قال الشيخ: خلق الإنسان وجبل بغريزة القطيع وبحاجة الانتماء إلى جماعة أو معنى أو رمز، وعلى الرغم من كل ما يُقال عن حرية الإنسان وذاتيته وفرديته لم ينجح الإنسان إلا في أن يكون منتمياً ولو لجماعة من السكارى.

أعراق وشعوب وأديان وطوائف وملل ونحل وأحزاب ومذاهب وأوطان ودول وجماعات وعصابات... كلها أسماء لانتماءات قد تشعر الإنسان بشيء من السكون والركون، وقد توهمه بهوياتٍ أو تضللهُ باعتبارات. والمهم أن الإنسان لا يشعر بنفسه وحيداً وأنه يشعر حوله بمن يرون رؤيته ويسيرون سيره.

والسير في الانتماءات ذو وجهين: الوجه الأول متعلق بالانتماء وموضوعه ومحوره فكثيراً ما يكون هذا المتعلق صنماً لهوى مقنع أو لأهواء مزورة، وكثيراً ما يكون هذا المتعلق مما لا يحمد في معانيه وفرزهِ للناس ولا يشرف، وكثيراً ما يكون نوعاً من الخضوع للقوي والمذل للأقوى.

فهذا عرق يرى أنه أشرف الأعراق مما يخوله ويمكنه من استعباد الناس والتعالي فوقهم، وهذا شعب يرى أنه أعظم الشعوب لاعتقاد يبشر به أو لزعيم ملهم لم يخلق مثله قبله أو بعده، وهذا دين يضلل متبعيه بأساطير تؤذيه وتؤذي غيره. وهذه طائفة ترى أنها وحدها على الحق وكل من سواها يعيش الباطل ومآله إلى العذاب والخراب، وهذه ملة يعتقد أصحابها أنهم الملة الناجية، وهذه نحلة يرى أصحابها أنهم النحلة العاقلة.

وهذا حزب يرى فيما يدعو إليه عصارة حكمة البشر، وهذا مذهب يرى أن متبعيه وحدهم قد تجاوزوا الخطر، وهذا وطن تراق من أجله الدماء ثم يباع بالقليل، وهذه دولة تدعي أنها تجمع الناس ولولا الحديد والنار لتفرقت بهم السبل. وهذه جماعة قد ترى أن وجودها يشرّفُه أن يسخر للرفق بالحيوان قبل الرفق بالإنسان، أو لحماية البيئة وتنسى الضحايا من النفوس البريئة، وهذه عصابة تُقنِّعُ عدوانها على كل من عداها بأقنعة قد تكفي أو لا تكفي لإخفاء وجهها القبيح وجشعها الصريح.

والناس في سكر يهيمون بين هذا وذاك، ينتمون ويتعصبون وقد يتقاتلون ويتناحرون وهم يقدمون القرابين على نصب متعلقات انتماءاتهم مهما افتقرت إلى الكفاءة والرقي والشرف. فهم بحماسهم لها يضفون عليها القيمة بدل أن تكون قيمتها سبباً في حماسهم وتحزبهم وتشيعهم.

فإن نحن بحثنا في هذه المتعلقات لم نجد ولن نجد خيراً من الله الذي «بيده الخير كله»ليكون متعلق انتمائنا وموضوع تجمعنا. الله الذي أخبر الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام أن الخلق كلهم عيالك وإن أحبهم إلى الله أنفعهم إلى عياله.

وكل قيمة شريفة وكل همة عفيفة، إنما هي قيم وهمم ترضي الله وتشبع الانتماء إليه بالمقاصد والوسائل الصحيحة، وهذا مما يجمع الناس ولا يفرقهم، ويوحدهم ولا يشتتهم. فمئة جماعة وألف حزب يدعو كل منها إلى قيمة واحدة نبيلة يمكن أن يجتمع أفرادها تحت لواء الانتماء إلى الله الذي لا يدعو إلا إلى الخير ولكل الناس.

والوجه الثاني من النظر في الانتماءات هو في «كم» الصدق والنزاهة والشفافية والعدل عند أصحاب الانتماء، فكثيرة هي الانتماءات التي تعيش وتأكل وتشرب من الأكاذيب، كأن أصل المذهب أو الجماعة النفاق. وفي زماننا هذا انهارت إمبراطوريات ودول كانت تدعي أنها تحتكر الحق والعدل دون سواها فتبين بعد ذلك أنها إمبراطوريات تعيش على الكذب، فالحكام يكذبون والمفكرون يكذبون والعلماء يكذبون والناس يكذبون فإن لاحت علاقة صدق اخترطها السيف وغيبت صاحبها السجون.

ومن علامات الصدق في الانتماء انتفاء العصبية العمياء ونصرةِ الرفاق ولو على ظلمهم، وانتفاء التقليد المريح للأسلاف دون اعمال العقل ووضوح العقيدة، وما من انتماء يتسم بالصدق والنزاهة وبالسمو فوق التلفيق والتزوير، وفوق العصبية العمياء والنصرة البلهاء، إلا الانتماء إلى الله الذي يتساوى جميع عبيده والمنتمين إليه في الإخلاص والسعي إلى رضاه.

يقول شاعرنا «مأمون شقفة»:

إني أنا العبد الفقير... ابن لآدم يستجير... وأنت ربي

يا مالك الملكوت إن العبد لك

شرفته.. أكرمته.. كرمته أن كان لك

والملك والملكوت لك.

ماهر سقا أميني