تزخر جزيرة صير بونعير أو«صير القواسم» كما كانت تسمى بالتنوع الطبيعي البيئي فهي تحتوي على أنواع نادرة من الطيور التي تجد ملجأ ومأوى مناسباً للحياة الطبيعية بما يتناسب مع أنواعها المختلفة.
بالإضافة إلى أنها تحتوي على بيئة بحرية غنية بأنواع كثيرة من الأسماك وبأنواع من المرجان وهذا ما جعلها هدفاً للصيادين والغواصين ولفترات طويلة من الزمن، كما أنها تحتوي على بئر من المياه ذات الطعم المختلف إلا أنها وحسب الصيادين تشفي هي والتربة المحيطة بها وذات اللون المختلف من بعض الأمراض. وقد دفع التنوع البيئي للجزيرة التي تمتد على مساحة 15 كم تقريباً وتمتاز بأنواع مختلفة من الترب الغنية بالثروات المعدنية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لإصدار قرارات إدارية في العام 2000 بشأن إنشاء محمية طبيعية في جزيرة صير بونعير ومنع التدهور البيئي فيها.
الرحلة الاستكشافية
ونظراً إلى الأهمية البالغة لهذه الجزيرة حرصت هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة على تنظيم رحلة استكشافية وضمن البرنامج العلمي لدورة الشارقة الثامنة للتأهيل البيئي وبإشراف الدكتور شبر الوداعي المشرف العام للدورة إلى محمية جزيرة صير بونعير، للتعرف على الأهمية التاريخية والثقافية والحضارية والبيئية لهذه الجزيرة وتبصيرهم بأهمية المحميات الطبيعية في الحفاظ على الموروث البيئي والطبيعي للشعوب والأمم وصون التراث الإنساني للبشرية.
وبدأت الرحلة بجولة ميدانية أولية اطلع المشاركون فيها مع الوفود الإعلامية التي رافقت الرحلة على المعالم التاريخية والأثرية التي تشير إلى ارتباط الجزيرة بثقافة وحضارة شعب الإمارات، حيث شاهدوا المقبرة التي تضم رفاة عدد من الغواصين ومناجم التعدين، كما اطلعوا على المكونات البيئية والطبيعية للجزيرة وشاهدوا بيئات الطيور والتنوع البيولوجي للجزيرة، كما اطلعوا على مكونات البيئات الساحلية للجزيرة من خلال جولة على الشريط الساحلي للجزيرة.
الأهمية البيئية للجزيرة
تتمتع الجزيرة بنظام بيئي متميز حيث تهب عليها رياح مختلفة طوال أيام السنة، وتتمثل في رياح المزر والغياضة واليولات والكوس والثرية ورياح الشمال والحيمر وشمال الثمانين وأربعين المريعي والغربي والمطلعي والسهيلي ويحتوي ذلك النظام على بيئات مختلفة غنية بتنوعها البيولوجي فهي تشكل بيئة خاصة، وملجأ هاماً للطيور البحرية التي تزورها في معظم فصول السنة. ويمكن لزائر الجزيرة مشاهدة طيور الخرشنة «الغواي، الخشاش، الصر، الباشق، التعادلي»، غراب البحر «اللوه»، أم صنين، وفي الشتاء طيور النورس «الحصيني، الصلال، الحريش، الذجير، بوزط»، كما تلجأ إليها بعض الطيور البرية مثل الاصرد، الحمام البري، بوسليح، الورقأ، القوبع، بالإضافة إلى الطيور الجارحة مثل الصقر، الشرياص، الشاهين وتوجد في الجزيرة سحلية «الضب» التي تشاهد بكثرة.
كما أن لبيئة الجزيرة البحرية نظاماً بيئياً هاماً يتميز بتنوعه البيولوجي، حيث يحتوي أنظمة بيئية متنوعة لها أهميتها الاقتصادية والغذائية والثقافية والرياضية والصحية، فالجزيرة تتميز بشواطئها الجميلة التي يمكن الاستفادة منها في ممارسة السياحة البيئية والهوايات الرياضية المختلفة، كما تشكل موقعاً هاماً للراحة والاستجمام إلى جانب إمكانية استخدامها للسياحة العلاجية. ومن الملاحظ أن المياه القريبة للجزيرة تحتوي أنواعاً مختلفة من الأسماك كالهامور والشعري والكنعد والقباب والزريدي والقرفة وأسماك العومة «السردين» إلى جانب الكثير من الأحياء البحرية مثل القشريات والقباقب والربيان.
كما أنه نتيجة لبعد الجزيرة عن اليابسة تلجأ إليها السلاحف البحرية وتتمثل في: سلاحف منقار الصقر، والسلاحف الخضراء، والسلاحف ذوات منقار الصقر بنسبة أكبر من السلاحف الأخرى، وتقوم تلك السلاحف بالتزاوج بالقرب من شاطئ الجزيرة، وتضع بيوضها في الفترة من شهر مارس إلى يونيو من كل عام، حيث تخرج في هذه الفترة على مرحلتين تضع خلالهما البيوض، ويكون البطن الأول عادة سبعين بيضة والبطن الثاني خمسين بيضة تقريباً.
وتعيش هذه السلاحف متباعدة عن بعضها البعض، والمسافة بين الواحدة والأخرى ما بين ثلاثة إلى أربعة كيلومترات تقريباً، وتتقارب في موسم التزاوج فقط، وعلى الرغم من أن تلك السلاحف تتنفس الهواء من الأعلى إلا أنها تقضي 80% من حياتها تحت سطح البحر، غير أنها تكثر من خروجها إلى سطح ماء البحر في مرحلة التزاوج ووضع البيض وتتغذى هذه السلاحف على الأعشاب البحرية وقناديل البحر وبعض القشريات.
وتتمثل الأهمية البيئية للجزيرة أيضاً بما يحيط بها من الأنواع المختلفة من الشعاب المرجانية والتي تحدد بنحو عشرين نوعاً مثل مرجان المخ وخلية النحل والشجيري وقرون الغزال الحجري والكاسي والمروحي، إلى جانب النباتات البحرية حيث توجد أنواع مختلفة من الأعشاب والطحالب البحرية وتسمى محلياً «المشعورة والشبا البني والشبا الأخضر والخبيز» وغيرها، وتنتشر حول الجزيرة مغاصات اللؤلؤ المشهورة مثل أبو الفنايل، إريله، نيوة المنصب، نيوة المزاريع، نيوة خلفان، وغيرها من المغاصات التاريخية الهامة.
ذكريات الغواصين
وتركت الجزيرة بصماتها التاريخية الواضحة في مخيلة وذكريات البحارة الأوائل حيث يحمل من تبقى منهم ذكريات تاريخية للغوص وتراثه العتيق كما أن الكثير من الغواصين والبحارة يتوافدون كل عام إلى شواطئ الجزيرة الجميلة للمشاركة في فعاليات مهرجان سباق السفن الشراعية المعروف «بالقفال» والذي يعتبر جزءاً من تاريخ الغوص ومرتبط بشكل فعلي بطقوسه التاريخية، ويعتبر خاتمة نشاطات موسم الغوص حيث تجتمع سفن الغواصين في نهاية كل موسم وتنطلق من قبالة شواطئ جزيرة صير بونعير في سباق حر.
ومن الملاحظ أن عمق الارتباط التاريخي للغواصين بالجزيرة يرتبط بوقائع ومعالم أخرى كالأشجار التي كان يستظل بفيئها الغواصون، والبئر التي شهدت أحداثاً ووقائع تاريخية لا تزال محفوظة في ذاكرة القلة القليلة ممن تبقى من الغواصين. والتي كانت تعتبر مصدراً للصراع والاقتتال أثناء عملية التزود بالمياه بين مجاميع الغواصين الذين يتوافدون على الجزيرة من مختلف المناطق كما يتحدث عنها هؤلاء الغواصون.
مياه البئر العلاجية
وللبئر أيضاً حكايات أخرى تدلل على عمق ارتباطها التاريخي بحياة وذكريات الغواصين حيث يذكر أن لمياهها فوائد علاجية في علاج عسر الهضم وتنظيف المعدة رغم شدة مراراتها، كما أن للبئر فوائد أخرى حيث كان نواخذة الغوص يستخدمون الرمال المحاذية لها في العلاج الطبيعي لقروح السيوب وذلك عن طريق دفنهم في الرمال لفترة، لتُشفى هذه الجروح خلال ستة أو سبعة أيام ليعاودوا بعدها ممارسة نشاطاتهم وعملهم.
وإن أول ما يلفت نظر الزائر للجزيرة طبيعة رمالها التي تميل إلى اللون الأحمر والتي تشير إلى أن باطن أرضها يحتوي على المواد المعدنية المتنوعة، ويؤكد بعض الغواصين الذين تم اصطحابهم في جولة ميدانية أن الجزيرة كانت تتسم في وقت سابق بغناها بأكاسيد الحديد والكبريت والتي تم استغلالها بكثافة في السابق حيث كانت تستخدم لأغراض التعدين، كما أن الجزيرة غنية بالثروة السمكية حيث تحتوي مياهها البحرية على مخزون كبير من الأسماك المختلفة.
الحماية البيئية للجزيرة
شكلت المقومات البيئية والاقتصادية القوة الفعلية التي ساهمت في بروز الاهتمامات المختلفة بالجزيرة ورافق ذلك ممارسات سلبية أثرت على الأنظمة البيئية للمياه البحرية المحيطة بالجزيرة، وتتمركز تلك الممارسات والأنشطة غير السليمة في الاستخدام غير الرشيد لشباك الصيد، وتكسير المرجان أثناء الصيد ورمي المخلفات من السفن الراسية إلى جانب المخلفات الناجمة عن الأنشطة الأخرى والتي تتسبب في إحداث الدمار البيئي الشامل، بالإضافة إلى سرقة بيض السلاحف.
إلا أن صدور قرار صاحب السمو حاكم الشارقة بتحويلها إلى محمية طبيعية ساهم في وقف هذه الانتهاكات وضمن حماية حقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ومعافاة والتمتع بجمال بيئة الجزيرة الطبيعي، وذلك من خلال اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف نشاطات التدمير البيئي، بهدف حماية البيئة وتنمية الموارد الطبيعية والكائنات الحية فيها من جميع الأنشطة والأفعال الضارة بيئياً أوالتي تعيق الاستخدام المشروع للوسط البيئي.
رؤية مستقبلية
إن مقومات الجزيرة السابقة تؤكد وحسب رأي المتخصصين على إمكانية أن تكون معلماً تاريخياً وتراثياً وثقافياً وبيئياً ومركزاً علمياً وتعليمياً وصحياً وسياحياً، ولضمان تحقيق استفادة قصوى من هذه الثروات البيئية النادرة لابد من تشييد البنى الرئيسية اللازمة لذلك في إطار خطة علمية هادفة لتحويل الجزيرة إلى محمية طبيعية، والتي يمكن أن تقوم من خلال جمع ودراسة المعلومات الخاصة بالجوانب التاريخية والتراثية للجزيرة، وإجراء مسح شامل بمساعدة الغواصين القدماء لمعرفة المواقع ذات الارتباط التاريخي في الجزيرة ودراسة إمكانية جعل الجزيرة مركزاً بيئياً وعلمياً وتعليمياً وصحياً وسياحياً.
الشارقة ـ عمر بدران