لا يمكن لأحد أن يصف الحياة في وقتنا الحالي بالبسيطة أو المتجانسة، خاصة في مجتمع الدولة الذي تعيش على أرضه الكثير من الجنسيات ذات الطباع المختلفة والعادات المغايرة لبعضها البعض، ما يصعب التعامل معها لاسيما بعدما فرضت طبيعة المجتمع المحلي النامي ضرورة هذا التعامل، ما دفع العديد من الأفراد بل والمؤسسات للبحث عن لغة للتواصل والتحاور مع هذا الخليط.
وكانت ضالة البحث في لغة عالمية قصرت طرق التواصل ومهدتها بأفضل طريقة بين المتعارفين الجدد بل وأيضا بين المعارف القدامى سواء أكانوا أهلا أو أصدقاء من خلال «فن الإتيكيت» الذي عرف منذ قرون وتم تفعيله بطريقة واضحة في عصرنا الحالي بعد أن تجاوز قصور الملوك ووزارات الخارجية والمؤسسات الدبلوماسية. وعلى هذا المنوال سارت جمعية نهضة المرأة برأس الخيمة التي تبنت أخيراً دورات فن الإتيكيت بصورة رسمية بين فعالياتها السنوية، لما أكدته خبراتها السابقة مع هذه الدورات بما لها من فائدة عظيمة تنعكس على متعاطيها خاصة الفتيات اللواتي اقبلن بقوة عليه جاعلاتٍ من مبادئه قواعد أساسية في التعامل مع حياتهن المدرسية والجامعية بل واليومية.
تقول منى احمد بوخاطر المدير التنفيذي لجمعية نهضة المرأة برأس الخيمة إن تاريخ تعاملهم مع دورات فن الإتيكيت يرجع لست سنوات ماضية من خلال طرحها ضمن برامج تأهيل الفتيات المرشحات لجائزة رأس الخيمة للفتاة المثالية، حيث أقبلت الطالبات عليه بكثرة وشغف وانعكست فائدة الدورات بصورة مباشرة على سلوكياتهن العامة و تعاملاتهن المجتمعية حيث أسرهن وصديقاتهن ومعارفهن.
حاجات متزايدة
وتضيف المديرة التنفيذية لجمعية نهضة المرأة برأس الخيمة أن الحاجة لتعلم هذا النوع من الفنون الاتصالية في تزايد مستمر خاصة لفتاة الإمارات التي خرجت من جلباب البيت وانطلقت الى المجتمع بل والعالم لتثبت ذاتها وتحقق المزيد من الإنجازات لها ولوطنها الذي يعول على أبنائه دفع عجلة التنمية للأمام، ما يستلزم من فتاة الإمارات أن تتسلح بمثل هذا الفن الذي يعتمد عليه في ترك أفضل انطباع عنها لجميع المتعاملين معها مهما اختلفت جنسياتهم وعاداتهم.
وتؤكد عائشة الغيث رئيسة اللجنة الإعلامية والثقافية بجائزة رأس الخيمة للفتاة المثالية، أن قيامهم باعتماد برنامج دورات فن الإتيكيت في الجمعية، عائد لعدد من الإحصائيات والاستبيانات التي قاموا بتوزيعها على مرتادي الجمعية من مختلف الفئات لمعرفة أفضل الدورات والبرامج التي يفضلونها والتي يحققون منها اكبر استفادة، والنتيجة كانت لصالح دورات فن الإتيكيت التي اجمع الأغلبية على فائدتها ورغبتهم في التعمق بتفاصيلها.
وتبين عائشة أن الشيخة فاطمة بنت صقر القاسمي النائبة الثانية لجمعية نهضة المرأة برأس الخيمة تشدد على الاستمرار في تنظيم هذه الدورات للطالبات حتى خارج برامج تأهيل طالبات جائزة رأس الخيمة للفتاة المثالية، حتى يتم إفراز اكبر قدر من الفتيات ذوات تربية وخلق قويم يدعمن بالبرامج التي تعزز الشخصية وتؤهلهن للتعامل الواثق مع متطلبات الحياة المختلفة والتي يفرضها المجتمع النامي.
فائدة دائمة
وتشير عذاري علي العبودي التي تحضر هذه الدورة لأول مرة الى أن معرفة مثل هذه السلوكيات التي تطرحها دورات فن الإتيكيت يحقق لها فائدة دائمة وليست آنية لأن هذه السلوكيات الصحيحة تبقى معها سلاحا تغزو به قلوب الناس قبل عقولهم، ما يمكنها من تحقيق ما تصبو إليه بأفضل طريقة خاصة وان هذا الفن فن دولي متعارف عليه.
وترى عذاري أن أكثر ما استفادت منه خلال الدورة هو تعلم أبجديات المصافحة في مختلف المناسبات ومع شتى أنواع الناس، لاسيما وان تعقيدات الحياة قد خلقت الكثير من الأقاويل عن كيفية المصافحة مع الرجال والنساء والصغار والكبار والعديد من هذه الأقاويل لم يكن صحيحاً، فجاءت مبادئ الأتيكيت ووضعت النقط على الحروف في هذا الفعل المهم الذي يترك أول واقوى انطباع لدى الآخر عني.
وتتفق مريم إبراهيم البغام مع زميلتها في الدورة حول الفائدة الكبيرة التي يتم جنيها من حضور مثل هذه الدورات، مضيفةً أنها لطالما تشوقت لحضور هذه الدورات من خلال خبرة شقيقتها السابقة فيها، والتي انعكست بصورة كبيرة في سلوكها وتصرفاتها مع الآخرين، ما زاد من محبة الناس وإعجابهم بها، وهذا الأمر الذي تتمنى أن تحصل عليه هي الأخرى بحضور مثل هذه الدورات.
وتؤكد مريم إبراهيم أنها ستبقى مواظبة على حضور هذه الدورات، بل وستعمل على زيادة معرفتها بهذا الفن المهم من خلال الكتب والمجلات وبرامج التلفاز، لأنه من المؤكد أن مثل هذا الفن هو المدخل الذي تحتاجه كل فتاة لبدء تحقيق طموحاتها بل وأيضا الوصول إلى أهدافها وتحقيق سمعة جيدة لها ولعائلتها ووطنها.
إقبال متزايد
ويقول الدكتور محمد حسن المزروعي رئيس قسم العلاقات العامة في نادي تراث الإمارات، والقائم على مجموعة من الدورات للتعريف بفن الإتيكيت، إن هناك إقبالا متزايدا خلال السنوات الأخيرة لمعرفة تفاصيل هذا الفن خاصة من قبل السيدات، اللواتي يحرصن على معرفة قواعد هذا الفن بمختلف أشكاله وأفرعه.
ويذكر رئيس قسم العلاقات العامة في نادي تراث الإمارات، أن ديننا الإسلامي يحتوي العديد من آداب وفنون الإتيكيت بدءا من آداب المصافحة والملبس والمأكل، إلا أن الأمور الجديدة التي حلت في المجتمع دفعت بنا إلى أن نتعرف على آداب التعامل المختلفة في إطار دولي وعالمي.
المناهج الدراسية
وتمنى الدكتور المزروعي لو يتم النظر بصورة جدية في إدخال مبادئ وفنون الإتيكيت داخل المناهج الدراسية للطلبة في دولة الإمارات العربية المتحدة، لأن هذا الفن يخدم بصورة كبيرة أهداف الدولة التي تتطلع بصورة دائمة للتنمية والتطوير من خلال مادة خاصة بها، تستند على مبادئ عالمية وقواعد توضع من قبل متخصصين في هذا الفن.
وأشار رئيس قسم العلاقات العامة بنادي تراث الإمارات، أن المرحلة التأسيسية الأولى هي أفضل مرحلة لطرح مثل هذا الفن، الذي من المفضل أن يبدأ مع الأشخاص في سن مبكر ليحملوه معهم في كل تصرفاتهم وتعاملاتهم داخل البيت والمدرسة والمجتمع ككل.
إضاءة
نشأ الإتيكيت في البلاط الملكي الفرنسي في الفترة بين 1600 ـ1700م، ووضع مسماها طبقة النبلاء العاملون في المحكمة لتجنب الملل الذي أصابهم نتيجة قلة عملهم، و كلمة اتيكيت متطابقة مع كلمة تعني تذكرة في اللغة الفرنسية، وقد انتشرت هذه القواعد في باقي محاكم أوروبا بتوافق مع الطبقات العليا في جميع أنحاء المجتمع الغربي.
رأس الخيمة ـ رباب جبارة

