وتواجدهم هنا خللا في التركيبة؟ وهل نعتبر وجود أناس بيننا يشتركون معنا في العقيدة والدم خللا في التركيبة؟ أنا لا اعتبر هذا خللا. نحن نأخذ الكلمة ونعمل منها مشكلة كبيرة.

الإشكالية أين أراها؟ هل تعلمون مثلا وأنا اضرب مثالا، أن الجالية المصرية تفوق بعض الجاليات الآسيوية عددا، تلك التي يعتقد هنا أنها من كبريات الجنسيات في الدولة. إذاً أرجو أولا ألا نأخذ المشكلة وننفخ فيها ونقول إن وجود العرب يعتبر خللا في التركيبة. أعتبر الخلل في جزئية معينة، هي في الظهور الكثيف لبعض الجاليات.

ونحن لسنا مرتاحين للوضع. لكن نستطيع أن نضع كوتا (سقفا محددا) ونغلق على هذه الجالية ونعيد التوازن كما كان. إذا كان وجود الإنسان العربي يعتبر لصالحي أنا كمواطن، وأنا أعتقد ذلك، فإذاً ليس هناك خلل في التركيبة السكانية مستحيل الحل. توجد عندنا حلول ووضعنا خطة استراتيجية وعرضناها على الإمارات كلها وعلى الحكام وعلى مجلس الوزراء وعلى المجلس الوطني.

طالما بدأنا بالاقتصاد وأرى أهل الاقتصاد لا يتكلمون فيه، سيتكلم رجل أمن في الاقتصاد. أتسمحون لي. أنا أرى على سبيل المثال أن سوق الخضار نستطيع أن نشغل فيها عشرات الآلاف من المواطنين والعرب إذا وزعناها بشكل صحيح، وقلنا انه يجب أن يكون المالك ومن يعمل فيها مواطنا، علما بأن بعض شبابنا المواطنين ربما يتعففون عن مزاولة بيع الخضار. فإذاً نقول انه يجب أن يكون سوق الخضار إماراتياً.

هل تعلمون ان الأسماك التي يأتي بها أهالينا من عرض البحر تشترى بأبخس الأثمان ويتاجر بها الآسيوي، لأن هناك فئة من المسؤولين أعطت الدكات والأماكن التي تباع فيها الأسماك لأشخاص يأخذون منهم أجرة ولا يستثمرونها الاستثمار الصحيح؟

علينا ان نقول لكل صياد مواطن أن يأتي ويضع صيده على دكة أو سطح أو دكان للبيع ولا ندع الأجنبي يأخذ هذه الأسماك ويتاجر هو بها. تخيل الكم الهائل من الأسواق حيث المستفيد الأعظم هم الآسيويون، ونحن نستطيع أن نجعل المستفيد الأعظم من شبابنا. ما العيب في البيع والشراء سواء أكانت أسماكا أو لحوما أو خضروات.

ثانيا أخونا الدكتور أحمد بالحصا رجل مواطن وعنده مؤسسة اقتصادية ووطني. أنا أسأله: كم مثلا نسبة المواطنين الذين يشتغلون عنده؟ ما المزايا التي وضعها في مؤسسته؟ أنا عندما أضرب مثلا لأحمد أضرب مثلا لكل المواطنين الذين لديهم مؤسسات. ينبغي على المواطن أن يخصص نسبة للمواطنين والعرب من العاملين لديه بحيث يشكلون توازنا في التركيبة داخل مؤسسته أو شركته.

فإذاً، نحن قبل أن نطالب الحكومة لنطالب أنفسنا. ما هي النسبة التي ينبغي علينا أن نضعها على القطاع الخاص ونفرضها علينا؟ من الصعب على الحكومة أن تلزم أرباب الأعمال بان يوظفوا نسبة معينة مثلا 60% مواطنين إذا لم يكن لديهم دافع ذاتي. أنا عندي وجهة نظر. الشركة التي يشكل المواطنون والإخوان العرب فيها نسبة عالية هي التي ينبغي أن تطرح لها المناقصات، وتكون هذه ميزة تعطيها فرصة الفوز بالمناقصة.

تشجيع الشباب

لا بد من إعطاء حوافز للذين يشكل المواطنون والعرب عندهم نسبة ما. عندنا إمكانية حل للمشكلة. أنا لا أريد أن استرسل كثيرا. عندنا مثلا مؤسسة الشيخ محمد. في الماضي في أواسط الثمانينات استدعتنا غرفة تجارة وصناعة دبي وكانوا يطرحون موضوع توطين «التكاسي». وأنا أسير باكرا إلى الاجتماع خطرت على بالي فكرة. لماذا لا نعمل على توطين التجارة. توطين التكاسي، يعني نحث شبابنا على أن يكونوا سائقي تكاسي! بدل ذلك، ليكونوا باعة في محلات.

نحن على سبيل المثال لو أعطينا قروضا تجارية لشبابنا. أو أجرينا لهم نوعا من التدريب. ثم قلنا هذا إيجار محل في عمق سوق ديرة. هذا المحل هذا إيجاره وهذه البضاعة ضعها في المحل. ونشرف عليه ونضعه يبيع ملابس داخلية وأحذية كما تفعل بعض الدكاكين التي فيها آسيويون.

احد أفرادنا في خفر السواحل ترك الوظيفة وراح بشكل منفرد فتح دكانا ووضع فيه بضاعة ب50 ألفا. كان مردوده السنوي أي دخله 3 ملايين داخل سوق ديرة. لماذا لا ندع عشرين شابا فقط يشتغلون فيها كل سنة، خلال خمس سنوات يكون عندنا على الأقل مئة «عيال» موجودين في المحلات في قلب العاصمة في قلب البلد.

ذاك اليوم قوبلت هذه بشيء من ردة الفعل التي كانت غير مناسبة. أعتقد اليوم مشروع الشيخ محمد، حقيقة هذا المشروع الوطني لدعم الشباب احد المشاريع الناجحة التي يمكن أن تحل لنا إشكاليات المستقبل. لكن ألا ينبغي على الشباب أن يبحثوا عن سبل وعن أفكار لتطوير ذاتهم. هل ينتظر المواطن ويقعد ويحط يده يا جماعة ويطرق الأبواب؟

هذه مؤسسة الشيخ محمد تقول: أي واحد عنده استعداد أن يعمل بمشروع تجاري ليأت إلي وأدعمه وأسانده وأخلصه من المشكلة التي هو فيها. لماذا هذا التقاعس في شبابنا؟ لماذا؟ لان الشباب الذي عندنا مع الأسف عدد كبير منهم أصبح اتكاليا ينتظر من والديه أن يشتريا له سيارة. يطالب اليوم بسيارة بي.أم. دبليو أو سيارة رانج روفر أو سيارة مرسيدس. هذا (الشاب) لم يعد بحاجة أن يشتغل.

إن المسألة تحتاج منا توعية، وإلى توجيه الشباب، وإلى دعوتهم أن يحسنوا أوضاعهم عبر الوسائل المتاحة لتحسين أوضاعهم. لا أقول إن مؤسسة الشيخ محمد سوف تحل كل المشكلة. هذا جزء، والجزء الآخر أنه لو قمنا بتوطين بعض الأشغال، بعض الأسواق، على سبيل المثال، أنا لا أدري سوق الذهب هذا.

لماذا لا نقيم مشروعا جديدا وندرب الشباب كيف يعملون بالذهب ويصنعون العقود ويشتغلون فيه بدل ما يشتغل فيه الأجانب؟ ونعلمهم ونقول بعد عشرين سنة نرى سوق ذهب مواطناً حيث يكون 20 أو 25 أو 30 مواطنا صانعاً له. صح أم لا؟ ما المانع، هذه مهنة يمكن أن تدر الملايين.

المشاركون :

* الفريق ضاحي خلفان: القائد العام لشرطة دبي

* د. أحمد سيف بالحصا: رجل أعمال

* د. فاطمة الشامسي: الأمين العام لجامعة الإمارات

* د. أحمد خليل المطوع: الأمين العام لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية

* د. محمد المزروعي: الأمين العام للمجلس الوطني الاتحادي

* د. مطر عبد الله: المدير الإقليمي ـ البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة

* د. هند القاسمي: رئيسة مجلس الإدارة ـ الرسالة للتدريب والاستشارات

* د. نسرين مراد: أستاذة علوم سياسية ـ جامعة الإمارات

* د. حسين الحمادي: مدير الدراسات والبحوث في وزارة الاقتصاد والتخطيط

أدار الندوة: د. محمد عبد الله المطوع