بات الرئيس الأميركي جورج بوش في وضع لا يحسد عليه باتساع سقف الضغوط الممارسة عليه بعد أن تجاهل مجلس النواب الأميركي تهديده باستخدام حق النقض (الفيتو) وصوت أعضاؤه لصالح مشروع قرار يطالبه بالبدء في سحب الوحدات المقاتلة من العراق خلال أربعة أشهر على أن يكتمل الانسحاب بحلول أبريل 2008، فيما دافعت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بأن الإدارة تحتاج إلى شهرين إضافيين للتوصل «إلى منهج متماسك للمضي قدماً».

بالتزامن مع تصريحات بريطانية غير مسبوقة ومن العاصمة الأميركية، وإن تم نفيها بشدة بعد قليل، عن عزم حكومة غوردون براون تغيير موقفها حيال العراق والنأي بنفسها عن بوش.

وتزامن ذلك مع تعزيز الجيش التركي قواته على الحدود مع العراق إلى أكثر من 200 ألف فرد. ووافق مجلس النواب، الذي يهيمن عليه الديمقراطيون وللمرة الثالثة منذ بداية هذا العام،

بأغلبية 223 صوتاً مقابل 201 صوت على مشروع القانون أملاً أن يكون عامل ضغط على مجلس الشيوخ ليلحق جدولاً زمنياً إلزامياً بمشروع قانون السياسة العسكرية الذي يقوم بمناقشته. وبموجب المشروع سيبقى عدد لم يتحدد من الجنود الأميركيين لتدريب الجنود العراقيين وإجراء عمليات لمكافحة الإرهاب وحماية الدبلوماسيين.

وقالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي «إن التقارير المختلفة حول الحرب الدائرة في العراق، تشير إلى أنه قد حان موعد عودة الجنود إلى وطنهم»، مضيفة أن «الرئيس بوش ما زال يصر على مطالبة الأميركيين بمزيد من الصبر، ولكن ما يريده الأميركيون هو اتخاذ اتجاه جديد بشأن إنهاء تلك الحرب». فيما قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الديمقراطي توم لانتوس إن سياسة التصعيد التي ينتهجها بوش «لم تعد مقبولة من قبل الشعب والكونغرس».

وأمام هذا الضغط السياسي، دافعت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس عن تقرير الإدارة الأميركية الذي قدم درجات متباينة بشأن التقدم في العراق قائلة إن إدارة بوش تحتاج إلى شهرين إضافيين للتوصل إلى منهج متماسك للمضي قدماً.

وقالت رايس لشبكة «إن.بي.سي» التلفزيونية، وهي واحدة من سلسلة مقابلات: «علينا أن نعترف بمدى صعوبة ما يفعلونه. علينا أن نستمر في دعمهم والاهم أننا لسنا في حاجة لإصدار أحكام قبل الأوان». وأضافت: «ما زلنا في هذه اللحظة في منتصف الاستراتيجية».

وفي إطار دفاعها عن التقدم الذي أحرز أثنت رايس على حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لتقليص الانقسامات الطائفية في قوات الأمن العراقية الغارقة في المشكلات.

وعلى الجانب العسكري، أعلن الجنرال بنيامين ميكسون احد قادة الجيش الأميركي أن استراتيجية تعزيز القوات أتاح تحقيق «تقدم دائم» في منطقة ديالى التي تشهد أعمال عنف كثيرة ما يمكن أن يسمح بخفض القوات المقاتلة المنتشرة فيها اعتبارا من يناير المقبل.

وقال: «لدي الآن خمسة أو ستة ألوية، ونظرا لوضع العدو، ومع استمرارنا في المضي قدما، بإمكاننا خفض نصف القوات بعد فترة 18 شهراً». وأضاف انه يجب أن يبقى «حد أدنى من القوات» في المنطقة للعمل مع قوات الأمن العراقية وتقديم الدعم لها عندما يقتضي الأمر وتقديم الدعم الجوي للهجمات والنقل والمساعدة الطبية.

وشدد على أنه «قد يكون من الخطأ خفض القوات قبل يناير» متحدثا من وجهة نظر عسكرية، لكنه قال إن «تلك خيارات عسكرية ولابد من انجاز أمور أخرى في المجال السياسي. والاهم هو كسب ثقة الشعب العراقي».

وسط هذه التطورات التي خلقت متاعب كبيرة للرئيس الأميركي، لمحت بريطانيا إلى إمكانية مراجعة تحالفها مع أميركا حول حرب العراق في ظل ظهور بوادر فشل سياستها المنتهجة في المنطقة، وتحدث وزير التنمية الدولية البريطاني دوغلاس الكسندر عن توجه بلاده إلى تغيير سياستها الخارجية بعيدا عن الولايات المتحدة.

وقال الكسندر في كلمة في واشنطن إن «قوة أي بلد تعتمد على صنع تحالفات عالمية أكثر من الاعتماد على القوة العسكرية» في إشارة واضحة إلى السياسات الأميركية.

وقال الكسندر في تصريحاته التي فسرتها وسائل الإعلام البريطانية على أنها تشير إلى تغيير في علاقة الحكومة البريطانية الجديدة مع واشنطن: «في القرن العشرين كانت قوة البلد تقاس غالبا بما يمكنه تدميره. في القرن الواحد والعشرين يجب أن تقاس القوة بما يمكننا أن نبنيه معاً»، مضيفاً أنه «يجب أن نشكل تحالفات جديدة تستند إلى هذه القيم المشتركة.. تحالفات ليس لحمايتنا فقط من العالم وإنما لنمد يدنا إلى العالم».

وسارعت لندن إلى نفي أي تغير في العلاقات مع إدارة بوش وأكدت أن رئيس الوزراء براون سيزور واشنطن هذا الأسبوع للتباحث مع الرئيس الأميركي حول الوضع في العراق ونفت أي تغير في العلاقات مع إدارة بوش . وشدد مكتب رئاسة الحكومة البريطانية (داونينينغ ستريت) على نفي أن تكون لندن تنوي النأي بنفسها عن الإدارة الأميركية.

ووصف الناطق باسم مكتب رئيس الحكومة الطريقة التي فسّرت من خلالها تقارير الصحف البريطانية كلمة دوغلاس ألكسندر بـ «السخيفة».

وأكد نائب قائد القوة المتعددة الجنسيات في العراق الجنرال غرايم لامب على أن «الحكومة العراقية تتحرك بسرعة على طريق تولي المسؤوليات الأمنية من قوات التحالف.

وابلغ لامب المحطة الإذاعية الرابعة التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن «قوات التحالف تحدث تغييراً على الأرض في العراق»، نافياً أن «تكون هذه القوات فقدت مبررات وجودها». وشدد على أن «قوات التحالف تتحرك على طريق جعل الحياة أفضل في العراق وتمكين شعبه من النجاح في تجربته الديمقراطية ونقل المسؤوليات الأمنية التي كانت تضطلع بها هذه القوات على مدى السنوات الأربع الماضية إلى السلطات العراقية».

وقال إن السلطات العراقية «منخرطة الآن بشكل فعال وبطريقة جعلتنا ندرك بأننا صرنا في نقطة التحول مع تولي السلطات المحلية مسؤولية المشاكل التي تواجهها رغم خطورة هذه المرحلة، غير أننا ومن دون أدنى شك نحدث تغيراً الآن».

وفي موازاة ذلك، حذّر النائب عن حزب «المحافظين» البريطاني المعارض، برنارد جنكين «من مضاعفات تحديد جدول زمني لسحب قوات التحالف من العراق».

وقال في حديث لـ «بي بي سي» إن «قوات الأمن العراقية لا تملك القدرة على العمل بشكل مستقل»، وشدد على أن «سحب قوات التحالف سيخلق مشكلة إستراتيجية هائلة في العراق ويعد خيانة لجميع القوى في المنطقة التي تعتمد على البريطانيين والأميركيين لإنهاء المهمة التي بدأناها واعادة الإستقرار إلى العراق».

من جهة اخرى قالت مصادر أمنية إن «الجيش التركي عزز مستويات قواته في جنوب شرق البلاد إلى أكثر من 200 ألف فرد معظمهم يتمركز على الحدود مع العراق».

وأوضحت أن «الحشد الضخم بشكل غير معتاد والذي يشمل دبابات ومدفعية ثقيلة وطائرات هو جزء من حملة أمنية ضد المتمردين الأكراد الذين يختبئون في جنوب شرق تركيا وشمال العراق».