علمنة الإسلام وتقديم تفسير عصري للقرآن آخر المطالب التي يدعو لها انصار الفكر العلماني في الآونة الأخيرة، ذلك الفكر الذي يرفض الأديان ويرى أن الأديان السماوية هي أكبر القيود على حركة التقدم الإنساني وعقبة لإدراك سعادة الإنسان ورفاهيته.. فكر أعوج ودعاوى باطلة تظهر الرحمة وتخفي دائماً الظلم والعذاب، يتبناها شرذمة من الناس غير العارفين بضرورة الأديان وأهميتها لإقرار السلام والوئام بين خلق الله تعالى.

دعوات العلمانيين لا تنتهي ومحاولاتهم لعلمنة البلاد الإسلامية البائسة مستمرة، إلا أن المتحقق دائماً ما يصيبهم بالإحباط والفشل الذريع، إلا أن الملاحظ في الوقت نفسه أن الضغوط قوية والخطط محكمة، وكلما فشلت محاولة دبرت أخرى، ومن ثم لابد من التصدي لهذه المحاولات التي تهدف إلى النيل من الإسلام الحنيف وذلك بنشر الفكر العلماني في مختلف البلدان العربية وهذا ما يستوجب وقفة.

تقول د. إلهام شاهين بكلية الدراسات العربية والإسلامية: العلمانية فكر يدعو إلى التحرر من القيم والأخلاقيات الدينية، التي تشكل القاعدة الأولى لاستقرار المجتمع ونهضته، وبالتالي لم ولن تكون طوق النجاة كما يزعم المروجون لها، بل إن طوق النجاة هذا الذي يتحدثون عنه ليس إلا طوقا للغرق والهلاك في ظلمات دعوات التحرر من العقائد الدينية.

وترى أنه إذا ما بحثنا عن طوق النجاة لأمتنا والخروج من عثرتها الحالية، لن نجد سوى الإسلام سبيلا للنجاة فالإسلام لم يحجر على العقول بل جعل للعقل الحرية الكاملة في الفكر والإبداع وأطلق له العنان للبحث والابتكار حتى يصل إلى أعلى درجات التقدم البشري.

وتشدد على أن العلمانية لا تصلح لأي مجتمع عربي أو إسلامي، نظراً لأن القيم التي تنادي بها تتناقض مع القيم والأعراف التي تقوم عليها المجتمعات العربية والإسلامية، ومن ثم فإن الاعتراف بها وتطبيقها يسبب خللا لاستقرار المجتمع القائم على التمسك بالقيم والأعراف والتقاليد التي اكتسبها المجتمع من تعاليم الإسلام وقيمه الرفيعة، والعلمانية ليست ضرورة حضارية بل إنها تنذر بانهيار المجتمع وهلاكه، إذ إن ضررها أكبر ولا نفع لها، بل إن الأزمات الحالية التي تعاني منها أمتنا ناجمة عن بعدنا عن قيم وقواعد الإسلام.

وفصل البعض بين دينه ودنياه وهذا ما ينادي به دعاة العلمانية التي هي جوهر أزمتنا وليست حلا لها، ويجب أن ندرك أن الإسلام لم يترك شيئاً إلا وضع له قواعد وأركاناً تحكم التعامل معه، فإذا استغنينا عنها بقواعد بشرية كالعلمانية مثلاً فإننا كمن نقول للمولى عز وجل - والعياذ بالله من ذلك - قانونك أو شريعتك لا تصلح لنا نحن أغنياء بعقولنا عنك!

ويرى د. عبد الصبور شاهين بكلية دار العلوم جامعة القاهرة أن العلمانية حركة ملحدة تنكر حاجة العالم إلى الله، وترى أن العالم يدبر نفسه بنفسه، فهذا هو جوهر اعتقاد العلمانية في أي بلد من بلدان العالم الإسلامي، وهي كذلك فكر ينكر الكثير من الثوابت والحقائق الشرعية، لكن يجب أن نوضح أن العلمانية في حقيقتها ليست عدوا للإسلام، وإنما هي وسيلة وأسلوب يستخدمه أعداؤه، أي أنه أسلوب جديد يحارب البعض به الإسلام، ولا تزال الجماعات العلمانية تريد أن تتحكم فيما كانت تتحكم فيه في السابق الحركة الشيوعية.

فعندما سقطت الحركة الشيوعية اجتمع أباطرتها وقرروا أن يروجوا للفكر العلماني، لأنه البديل الوحيد الذي يتسع لوجودهم، وكان من الاتجاهات التي اتفقوا عليها أن يروجوا لما يمكن أن يكون توفيقا بين العلمانية والدين مع أنهما نقيضان لا يجتمعان، وكثير منهم يحاول أن يجعل العلمانية في شعار واحد وهو فصل الدين عن السياسة، وهذا خداع للرأي العام الذي يجب أن يعرف العلمانية عارية على حقيقتها مفضوحة بإلحادها.

ويضيف: العلمانية لا يمكن أن يكون لها انتشار في الدول العربية والإسلامية، فلا يمكن أن تنطلي على شعبها محاولات نشر الإلحاد ورفض التشريع الإلهي، حتى وإن روج أصحابها لها بأفكار ومصطلحات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والهلاك ونشر الفساد والانهيار الأخلاقي والمجتمعي.

ويوضح د. أحمد عبد الرحيم السايح أستاذ العقيدة أن العلمانية إما تعني مجرد استبعاد الدين من توجيه شؤون الحياة الدنيا في السياسة والاقتصاد والعلم والأخلاق والتربية، أو تعني إسقاط الدين بالكلية واعتبارها أفيونا للشعوب يخدرها عن الاهتمام بحياتها التي لا حياة بعدها.

ويؤكد أنه إذا بحثنا عن الأسباب التي أدت إلى ظهور العلمانية في المجتمعات الغربية المسيحية وجدنا من ضمن هذه الأسباب ظاهرة اعتراف النصرانية بوجود سلطتين، سلطة الله وسلطة قيصر، وهناك من يعزو أسباب ظهورها إلى ما كانت تهدف إليه الماسونية والمخططات الصهيونية، من تحطيم القوائم التي شكلتها النصرانية والكنيسة في وجه اليهود، وصد نشاطهم في المجتمعات الأوروبية والأميركية، إذ أفسدوا الحياة في أميركا على وجه الخصوص، ودمروا الأخلاق والقيم باحتكار تجارة الخمور والبغاء، والأزياء الماجنة، والآداب الساقطة عبر مخطط منظم.

ويقول: هذا فضلاً عن إفساد الحياة السياسية، والتلاعب البشع بالعالم ككل، وبالأسعار والشعوب، إذ إن هدفهم الأساسي، تحطيم المجتمعات الإنسانية، في عقائدها وأخلاقها، وروابطها حتى يتمكنوا من القفز إلى السلطة بلا مقاومة، ومخططاتهم عن طريق الدعوة إلى العلمانية، أي الفصل بين الدين والدولة، وبذلك يستطيع اليهود أن يبثوا نشاطاتهم في المجتمعات الأوروبية وغيرها من المجتمعات النصرانية، ويأخذوا مكانتهم فيها، والباحث في أمر العلمانية يجد أنها كان لها أبعد الأثر في الفكر الغربي.

ويضيف: منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي بدأ احتلال الدول الأوروبية لبعض المجتمعات الإسلامية، لتفرض إرادتها على الدول المحتلة عن طريق القوة، والغزو الفكري والثقافي، وقد بدأت باكورة الغزو الثقافي في العالم الإسلامي بإقصاء التعليم، وإحلال منهاج علماني بديلا عنه، وقد بدأ هذا واضحاً في محاولات فرض القوانين الوضعية بديلاً للشريعة الإسلامية، كذلك تم إلغاء المحاكم الشرعية من بعض الدول الإسلامية، ولقد مهدت خطة الاستعمار إلى تقبل الفكر العلماني.

وكان سماسرة العلمانية يروجون لها في البلاد الإسلامية بمجموعة من المقولات، منها أن العلمانية سر التقدم في أوروبا، وأنها الأسلوب الوحيد لتحرير العالم من الدين، وأن الإسلام الحاكم للحياة الدنيا قضية مرفوضة أساساً، ومن المقولات التي تتردد لخداع المسلمين، أن العلمانية لا تتعارض مع الإسلام.

ويشير د. السايح إلى أن الباحث في مؤامرات العلمانيين العلمية يجد أنها مستمرة، وتحيط بالمسلمين من كل جانب، وتركز على الطعن في حقيقة الإسلام، والقرآن والنبوة، زاعمة أن الإسلام دين استنفد أغراضه، وأن فرائضه وشعائره روحية لا شأن لها بالحياة، وكذلك تزعم أن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني، وتدعي أن الشريعة لا تتلاءم مع الحضارة، وتهون من شأن الحضارة الإسلامية وتاريخها، وتسعى لإحياء الحركات الهدامة، وبعث الطوائف الضالة، وتضخيم أدوارها، ونبش الحضارات القديمة، وإحياء معارفها.

وكذلك وضع منهج لا ديني للبحث العلمي، والدعوة إلى نبذ اللغة العربية، وهجر حروفها وأساليبها، وإثارة ما يسمى بتحرير المرأة، والمنهج الصحيح للمواجهة هو أن نواجه الفكر بالفكر، والعمل بالعمل، كما أن علينا قبل أن نواجه العلمانية، ونجتث جذورها التي امتدت طويلا أن نقوي وندعم ونحصن شخصيتنا الإسلامية، فالعلمانية التي سلطت على المجتمعات الإسلامية ركزت على هدم معالم الشخصية الإسلامية، ولا يخفى أن هدم الشخصية يساعد على قبول الأباطيل.

ويقول د. محمد الشحات الجندي أستاذ الشريعة: العلمانية إفراز غربي لتطور النظم والأيدلوجيات بالمجتمعات الغربية، وهو مفهوم يختلف في جوهره وبنائه عن المفهوم الإسلامي الذي يقدم رؤيته على أساس من تكامل الحياة في الدنيا والآخرة، رؤية محكومة بتعاليم السماء وشريعة الإسلام، ولا يمكن الفصل بين الدين والدنيا والتشريع والاقتصاد والأخلاق والحضارة، وهذا هو معنى أن الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة، في حين أن مفهوم العلمانية يقوم على أن الإنسان حر في اختيار النظم والقوانين التي تحكم حياته بمعزل عن القيم الدينية، وإنها محصورة داخل دور العبادة فقط ونظرا لهذا الانفصال الحاد بين القيم الدينية التي يمثلها الإسلام ومنظومة العلمانية التي تتأسس على انطلاق العقل الإنساني وحرية الإنسان وتطور المجتمع.

لذلك ينبغي أن يؤخذ هذا الفكر العلماني بشيء من التحفظ وعدم الانسياق وراء مقولات قد تبدو في بعض الأحيان أن لها بريقا وقبولا عقليا ومواكبة للتطور، إلا أنها تنطوي على أفكار ماكرة وأهداف خبيثة، تسعى لعزل الدين وطرحه واستبعاده عن التأثير على حياة الناس والمجتمعات المعاصرة باعتباره تراثا كان ملزما للجميع في فترة من الدهر.

ويصف د. الجندي دعوات العلمانيين بأنها أشبه بالمقولة الشائعة (السم في العسل)، إنها دعوة في ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ولا يمكن أن تكون هي الضرورة الحضارية للخروج من أزمتنا الراهنة فالحضارات والأنظمة تتداول وتمر بمراحل من النمو والتطور والتراجع والانكسار.

ويؤكد د. محمد أبو ليلة بجامعة الأزهر الشريف أن الإسلام يعترف للعقل بمكانته ويعرف له إمكانياته، ويضم إليه الوحي هديا ونصيرا ومكملا، وأن العلمانية مشتقة من علمنة الشيء، أي جعله متوقفا على هذا العالم المحسوس، وبالتالي فلا مجال للدين مع العلمانية، وأن الحضارة الغربية بوضعها الحالي والتي ينادي العلمانيون العرب بتبنيها دون نقد أو وعي مهددة من دخلها معطوبة في صميمها، بسبب ما يسود فيها من استغراق في الترف والجنس والانحلال والتركيز على المصالح المادية فقط، واعتبار الفرد فوق الجماعة وفوق المجتمع.

ويقول: هناك الكثيرون من علماء أوروبا وفلاسفتها يرون أن هذه المخاطر تهدد الحضارة الغربية في صميمها.. و ينادي العلمانيون ليل نهار بفصل الدين عن الدولة، وتنحية الإسلام عن واقع حياة المواطنين، واعتبار الإنسان هو المرجعية، وليس الوحي أو الشريعة، حتى أن بعضهم زعم أن الإسلام رسالة روحية، ولا صلة له بالمصالح الدنيوية التي هي من شأن السياسة، وزعم هؤلاء جهلا وغطرسة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن سياسيا ولم يؤسس حكومة ولا دولة، إنما كان صلى الله عليه وسلم مبلغاً كأي نبي سابق، وهذه عجيبة لا نتوقعها من إنسان عنده أدنى حد من الأخلاق، وأدنى قدر من العلم بالقرآن وبسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بتاريخ الإسلام.

ويستطرد: وهؤلاء المدافعون عن العلمانية يتجاهلون الهجرة التي كانت من أجل إقامة الدولة الإسلامية الأولى، وصحيفة المدينة التي عقدت بين المسلمين واليهود لأول مرة في التاريخ، وفيها تقررت الحقوق والواجبات في السلم والحرب.

ويؤكد أن ضجيج العلمانيين ازداد للأسف في هذه الأيام، وبخاصة في هذا الوقت الذي يشدد فيه الغرب ضغوطه، ويكثف تهديداته ضد المسلمين، وهنا أذكر أنه منذ أيام عقدت مجموعة كبيرة من المحافظين الجدد مؤتمرا علمانيا كبيرا في أميركا، شارك فيه علمانيون متطرفون من دول عربية، طالبوا فيه بلغة تهديدية بوجوب علمنة الإسلام وتقدير تفسير عصري للقرآن يتلاءم مع المطالب العلمانية والرؤى الغربية.

فالعلمانية لا تصلح مطلقا لبلادنا بل ولا تصلح لكافة بلاد العالم، وشعبنا شعب متدين على طول التاريخ، وقد جاء الإسلام بالرسالة الخاتمة التي جمعت بين الدين والدنيا، وبين الوحي والعقل، في انسجام تام، ووضعت المنهج القويم للوصول إلى حياة أفضل، وشعبنا لن ينطلي عليه كلام العلمانيين وشعاراتهم البراقة، ولن يتنازل عن الإسلام أو يهادن في التمسك بالقيم الراسخة والتقاليد التي تحرسه ويحرسها.