الإنسان في هذه الحياة مطالب بالسعي فيها لتوفير حياة كريمة له ولأبنائه، وهو في سعيه هذا يعتمد على الله ويتوكل عليه.

قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.

هذا القول الكريم يعد من أعمدة السعادة لمن يبحث عنها وينشدها، والمسلم الحصيف هو الذي يتوكل على الله مع ضرورة الأخذ بالأسباب، فلا يجلس في بيته من دون عمل ويقول اللهم ارزقني، بل هو الذي يعمل، ويفوض الأمر لله ويرضى بقضائه وبما قسمه له، ومن اعتمد على الله كان الله حسبه وكافيه.

قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

أي عليه وحده، وهذا أمر مهم للمؤمنين بالتوكل على الله دون مَن عداه.

قيل: ليس المتوكل الذي يقول: تقضى حاجتي، وليس كل من يتوكل على الله كفاه ما أهمه ودفع عنه ما يكره وقضى له حاجته فقط، ولكن الله جعل فضل من توكل على مَنْ لم يتوكل أن يكفّر عن سيئاته ويعظم له أجراً.

جاء في الخبر ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل طائفة من أصحابه: ما أنتم؟ فقالوا: مؤمنون، فقال: ما علامة إيمانكم؟ فقالوا: نصبر على البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء، فقال: مؤمنون ورب الكعبة.

وروى أن موسى عليه السلام قال: يا رب، دُلني على أمرٍ فيه رضاك حتى أعمله، فأوحى الله إليه: إن رضاي في كرهك وأنت لا تصبر على ما تكره، قال يارب دلني عليه، قال فإن رضاي في رضاك بقضائي ومن كان الله حسبه وكافيه ومراعيه فقد فاز وسعد في دنياه وأخراه، وطالب الكفاية من غيره هو التارك للتوكل.

قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ (الزمر 36)

وقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (الفرقان 58)

ومتى اعتمد القلب على الله وتوكل عليه ولم يستسلم للأوهام والخيالات السيئة ووثق بما عند الله زالت عنه الهموم وكثير من الأسقام البدنية والقلبية وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور.

قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ

أي كافيه جميع ما يهمه من أمر دينه ودنياه

فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام ولا تزعجه الحوادث لعلمه أن ذلك من ضعف النفس ومن الخور والخوف الذي لا حقيقة له، ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة فيثق بالله ويطمئن لوعده فيزول همه ويتبدل عسره يسرا إن شاء الله.

قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (الأنفال 49)

أي عزيز لا يذل من استجار به ولا يضيع من لاذ بجنابه والتجأ إليه.

قال تعالى: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (المنافقون 7)

أوحى الله إلى داوود عليه السلام يا داوود ما من عبد يعتصم بي دون خلقي فتكيده السموات والأرض إلا جعلت له مخرجا.

المهم أن يعمل الإنسان ويخلص في عمله ولا يتوكل على غيره.

روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أمْسَى كالاً مِنْ عمل يَده أمسى مغفوراً له. (رواه الطبراني في الأوسط والأصبهاني من حديث ابن عباس).

هنا بين المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه طرق إعزاز النفس وحفظها من الامتهان، ومقته للبطالة والتواكل والاستجداء من الناس، فالشحاذة مضرة بصاحبها وتورث المذلة والاستكانة وتسقط المروءة وتدعو إلى ارتكاب الجرائم والوقوع في حبائل الأشرار.

روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أكل طيبا وعمل في سُنَّة وأمِنَ النَّاسُ بَوَائقَهُ دَخَلَ الجنَّة، قالوا يا رسول الله إن هذا في أُمتك الْيَوْم كثير؟ قال: وسَيكُونُ في قُرُونٍ بَعْدِي. (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب والحاكم وقال: صحيح الاسناد).

حامد واكد