خلال مدة لا تزيد على أربع سنوات كان يمتلك سيارة ومحلاً تجارياً يبيع فيه بعض التوابل والأطعمة التي تستخدمها جالية بلاده وهي كثيرة في هذه المنطقة التي يعيش فيها، ومنازلهم تحيط بمحله التجاري من كل مكان، كانت المهنة التي يمتهنها (ر) تحتم عليه السفر لإحضار التوابل والأطعمة الخاصة من مكانها الأصلي، ولم تقتصر هذه التجارة على ذلك فقط، بل قرر (ر) أن يفتتح مطعماً في إحدى المناطق الصناعية ليبيع فيه الأرز الأصفر والأحمر والدجاج بالكاري.
زواج أسطوري
في إحدى زياراته لقريته طلبت منه والدته أن يتزوج، فما دام الله قد رزقه وأنعم عليه بالمال الوفير فلماذا لا يتزوج، كان (ر) غير راغب في ذلك، فأمامه مشروعات كثيرة وطموحات لا حدود لها والزواج في رأيه سيقف سداً أمام تحقيق طموحاته، إلا أن إصرار والدته كان كبيراً،
وهكذا تمت الخطوبة والزواج في أقل من أسبوع، كانت حفلة الزواج حفلة أسطورية بالنسبة إلى أهل القرية، كما أنها أثارت الكثير من التساؤلات حول إنفاق (ر)، فرغم أن عدداً كبيراً من أبناء قريته يعملون في البلاد نفسها التي يعمل فيها (ر) ولهم فيها عشرات السنين، إلا أنهم لا يتمتعون بشيء من الثروة التي يتمتع بها (ر)، انقضى شهر العسل وعاد (ر) وزوجته إلى حيث يعمل (ر)
وهناك بدأت سطور جديدة من حياته، كان (ر) محباً جداً لزوجته، فلم يحرمها من أي شيء، خاصة الذهب، فقد كان يشتري لها ذهباً ومجوهرات من دون حساب، حتى أنها في كثير من المرات كانت تطلب منه عدم إنفاق أموال طائلة في شراء هذه المجوهرات الثمينة، لكن (ر) كان يقول لزوجته إن ما يشتريه من ذهب ومجوهرات ليست للزينة فقط، بل مدخرات يمكن الاستفادة منها في المستقبل،
لذا كان (ر) يطلب من زوجته عندما تسافر لزيارة أهلها أن تأخذ كل المجوهرات معها وتبقيها هناك في أحد البنوك خوفاً عليها من السرقة، فقد كان (ر) يخطط لجمع أكبر كمية من المجوهرات في فترة زمنية قصيرة والعودة إلى بلاده بعد أن مَلّ من الغربة. كانت زيارة زوجة (ر) لأهلها تتكرر كل ستة أشهر تقريباً، فلم يكن (ر) من الأشخاص الذين يبخلون على زوجاتهم بالسفر لزيارة الأهل، بدأت الأمور المالية ل(ر) تتحسن أكثر وأكثر،
فقد كان يستغل زيادة سعر الذهب فيعمد إلى السفر لمدة أسبوع إلى بلاده ويبيع كمية من الذهب الذي اشتراه لزوجته ويشتري أرضاً له أملاً في أن يحول تلك الأرض إلى مجمع تجاري يكون متميزاً، ليس في قريته بل في الإقليم الذي يعيش فيه، لذا كان كل مدة يزيد مساحة الأرض، فهذا النوع من العقار دائماً في ازدياد من حيث السعر، خاصة إذا كان على شارعين أو ثلاثة، كما هي الحال في أرض (ر).
كان (ر) مقلاً من الأصدقاء، فقد كان عمله في محله التجاري والمطعم يأخذ كل وقته، لذا لم تكن له (شلة) من الأصدقاء يسهر معهم أو يزورهم أو يزورونه، إلا أن (ب) كان شخصاً استثنائياً، فقد كان يأتي إلى بيت (ر) في أي وقت ويتناول معه طعام العشاء وفي بعض الأحيان كان (ب) ينام عند صديقه، هذه الرابطة القوية بين (ب) و(ر) سمحت ل(ر) أن يطلب من زوجته أن تجلس معه ومع صديقه في أثناء تناول العشاء،
ومع تكرار الزيارات أحس (ب) بأنه أحب زوجة صديقه، كما أحس بأنها هي الأخرى تبادله مشاعر طيبة، فهي تهتم به عندما يأتي لزيارة بيتها، أصبحت زيارات «ب» لبيت صديقه تتكرر بشكل شبه يومي، وفي بعض الأحيان كان «ب» يأتي إلى البيت في غياب صديقه، ورغم أن زوجة (ر) كانت تسمح له بالدخول في غياب زوجها،
إلا أن «ر» لم يكن يغضب لذلك حتى أن الفضول دفع زوجة «ر» لتسأل زوجها عن سر هذا الارتباط القوي بينه وبين صديقه «ب»، فما كان من «ر» إلا أن أخبرها أن «ب» هو سبب النعمة والغنى الذي هو فيه، فلولا مساعدة «ب» لما وصل إلى ما هو عليه.
وأضاف أنه عندما حضر إلى البلاد لم يكن يمتلك الملابس التي يلبسها، لكن «ب» ساعده وأعطاه مالاً كثيراً حتى استطاع أن يفتح المحل التجاري والمطعم. وأنه لولا «ب» لما وصل إلى هذا الوضع المالي الذي يحسده عليه الكثير من الناس، من هنا بدأت زوجة «ر» تهتم اهتماماً خاصاً بصديق زوجها، مما جعل «ب» يظن بأنه مميز لدى زوجة صديقه، وأخذ «ب» يحاول التقرب منها لكن الزوجة كانت تتمنع وترفض ذلك بشدة.
في إحدى الليالي كان «ب» في زيارة لصديقه «ر» عندما شاهدت الزوجة أن زوجها يعطي صديقه مبلغاً كبيراً من المال، وعندما سألته عن سبب ذلك أخبرها بأن «ب» دخل معه شريكاً في تجارته وأن هذه الأموال جزء من حقه في الأرباح، كان لهذه الكلمات وقعاً سيئاً على نفسية الزوجة، فكون «ب» أصبح شريكاً لزوجها فهذا يعني أن زياراته ستكون مستمرة للبيت،
وهذا سيسبب لها الكثير من الضيق خاصة وأن «ب» أصبح يعرض عليها المال والذهب مقابل علاقة آثمة معه، إلاّ أن الزوجة كانت تصرّ على رفضها وفي كثير من الأحيان كانت تهدد بإخبار زوجها عن تصرفات صديقه، لكن هذه التهديدات لم تزد «ب» إلاّ تمادياً معها،
لذا ولكي تستريح من مشاكل «ب» قررت الزوجة أن تذهب لزيارة أهلها، وافق «ر» على الفور وقام بحجز تذكرة لها ولم ينس أن يُحملها الكثير من الهدايا والذهب، طالباً منها عندما تصل إلى بلادها أن تضيف كمية الذهب هذه إلى مثيلاتها في خزانة البنك الذي يحتفظ فيه بثروته، كانت زوجة «ر» تفعل كل ما يطلبه منها زوجها، لذا عندما ذهبت لوضع الذهب الجديد في خزانة البنك وجدت أن الكمية أصبحت كبيرة وأن قيمتها تتجاوز عشرات الملايين بعملة بلادها.
عندما عرف «ب» بسفر زوجة صديقه بدأ يتصل بها في بيتها، فهو يعرف رقم هاتف البيت من خلال صديقه «ر» فقد سبق وأن اتصل به مرات عدة هناك كانت كل مرة يتصل فيها «ب» تحاول الزوجة جهدها أن تتهرب منه، إلا أن اتصالاته زادت كثيراً حتى أصبحت ملفتة لأهل زوجها،
هنا قررت الزوجة اختصار إجازتها والعودة إلى حيث «ب» وذلك لتضع حداً لكل تصرفاته وتجاوزاته معها، وفي حالة فشلها في إقناعه بأن يتركها وشأنها عندها فقط ستضطر لإخبار زوجها وليكن ما يكون. عندما عادت الزوجة وجدت «ر» و«ب» في انتظارها في المطار، مما أصابها بعدم الرضا وعندما وصلت البيت طلبت من زوجها أن لا يسمح برجل غريب بالدخول إلى بيتها،
لكن «ر» أقنعها بأن «ب» ليس رجلاً غريباً وأنه هو صديقه الوحيد والمخلص، في اليوم الثاني من عودتها جاءها «ب» حاملاً لها هدية كانت عبارة عن خاتم من الألماس، قدمه لها قائلاً هذا الخاتم يساوي كثيراً جداً، وأنه لولا حبه لها لما قدّم لها هذه الهدية الغالية رفضت الزوجة الهدية وطلبت من «ب» الابتعاد عنها قائلة له إنها تحب زوجها فهو رجل ممتاز وشريف وعصامي، هنا ضحك «ب» بصوت مرتفع وقال لها «زوجك ليس عصامياً ولا شريفاً، بل هو إنسان تافه وحقير، ومثلما بنيته بيدي سأهدمه بيدي».
خافت الزوجة على مستقبل زوجها وبدأت تهدئ من غضب «ب» الذي خرج من البيت وهو ثائر ويهدد ويتوعّد. لم تمض ثلاثة أيام حتى عاد «ب» أكثر إلحاحاً على الزوجة كي تبادله مشاعره، عندها وجدت أنه لا مجال للمساومة وأن عليها أن تخبر زوجها، وعندما عاد «ر» أخبر زوجته بأنه قد حجز تذكرة سفر وأنه سيغادر إلى بلاده صباح الغد، وأن «ب» سينوب عنه في تلبية طلباتها حتى يعود.
كان «ب» يعمل في إحدى دوائر الكهرباء، فقد كان يقوم صباحاً بتوزيع فواتير الكهرباء على البيوت والفلل والعمارات، أما بعد الظهر فقد كان يشرف على المطعم وعلى تجارة «ر» أثناء غيابه. في إحدى المرات حاول «ب» التقرب من زوجة صديقه،
إلا أنها منعته بالقوة وهددته بأنها ستخبر الشرطة لحمايتها حتى يعود زوجها، أحس «ب» بأنه لا فائدة من هذه المحاولات كلها، لذا عندما عاد صديقه لم يستقبله كما يجب، وبدأت العلاقة بين الصديقين تتحول إلى علاقة فاترة وإلى تباعد وجفاء وهذا أدى إلى توقف «ب» عن زيارة بيت صديقه.
المواجهة
في إحدى الليالي عاد (ر) متأخراً من عمله كالعادة وبعد وصوله بدقائق كان صديقه (ب) يقف خلف الباب رحب (ر) بصديقه إلا أن (ب) بادره بالقول أريد المزيد من المال فالمبلغ الذي تعطيه لي قليل مقارنة بما تأخذه، طلب (ر) من زوجته أن لا تحضر النقاش الذي امتد ليصبح سباباً وتهديداً ثم خرج (ب) دون أن يسوي الوضع مع (ر) حاولت الزوجة أن تعرف سبب الخلاف لكن (ر) لم يقل لها شيئاً وطلب منها عدم التدخل،
وهنا فجرت الزوجة مفاجأة في وجه زوجها عندما قالت له إن صديقه سيئ وأنه حاول مراودتها أكثر من مرة وأنه عرض عليها هدايا وذهباً لكنها صدته وأن هذا هو السبب الذي جعله متوتراً وفاقداً لأعصابه، وقعت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس (ر) لذا قرر الانتقام من (ب)،
بدأ (ر) يدبر الأمر بحيث يبدو طبيعياً لذا قام بالاتصال بصديقه (ب) والاعتذار إليه طالباً منه زيارته في الليل حتى يعطيه ما يطلب من مال، جاء (ب) في الموعد المتفق عليه وحاول (ر) أن يبقيه عنده فترة طويلة حتى ساعة متأخرة من الليل ثم أعطاه مبلغاً من المال قائلاً له: إن هذا المبلغ هو الدفعة الأولى
وخلال يومين أو ثلاثة سيدبر له مبلغاً آخر، خرج (ب) من بيت صديقه والمال في جيبه وما كاد يبتعد عن البيت قليلاً حتى هجم عليه شخصان قاما بضربه بأداة حادة على رأسه وأخذا المبلغ الذي كان معه وفرا هاربين، بقي (ب) فاقداً للوعي فترة طويلة حتى عثر عليه بعض المصلين وهم في طريقهم إلى صلاة الفجرة،
حيث قاموا بالاتصال بالشرطة التي حضرت وأخذته إلى المستشفى، بقي (ب) في المستشفى أكثر من أسبوعين وعندما تعافى تم سؤاله عما حدث معه فأخبر الشرطة أنه يتهم صديقه (ر) وانه هو الذي دبر له هذه المكيدة تم اعتقال (ر) بتهمة محاولة القتل لكن (ر) أنكر ذلك إلا أنه في أثناء التحقيق معه بدا غير متماسك،
تم استدعاء بعض العمال الذين يعملون مع (ر) في المطعم وفي أثناء التحقيق معهم انهار أحدهم واعترف أن (ر) هو الذي طلب منه ومن شخص آخر يعمل معه في نفس المطعم أن يقوما بقتل (ب) مقابل مبلغ من المال عندها تم استدعاء (ر) للتحقيق معه مرة ثانية حيث واجهته الشرطة باعتراف الموظف الذي يعمل عنده، لم يستمر إنكار (ر) طويلاً حيث اعترف أنه فعلاً طلب من الرجلين أن يقتلا (ب) لأنه حاول الاعتداء على زوجته،
تم استدعاء الزوجة التي قالت إن (ب) حاول الاعتداء عليها أكثر من مرة لكن خوفها من أن يفسد ذلك علاقة الشراكة بينه وبين زوجها هو الذي دفعها لأن تصبر على تصرفاته، إلا أنه وخلال التحقيق تبين أن (ب) و(ر) ليسا شريكين في أي عمل تجاري، تم استدعاء (ب) لمعرفة سبب محاولاته الاعتداء على زوجة صديقه لكن (ب) أنكر ذلك وقال إن (ر) أخذ فلوسه وبنى لنفسه ثروة مالية كبيرة ولا يريده أن يشاركه هذه الثروة.
المفاجأة
خلال التحقيق مع (ب) قال إنه أعطى صديقه (ر) مبلغاً كبيراً من المال ليبدأ به ثروته لكن السؤال الذي خطر ببال المحقق هو من أين لـ (ب) هذه الثروة وهو موظف في إحدى دوائر الكهرباء ومرتبه قليل جداً، حاول (ب) أن يجد مصدراً مقنعاً للمال الذي أعطاه لصديقه لكنه لم يتمكن حيث وقع في الفخ واعترف بكل شيء
حيث قال إنه يعمل في دائرة الكهرباء منذ فترة طويلة وهو يعرف كل البيوت والفلل والشقق وبحكم عمله كان يعرف إن كان سكان هذه الفلل موجودين فيها أم لا وذلك من خلال فواتير الكهرباء حيث إن الفاتورة التي يكون استهلاك الكهرباء فيها قليلاً جداً أو معدوماً فهذا يعني أن سكان هذه الفلل والشقق في إجازة عندها يوعز إلى صديقه (ر) ويقوم بدخول الشقة أو الفيلا ويأخذ الذهب والمجوهرات وأية فلوس يجدها،
وأضاف عندما أصبح عندنا كمية كبيرة من الذهب حاولنا بيع جزء منها إلا أننا خشينا أن يبلغ الصائغ الذي تعرض عليه هذه المشغولات رجال الشرطة لذا قرر (ر) أن يقوم بتهريب المجوهرات إلى الخارج عن طريق زوجته التي تلبس جزءاً من هذه المجوهرات وتخرج بها من المطار وكأنها مجوهراتها فلا أحد يشك أنها غير ذلك كونها تلبسها في أصابعها أو تضعها على رقبتها
وهكذا تمكن (ر) و(ب) من إخراج كل المجوهرات إلى الخارج عن طريق زوجة (ر) دون أن تتتبع الأجهزة الشرطية المجوهرات لأنها لا تباع في الأسواق الداخلية وحتى زوجة (ر) لم تكن تعرف أصل المجوهرات التي تلبسها، على اثر هذه المعلومات قامت الأجهزة الأمنية بتفتيش منزلي (ر) و(ب) حيث عثرت على بعض الحلي الذهبية المرصعة بالأحجار الكريمة غالية الثمن كما تم أخذ المجوهرات التي كانت تلبسها زوجة (ر)
في يديها وعلى صدرها ومن خلال مراجعة البلاغات الشرطية ومقارنتها بالفلل والشقق التي بلغ أصحابها عن سرقتها تبين أنها هي نفسها التي قام (ر) بسرقتها وان السرقات تمت خلال غياب أصحاب تلك البيوت حيث كانت فواتير الكهرباء تشير إلى أن استهلاك الكهرباء في تلك البيوت والفلل كان شبه معدوم فقد كان (ب) يبلغ صديقه (ر) عن تلك البيوت حيث كان (ب) يعرفها بيتاً بيتاً بحكم عمله في الدائرة الكهربائية، ولهذا كانت عملية السرقة تتم بدون أية مشاكل تذكر.
تمت إحالة (ب) و(ر) إلى النيابة العامة حيث تم سجنهما أربعة أيام على ذمة التحقيق
إعداد: أحمد سلطان
